• المرقاب

الألماني جوته.. عاشق الإسلام والشرق


فولفجانج فون جوته


قام رموز النخبة الألمانية بدراسة الشرق والإسلام لكتابة أعمق الدراسات حولنا. السؤال هل قمت بدراسة ألمانيا والغرب لكتابة أعمق الدراسات. هذه الكتابات المفتاحية للتعرف على الحضارات من أهم وظائف المثقفين.


جوته صاحب الديوان الشرقي التراث الثقافي للحضارة البشرية يشير إلى الكثير من المجالات الحياتية كالفن والأدب اللذين ساهما على بناء الجسور بين مختلف الشعوب على مدى العصور، كما كان للترجمة في هذا السياق دور كبير لا ينكر في نقل العلوم والثقافات للحضارات المختلفة عبر الأجيال المتعاقبة، فالترجمة هي أيضاً أحد المداخل المهمة إلى حضارات الشعوب.


هناك العديد من الأمثلة التي تؤكد أن الانفتاح على الآخر وفهمه قادر على أن يكون عنصر إثراء مهم للإبداع والإلهام. أحد أجمل الأمثلة في هذا السياق هو العمل الأدبي الرائع «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» (1814 ـ 1819) للكاتب والشاعر والمفكر الألماني يوهان فولفجانج فون جوته (1749 ـ 1832) الذي أضاف بمؤلفه هذا كنزاً آخر قيماً للتراث الثقافي البشري.





هذا الديوان يمثل محاولة لضَمّ «الشرق» و»الغرب» معا بطريقة حضارية راقية،
فأشعار الديوان العذبة تشع تفاؤلاً وأملاً وتدعو إلى الأخوة بين الأمم والشعوب. إن هذا ليس بالشيء الغريب، فقد كان جوته يحتضن فكرَة «عالمية الأدب» ويشجع عليها، فهو يؤمن بأن للأدب رسالة بإمكانها أن توحد البشر وتبث بينهم المحبة والسلام والإخاء، فالأعمال الأدبية القيمة تتعدى حدود مكان منشئها وتتعدى حدود هوية كاتبها، ومن ثم تكون ملكاً للبشرية كافة. طفولة «شرقية» النظرة الأولى لديوان شعر جوته تعطي انطباعاً حسياً فريداً، فمن خلالها يستطيع القارئ أن يلمس ببساطة تعامل وتعاطي المؤلف الواثق والمتفهم بكل ما له صلة بالشرق، فليس هناك أي علاقة مفتعلة ما بين جوته والشرق، وهذا ما يزيد الديوان قيمة ورصانة ويجعله أكثر تأثيراً وجاذبية في الوقت نفسه. لقد احتك جوته بالأدب الشرقي منذ طفولته المبكرة، فكانت والدته وجدته تقصان عليه حكايات ألف ليلة وليلة قبل أن يخلد إلى النوم، مما أدى إلى صقل خياله، وفي صباه قرأ جوته بشغف مذكرات الرحّالة ودراسات المستشرقين وأولى اهتماماً كبيراً بالتوراة والأنجيل، باعتبارهما تاريخاً لحضارة الشرق القديمة.


وعندما بلغ الخامسة عشر عاما أبدى رغبة كبيرة في تعلم اللغة العبرية من أجل فهم أعمق للتوراة، حيث كانت قصص الكتب المقدسة تثير اهتمامه، فترجم من التوراة كتاب «نشيد الإنشاد» أثناء دراسته في شتراسبورج، كما حاول لاحقاً تعلم اللغة العربية والاطلاع على فن الخط العربي، الذي كان يستهويه.


بحافز من صديقه المفكر الكبير والذائع الصيت آنذاك يوهان جوتفريد هردر (1744 ـ 1803) ـ المهتم أيضاً بالشرق وحضاراته ـ قام جوته بتأليف نص تاريخي ديني، حول الكتب الأربعة الأخيرة للنبي موسى عليه السلام، حيث تطرق به إلى نزوح بني إسرائيل عبر الصحراء، وقد نشر جوته هذا البحث بعد خمسة وعشرين عاماً تحت عنوان «إسرائيل في الصحراء» في الجزء النثري من «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي»، الذي يتضمن بحوثاً وتعليقات، تعين القارئ على فهم الديوان.


