• المرقاب

أهمية قراءة الأدب الروائي

ترجمة إيمان معروف

نص كتبته كريستين سيفرت


من الصعب عمومًا تحديد المهارات الأكثر قيمة التي يفضلها المديرون لدى الموظفين، ناهيك بتقييم أصالتها أو قياسها. تشمل هذه المهارات الانضباط، والوعي الذاتي، وحل المشكلات بإبداع، والتعاطف، وسهولة التعلم، والتكيف، والمرونة، والإيجابية، والحكم العقلاني والكرم واللطف، من بين أشياء أخرى.




كيف تحكم ما إذا كان موظفوك المستقبليون يتمتعون بهذه المهارات؟ وإن كان أعضاء فريقك الحالي يفتقرون إليها، فكيف تعلمهم؟




تشير الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب إلى أنك قد تجد بعض الحلول في المكتبة، إذ إن قراءة الأعمال الأدبية تساعد الناس على اختبار التعاطف ونظرية العقل والتفكير النقدي. حين يقرأ الإنسان فإنه يشحذ ويقوي العديد من العضلات المعرفية، إن جاز التعبير، والتي تعد بحق جذور الذكاء العاطفي. بعبارة أخرى، إن فعل القراءة في حد ذاته النشاط الذي يمكنه تطوير صفات وسمات وخصائص هؤلاء الموظفين الذين تسعى المؤسسات إلى جذبهم والاحتفاظ بهم. ولطالما روج قادة الأعمال رفيعو المستوى لفضائل القراءة. يقضي وارن بافيت، الرئيس التنفيذي لشركة بيركشاير هاثواي، معظم يومه في القراءة، ويوصي بقراءة 500 صفحة في اليوم. في حين يؤكد رجل الأعمال مارك كوبان أنه يقرأ أكثر من ثلاث ساعات في اليوم. أما إلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة سپيس إكس، فقد تعلم صناعة الصواريخ من خلال قراءة الكُتب. لكن أصحاب الرؤى في مجال الأعمال الذين يمجدون فضائل القراءة يوصون دائمًا بقراءة الكُتب غير الروائية. على سبيل المثال، أوصى بافيت بقراءة 19 كتابًا في عام 2019، وكانت جميع عناوينها بعيدة عن الأدب الروائي. ومن بين 94 كتابًا أوصى بها بيل جيتس على مدار سبع سنوات، تسعة منها فقط كانت أعمالًا روائية. نفترض عمومًا حين يتعلق الأمر بالقراءة، أن القراءة بغاية المعرفة هي أفضل سبب لتصفح كتاب. ولكن تشير الأبحاث إلى أن قراءة الأدب الروائي قد تقدم فوائد أهم من الكُتب غير الروائية. على سبيل المثال، تحفز قراءة القصص الروائية على تفعيل الفطنة الاجتماعية وتعزز القدرة على فهم دوافع الآخرين. قد تكون قراءة الكُتب غير الروائية ذات قيمة في جمع المعارف بالتأكيد، لكنها لا تضطلع كثيرًا بمهمة تطوير الذكاء العاطفي، فهو هدف بعيد المنال. كيف تصيغ الكُتب تجاربَ الموظفين من أسباب نجاح الروايات في مكان العمل، أن تفاعل الشخصيات والحبكة والتفاصيل في أماكن أجنبية يساعد في ترسيخ النقاشات الصعبة. ويتيح السرد للمشاركين الانخراط في تفاصيل قضايا حساسة ودقيقة بطريقة منفتحة وصادقة. على سبيل المثال، أشارت نانسي كيدر، الميسِّرة في منظمة Books@Work غير الربحية، إلى نقاش يدور في مكان العمل حول قصة تشينوا أتشيبي القصيرة، "درب الرجل الميت". ومن مجريات أحداث هذه القصة أن يفشل مدير نيجيري يدعى مايكل أوبي فشلًا ذريعًا عندما