• المرقاب

لماذا نقرأ في نصوص ابن تيمية الحرّاني تارة التشدد وتارة التسامح؟


أبو الفرج ابن الجوزي (510هـ – 597 هـ)


لا يمكن لابن تيمية (661 هـ – 728هـ) إلا أن يكون ابن زمانه. فكريا، فهو متشرب بثقافة وقته وهموم زمانه. ومعرفيا، لا يمكن إلا أن يكون مطلعا على إرث من سبقه، خصوصا داخل الإطار الحنبلي. فهو حنبلي المذهب. تأسست مبانية المعرفية من خلال تنشأته على التراث الحنبلي. ومن خلال ذلك التراث، توسعت رؤيتة الدينية والوجودية بالتطرق الى بقية الإرث الإسلامي، وتمعرت سمات إدراكه بتجاذبات بينية (إسلامية إسلامية)، وأخرى خارجية سارت به خطاه نحو قدرا مرموقا من الإحتكاك مع الإرث الكوني الفارسي واليوناني، الذي إتضح بشكل واضح في موسوعتة المشهورة بإسم: "درأ التناقض".


كتابات ابن تيمية تحتوي على تشدد وتسامح في آن واحد. تشدد يصل الى إهدار الدم تارة، وتسامح واسع وكبير مع كل من شهد بالشهاداتين بغض النظر عن سلوكه.

هذا التناقض يحدث إضطرابا ليس فقط لدى المتلقي ولكن عند محاولتنا لفهم فكر ومواقف ابن تيمية.

فاضطرابات نصوص ابن تيمية لا يمكن تصنيفها على إنها إنعكاس لإضطرابات نفسية في شخصية ابن تيمية. فإبن تيمية كان متزنا كإنسان في مجتمعه. بل إنني أعتقد إن سر إضطرابات وتزعزعات مواقفه المتشجنة تارة والمتسامحة تارة هي نتيجة عدم تمكنه من حسم الإرث الحنبلي الذي تشربت مداركه به، و الذي من خلاله تأسست مداركه لرؤية الوجود الفقهي والكلامي للعالم.




أمثلة على إضطرابات ابن تيمية السلبية:


توجد في كتب ابن تيمية عدة فتاوى في الفروع أفتى فيها بالقتل في مسائل فقهية جزئية، كان بعضها خلافيا بين الفقهاء أنفسهم....


يقول ابن تيمية في أحد أشهر كتبه (الفتاوى الكبرى):

"الجهر بلفظ النية ليس مشروعا.. ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب، يجب تعريفه الشريعة واستتابته من هذا القول. فإن أصر على ذلك قتل".


يقول ابن تيمية: "من أخر الصلاة لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ .... حتى تغيب الشمس وجب عقوبته بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب".


يقول ابن تيمية عن التكبير بعد ختم بعض سور القرآن، قال: "من ظن أن التكبير من القرآن فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل".


واستشهد في "مجموع الفتاوى" بقول الفقيه الشافعي ابن خزيمة (القرن الثالث)، واصفا إياه بإمام الأئمة، "من لم يقل: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة".


أمثلة على إضطرابات ابن تيمية الإيجابية:



وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول:
أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن "فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم.
" سير أعلام النبلاء " (15/ 88).

البحث


للإجابة على هذا السؤال سأقوم بإعادة قراءة السّلفيّات الحنبليات المُغَيّبات. أريد من خلال هذه المراجعة إحداث حفرية في الإرث الحنبلي. في التاريخ الذي سبق ابن تيمية. أريد أن أجادل من أجل إثبات أن ابن تيمية لا يمثل تيارا حنبليا نقيا بل إنه يمثل تيارا حنبليا نادرا بكونه هجينا لتلك الحنبلية التي آثرت أن تعيش حنبلية البربهاري (233 – 329 هـ) المتشدد وحنبلية أبو الفرج ابن الجوزي (510هـ – 597 هـ) المتسامح في آن واحد على الرغم من كونهما يمثلان قطبان حنبليان لا يلتقيان.