كان للقرآن الكريم تأثير مهم على حياة جوته ولشدة إعجابه به، أطلق عليه تسمية «كتاب الكتب»، فعقيدة التوحيد والمشيئة الإلهية وضرورة الاستسلام لها، كذلك التوازن الفريد بين الروح والمادة‏ في كتاب الله المبين، أثار اهتمام جوته. لقد قرأ جوته الترجمة الألمانية للقرآن الكريم التي أنجزها المستشرق ديفيد فريدرش مجرلين، والتي لا تخلو من تشويه للإسلام ولشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، مما دفع بجوته أن يبحث عن ترجمات أخرى فعثر حينها على الترجمة اللاتينية للكاهن الإيطالي لودوفيكو ماراتشي.


لقد أثرت بعض آيات القران الكريم في جوته تأثيراً بالغاً مما حذا به لترجمتها إلى اللغة الألمانية، وخاصة الآيات التي تذكر وحدانية الخالق وأعجازه الكوني، فكتب آنذاك إلى أستاذه هردر: «اللهم أشرح لي صدري». تأثير قرآني ومن المثير للاهتمام في هذا السياق أن جوته بعد عقود وبالتحديد في خريف 1813، حصل على صفحة من مصحف مخطوط باللغة العربية، جلبها أحد الجنود الألمان من أسبانيا فطلب جوته في حينها من المستشرق جورج فلهم لورزباخ بترجمتها إلى الألمانية ليطلع عليها. إن ترجمة القرآن اللاتينية لمراتشي، التي قرأها جوته بإمعان، ألهمته وحفزته بعد عام من الاطلاع عليها بتأليف «المسرحية المُحمدية»، التي تتجلى فيها عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم الروحية، ولكن للأسف فُقدت ولم يُعثر إلا على أجزاء قليلة منها، أهمها «نشيد محمد»، الذي يفتتح به جوته الفصل الأول من مسرحيته، والنشيد عبارة عن حوار شعري بين بنت الرسول فاطمة وزوجها علي (كرم الله وجهه)، وهنا يُشبه جوته خاتم المرسلين (ص) بالنهر الرائع، الذي يجري هادئاً ثم يتسع ويتفرع وأخيراً يتدفق بكل عنفوان ليصب في المحيط الأعظم، رمز الألوهية والتوحيد. في عام 1773 اطلع جوته على الجزأين الأولّين من «تاريخ محمد ـ مشرع العربية» لمؤلفه الفرنسي توربن فرانسواز رينه (1709 ـ 1799)، فكان يقرأ بشغف كل ما يقع بين يديه حول النبي (ص) ويؤكد جوته هذا في مذكراته «شعر وحقيقة»، فيقول: «لقد قرأت ودرست حياة الرسول باهتمام بالغ». حين كلف آنذاك دوق فايمر كارل آوجست المفكر جوته عام 1799 بمراجعة ترجمة مسرحية «التعصب أو النبي محمد» للكاتب الفرنسي فولتير (1694 ـ 1778) التي فيها تشويه كبير لشخصية النبي محمد (ص) وللدين الإسلامي، وجد جوته بأن النص يناقض كليا صورته الإيجابية للرسول محمد (ص) ورسالته العظيمة، حيث كان جوته يكن احتراماً جماً للدين الإسلامي ولرسوله المصطفى (ص)، وخير دليل على هذا ما ورد في ديوان جوته «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» من مضامين عديدة تشيد بالإسلام وعظمة مبادئه، كما نجد أيضاً مضامين تمجد مآثر النبي (ص).


إن اطلاع جوته على القرآن الكريم دفعه إلى الاهتمام بتاريخ العرب وثقافتهم وأعجب بقيم الكرامة والحرية والشجاعة، وقد تأثر بفحول الشعر العربي أمثال الشاعر العبقري المتنبي وأبي تمام، ففي عام 1783 قرأ جوته الترجمة اللاتينية للمعلقات السبع، التي أنجزها المستشرق الأنكليزي وليم جونز فنالت إعجابه، حيث يصف جوته المعلقات بالكنوز في القسم النثري من ديوان شعره المشار إليه: «نحن نجد لدى العرب كنوزاً رائعة في المعلقات». لم يكتف جوته بقراءة المعلقات فقط، بل قام بترجمة بعض أبيات معلقة أمرئ القيس إلى اللغة الألمانية التي ألهمته فيما بعد بتأليف شعر على غرارها ضمه إلى ديوانه المذكور.