يحاول تحديث مدرسة ريفية. عند مناقشة القصة، أشار قائد الفريق الذي عملت معه كيدر إلى أن المشاركة في النقاش مع فريقه منحتهم لغة جديدة لمناقشة عملهم. غالبًا ما تعني المشاركة الأصيلة مجرد انخراط الأشخاص معًا في مناقشة النصوص الجذابة. يتعمد جوزيف باداراكو، أستاذ أخلاقيات العمل في جامعة هارڤارد، اللجوء إلى أعمال أتشيبي، إلى جانب أسماء أخرى، مثل "أنتيجون" لسوفوكليس، و"بقايا اليوم" لكازو إيشيغورو، وقصة جوزيڤ كونراد القصيرة "المشارك السري"، عن ربان سفينة شاب عديم الخبرة عليه اتخاذ قرار مهم. أخبر باداراكو مؤسسة HBR IdeaCast في عام 2013 بأن الأدب يوفر فرصة لتعقيد معيار الخير مقابل الشر عبر العديد من الاستعارات. ويقدم الأدب الجيد شخصيات ذات وجهات نظر متنافسة وغالبًا ما تكون صحيحة، في حين أن كُتب الأعمال تختصر بطبيعتها القضايا حتى تصبح ضمن ثنائية: هذا صحيح وهذا خطأ. في المقابل، يسمح الأدب لطلاب باداراكو برؤية، على سبيل المثال، ولاء كريون للدولة والتزام أنتيجون بالأسرة والشرف بوصفهما مواقف صحيحة متكافئة؛ لا يمكن تصحيحها بسهولة. لن يواجه قادة الأعمال في المستقبل السيناريوهات الدقيقة التي قرؤوا عنها، لكنهم سيتمتعون بقدرة موسعة على فهم وجهات النظر المتنافسة المتعددة والاستجابة لها. في تجربة كيدر، يلاحظ أن المشاركين الذين يقرؤون ويناقشون باتوا أكثر استعدادًا للتعامل مع الأسئلة الصعبة. طرح المشاركون في التجربة أسئلة حول كيفية موازنة التقاليد مع الابتكار، وكيف نفشل أحيانًا في رؤية وجهات نظر الآخرين، وكيف يمكننا الاستماع إلى بعضنا بعضًا باهتمام أكبر. على سبيل المثال، قد يقرأ أولئك الذين يسعون إلى مناقشة قوية حول التواصل المجتمعي رواية (العشيرة Kindred) للكاتبة أوكتاڤيا بتلر، وهي رواية خيال علمي تتناول الطرق التي يشكل بها العرق التجربة الفردية للمرء. قد يقرأ آخرون، الذين يرغبون في النظر إلى الأشياء "المألوفة" بطريقة "غير مألوفة"، قصة جورج سوندرز القصيرة، "الجرو"، عن طفل يريد جروًا ليكتشف أن صاحب الجرو يحتفظ بصبي مقيد. إن الهدف من القراءة بهذه الطريقة هو تطوير خفة الحركة المعرفية والفطنة. أي يتعلق الأمر بالقراءة التي تهدف إلى تطوير المهارات العاطفية المطلوبة. لماذا تنجح القراءة تشير الأبحاث إلى أن قراءة الأدب الخيالي تعد وسيلة فعالة لتعزيز قدرة الدماغ على الحفاظ على عقل متفتح في أثناء معالجة المعلومات، وتعد مهارة ضرورية لاتخاذ قرارات فعالة. ففي دراسة أجريت عام 2013، درس الباحثون مسألة تسمى الحاجة إلى الإغلاق المعرفي، أو الرغبة في "الوصول إلى نتيجة سريعة في اتخاذ القرار والنفور من الغموض والارتباك". يعتمد الأفراد الذين لديهم حاجة قوية للإغلاق المعرفي على "دلالات المعلومات المبكرة"، مما يعني أنهم يجدون صعوبة في تغيير رأيهم عندما تصبح المعلومات الجديدة متاحة. كما أنهم ينتجون عددًا أقل من الفرضيات الفردية حول التفسيرات البديلة، مما يجعلهم أكثر ثقة في