فمن السلفيين الذين تتجاهلهم الأذرع الإعلامية الدينية هو أبو الفرج ابن الجوزي القرشي البغدادي. وهو فقيه حنبلي محدث ومؤرخ ومتكلم (510هـ – 597 هـ). ما يهم بحثنا هو أن أبو الفرج بن الجوزي يعد أول سلفي كتب عن شخصية متصوفة وعن التصوف في كتاب بعنوان: درر الجواهر من كلام الشيخ عبد القادر الجيلاني. موضوع الكتاب هو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو الكيلاني (470 هـ – 561 هـ). وهو متصوف مشهور جدا وتنسب الطريقة الصوفية المشهورة بالقادرية إليه. بهذا العمل الكتابي نسج السلفي الحنبلي أبو الفرج بن الجوزي مبكرا مجدّلة عقدت بين ضفيرة سلفية مع أخرى متصوفة بحيث لا يمكن فلّها. وكان هذا الكتاب محاولة جادة من ابن الجوزي في مواجه تشكل السلفية البربهارية الإفنائية. ففي تقديري توجس ابن الجوزي خيفة من حجم العبث الفكري الإفنائي الذي أطلقه أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري البغدادي (233 – 329 هـ) بسلوكياته وكتاباته المتأزمة باسم الحنبلية والسلفية. فالبربهاري هو المؤسس والمنظر لتلك السلفية المتأزمة التي قسمت البشرية وصنفت الثنائيات الإفنائية فربط المسلم الذي لا يطابقه بالبدعة وسماه منحرف وربط من يطابقه ب بالرشد والهداية وباتباعه لأهل السنة والجماعة.

يجد الباحث أن ابن الجوزي سلفي متعايش مع المسلم المتصوف بشكل جميل. وسيستنتج الباحث أن ابن الجوزي نجى من إخفاق البربهاري في استيعاب المشيئة القرآنية المطلقة والواردة في سورة الكهف والتي تجعل مشيئة الكفر أو الإيمان بيد الإنسان والتي تؤكد أنه لا توجد عقوبة دنيوية على اختيار الكفر/البدعة بل كل العقوبات أخروية يجريها الرب عز وجل بحق الظالمين بدون مساعدة من أي إنسان لا في الدنيا ولا في الآخرة: ” وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)”. هكذا لم يفكر ابن الجوزي بمعاقبة المبتدع فقهيا في حين أن البربهاري اطلق عنان فقهه لإقصاء الآخر المختلف ثقافيا ومجتمعيا وجماعتيا ودينيا.


كما أن ابن الجوزية قاوم التجسيمات التي أسس لها البربهاري والتي نمت وأثمرت في كتابات شخصيات حنبلية مهمة:

ابن حامد الورَّاق (ت: 403 هـ الموافق 1012م

الشيخ أبو جعفر ابن أبي موسى الهاشمي (411-470)،

و ابن أبي يعلى (451 / 526 هـ - 1059 / 1131 م)،

و أبو الحسن علي ابْنُ الزَّاغُونِيِّ البغدادي (455-527 هـ ).



كتابات الجيل الحنبلي المتأثر بالبربهاري عكست تصلباته وقسوته وشدّته في كتاباتهم. ثقافة التصلب أدت الى ما عرف في بغداد بالفتنة الحنبلية أو الفتنة القشيرية.


حيث شهدت العراق تحديدا العاصمة بغداد في عام 469هـ هجري أحداث دامية عندما قام نظام الملك الطوسي (408-485هـ) الوزير السلجوقي باستدعاء الفقيه المتكلم أبو ناصر عبدالرحمن القشيري الطوسي الأشعري (439-512هـ) للحضور الى بغداد. طلب منه نظام الملك أن يقدم برامج ومواعظ في المدرسة النظامية البغدادية كمتحدث زائر. في تلك المواعظ فتح الشيخ أبو ناصر عبدالرحمن القشيري محور الكلام اللاهوتي وتحدث بلغة مناصرة ومؤيدة للمعتقد الأشعري ووضح مدى تفوقها على الأطروحة الحنبلية في العقيدة. عندما بلغ مسامع الشيخ أبو جعفر ابن أبي موسى الهاشمي (411-470) والذي كان في منصب شيخ مشايخ الحنابلة حينها أن الشيخ أبو ناصر عبدالرحمن القشيري يروج للرؤية اللاهوتية الأشعرية وينتقد اللاهوت الحنبلي وقعت مشادات بين العوام الحنابلة مع العوام الأشعرية ذهب ضحيتها زاء 20 شخصا.