ومن اللافت للنظر لا نجد في ترجمة جوته أسماء الأماكن، التي يورد ذكرها بالنص العربي أو بالنص المنقول إلى الإنجليزية. هل أراد جوته حينها لكونه يؤمن بمبدأ العالمية أن يسلط الضوء أكثر على عمق المشاعر الإنسانية التي لا يريدها أن تكون ملكاً لثقافة معينة أو لمكان محدود؟ فارس والهند إلى جانب الأدب العربي اهتم جوته أيضا بالآداب الفارسية والهندية. ففي عام 1812 ظهرت ترجمة الشاعر الفارسي شمس الدين محمد حافظ الشيرازي (1320 ـ 1390)، التي نقلها عن الفارسية المستشرق النمساوي يوسف فون هَمّر بورجشتال، فأعجب بها جوته وأثرت فيه وبشعره، حيث اكتشف جوته قواسم مشتركة مع شاعر من عصر قديم ينتمي لحضارة مختلفة تماما عن حضارات، فاستهوته شخصية الشاعر حافظ الجامعة بين الدنيوية والصوفية التي تتجسد جلياً في أشعاره، واعتبره جوته منبعاً لإلهامه، ففي مذكراته يقول: «...فإن مجموعة أشعاره (حافظ) قد أثرت فيّ تأثيراً عميقاً قوياً حملني على أن أنتج وأفيض بما أحس وأشعر، لأني لم أكن قادراً على مقاومة هذا التأثير القوي على نحو آخر ...».


إن حركة «التنوير»، التي ظهرت في أوروبا بالقرن الثامن عشر والحركة الرومنطقية التي تلتها دعتا إلى التحديث والتطوير والاعتماد على العقلانية والتحرر من الموروث القديم والقوالب الجامدة التقليدية، كما شجعتا على اجتياز الحدود للاحتكاك بالحضارات الأخرى كالشرقية وغيرها في كثير من المجالات الثقافية والعلمية، وهذا كان له دور آخر في تفتح مدارك جوته ولا سيما تحت تأثير المفكر والفيلسوف يوهان جوتفريد هردر والفيلسوف الألماني الرومنطيكي فريدريش اشليجل (1772 ـ 1829). لقد اتسمت شخصية جوته بالتسامح واحترام الآخر، والترفع عن التعصب الديني وسمو فكره المؤمن برسالة الإسلام العظيمة والمعجب بشخصية الرسول المصطفى (ص)، وبقى جوته حتى نهاية حياته مقتنعاً وملتزماً بما يؤمن به.

ففي ديوانه المتكون من أثنى عشر كتابا، يذكر في كتاب الحكمة: «من حماقة الإنسان في دنياه أن يتعصب كل منا لما يراه، واذا الإسلام كان معناه التسليم لله فعلى الإسلام نحيا ونموت جميعاً» فالتسليم المطلق لمشيئة الله هو أكثر ما أعجب جوته في الرسلام، كما سبق، وضل الإسلام مرافقا لجوته منذ صباه المبكر حتى مماته، لانسجامه مع أفكاره وعقيدته، ففي السبعين من عمره يعترف بأنه يفكر منذ زمن طويل أن يحتفي في خشوع بليلة القدر المباركة، التي أنزل فيها القرآن الكريم.


يعتبر جوته من رواد المفكرين الأوروبيين الذي ترك روحه تسبح في فضاء الشرق وطلق العنان لأفكاره وتجول بشغف بين الشعوب المختلفة وثقافاتها، يكتشف أسرارها ويطلع على الأديان والعادات والتقاليد، ينهل من منابع المعرفة ويتطلع إلى كل ما يلامس روحه ووجدانه. هذا العمل الأدبي الخالد يكشف عن عقلية عالمية رائعة تصبو إلى الانفتاح والحوار، وهي مثال على التكامل ونموذج للأخوة والسلام. مما لا شك فيه، أن ديوان الشعر هذا بلغته ومضمونه يفتح لنا نافذة للتأمل بدواخل مؤلفه الفذ الذي يدعو إلى مد الجسور بين الأمم المختلفة والتعايش مع الآخر بعيداً عن التعصب والانحيازات، كما هو نموذج يجسد قيم التسامح ويشجع على اكتشاف أوجه التشابه بين ثقافات العالم ويفتح إمكانات للتعايش السلمي، حيث إن نصوصه تُبين للقارئ بأن التنوع والتمايز قادران على إثراء البشر، وينبغي ألا يكونا سبباً للنزاعات والحروب. كم هو العالم اليوم بحاجة إلى سفراء للسلام، يزرعون الحب والتسامح بأرجاء هذا العالم الذي يتطلب منا التعقل والحكمة في الرد على من يتجاوز على مقدساتنا، فهنالك أمثلة كثيرة من عمالقة الفكر الغربي تتسم بالتسامح والاعتدال واحترام الآخر بإمكاننا استخدام نتاجها الفكري وتوظيفه لصالحنا للرد على بعض المتطرفين الغربيين.


د. إشراق صالح

95 views0 comments