معتقداتهم الأولية (وربما الخاطئة). إن الحاجة الكبيرة للإغلاق المعرفي تعني أيضًا أن الأفراد ينجذبون نحو أجزاء أصغر من المعلومات ووجهات نظر أقل. ويميل الأفراد الذين يقاومون الحاجة إلى الإغلاق المعرفي إلى أن يكونوا أعمق تفكيرًا، وأكثر إبداعًا، وأكثر تقبلًا للروايات المتنافسة - أي يتمتعون بجميع خصائص الذكاء العاطفي العالي. اكتشف باحثو جامعة تورنتو أن الأفراد المشاركين في دراستهم ممن يقرؤون القصص القصيرة (على عكس المقالات) أظهروا حاجة أقل إلى الإغلاق المعرفي. هذه النتيجة ليست مفاجئة بالنظر إلى أن قراءة الأدب تتطلب منا أن نبطئ، وأن نأخذ كميات كبيرة من المعلومات، ثم نغير آراءنا تدريجيًّا في أثناء قراءتنا. لا توجد إجابة سهلة في الأدب، بل هناك وجهة نظر فقط. ومن شبه المؤكد أننا كقراء سنجد أن الراوي همبرت لوليتا بغيض، لكننا مضطرون لتجربة طريقة تفكيره، وهو تمرين قيم لتقليل حاجتنا إلى الإغلاق المعرفي. علاوة على ذلك، يشير الباحثون إلى أن الحديث عن أفعال شخص آخر يمنحنا الشعور بأننا لسنا مضطرون للدفاع عن أنفسنا. يمكننا إجراء محادثات قد لا تحدث في أي سياق آخر، على الأقل ليس بنفس المستوى من الصدق. الاستثمار في القراءة قد يتردد الرؤساء التنفيذيون في الاستثمار في هذا النوع من الوقت والمال والطاقة التي تتطلبها القراءة والمناقشة الأدبية الميسرة، لكن التقارير الأولية تشير إلى أن المجموعات الأدبية التي يقودها الميسرون مفيدة للغاية. كان مارڤن رايلي، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة التصنيع EnPro Industries، يبحث عن طرق لتعزيز "ثقافة المحصلة النهائية المزدوجة" للشركة. أراد رايلي "ترسيخ الأمان النفسي، وتعزيز التعاون، واحتضان فكرة الجدارة، واستخدام التفكير النقدي، وقبل كل شيء، خلق مشاركة شخصية عالية". دعا رايلي مؤسسة Books@Work للعمل مع حوالي 20 مشاركًا في وقت واحد على مدار عدة جلسات. يقرأ المشاركون قصصًا قصيرة أو روايات، ثم يناقشوها معًا خلال ساعات العمل، بتوجيه من الميسر. ينسب رايلي الفضل إلى البرنامج في زيادة صراحة فرق العمل والقدرة على التواصل بفعالية من خلال لغة مشتركة. على الرغم من عدم وجود بيانات أكاديمية محددة حول كيفية تأثير دمج دراسة الأدب الموجهة في برامج التدريب والتطوير في مكان العمل على الموظفين، فإن البحث في القراءة يُظهر أن دراسة الأدب من أفضل الطرق لبناء التعاطف والتفكير النقدي والإبداع. وترى ماريان وولف، العالمة المعرفية ومؤلفة كتاب Reader ,Come Home، أن "جودة قراءتنا" تمثل "مؤشرًا على جودة تفكيرنا". وإذا ما أردنا إعداد أشخاص أفضل تفكيرًا في عالم الأعمال، فعلينا بناء قراء أفضل.


إشترك بمجلتك "المرقاب" .....من أجل  أن تصلك المعلومات

.أول بأول رجاءا إكتب بريدك الإلكتروني في الصندق السفلي واضغط  Subscribe 

Subscribe to Our Newsletter

  • White Facebook Icon

 2020 © alMirqab.Das.Monokel 

almirqab.das.monokel@gmail.com