كل هذا الأرث البربهاري حاول ابن الجوزي (510هـ – 597 هـ) التعامل معه بإحداث حركة حنبلية تصحيحية تعيد الى الحنبلية رشدها الحنبلي القديم. وقد أضطر ابن الجوزي الى إتهام الكتبة الحنابلة من الجيل الحنبلي الذي تقبل الإرث البربهاري دون إخضاعة الى النقد الكلامي والسلوكي والفقهي في كتابه المهم جدا

"دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه". والذي اضطر أن يكتب في صفحة 90 من كتابه أن تلك الكتابات الحنبلية تشبه مقالات العوام لا العلماء.


أنموذج البربهاري – ابن الجوزي

لم يستطع لا الشيخ ابن تيمية (661 هـ – 728هـ) ولا زميله الشيخ ابن قيم (691هـ – 751هـ) من حسم موقفهما إما بالانضمام إلى سلفية ابن الجوزي الناعمة، الذوقية، السلوكية و المتصوفة،

أو بالانظمام إلى سلفية البربهاري الصلبة، الإفنائية و المتأزمة.

فقررا مسك العصا من الوسط. فتجد في كتاباتهما (ابن تيمية-ابن قيم) إرث ابن الجوزي (السلفي – المتصوف) المتعايش مع الآخر بصور جميلة وتجد في كتاباتهما إرث البربهاري (السلفي المتأزم) الذي يريد إصلاح الضمائر بالعصى من خلال مجموعة فتاوي متشنجة لا ترتضي للإنسان من ممارسة مشيئته التي كفلها القرآن له.

تجد عند ابن تيمية-ابن القيم من إرث ابن الجوزي ما هو واضح جدا. فتارة تجد أن ابن تيمية يسهب في الكتابة عن مدح متصوفة الحنابلة الثلاثة: الشيخ عبد القادر الجيلاني، وعن الجنيد، وعن إبراهيم بن أدهم. كما تجد ابن القيم يختصر كتاب تصوفي باسم “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين”. تجده متسامحا أشد التسامح عندما يقول ابن تيمية:

أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن "فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم. " سير أعلام النبلاء " (15/ 88).


وتارة تقرأ بين نصوصهما تعابير الإقصاء وزندقة المخالف وبل تكفيره اقتداء بالبربهاري.


فشطحات ابن تيمية-ابن القيم المسهبة في التأزم وتارة المسهبة في النعومة لهما مرجعيتهما.

لذلك أعتقد أنه قد حان الوقت إلى إعادة اكتشاف تصوّفيّات السلفي – المتصوف أبو الفرج بن الجوزي، ومن ثم التعرف على تأثيره على كل من ابن تيمية-ابن القيم.

بعده نقوم بإنقاذ إرث ابن تيمية-ابن القيم من سلبيات البربهاري الإفنائية المتأزمة.


هكذا ستتمكن الدراسات الإسلامية مابعد الداعشية الإفنائية من طرح سلفية تصوفية ناعمة. تاعيشية متجدلة مع الآخر بوشائج تسمح بالتنوع والتعدد.

بعد ذلك يستطيع من يصر على الأنموذج السلفي من الأخذ من هذه السلفية/الصوفية المنقحة دونما أن تكون أفكاره إقصائية للتنوع الديني واللاديني في المجتمعات.

أتمنى أن يخرج جيل جديد من حملة شهادات الدراسات الإسلامية يمكن لمحبي السلم والسلام المجتمعي في كرة أرضية متعولمة من إثراء الوعي لدى الشباب بالتخلص من أفكار البربهاري الدخيلة وبتنقية كتب ابن تيمية وابن القيم منها لكي نعطي لمجتمعاتنا الفرصة لتعايش متعدد متصالح.


د. محمد الزّكري القضاعي

دراسات إسلامية

جامعة إكستر البريطانية




55 views0 comments