• المرقاب

الإلحاد العربي: أين الله؟



يحيى فكري

باحث في علم الاجتماع الديني

الإلحاد الجديد وفرسانه:

يمكننا اعتبار الإلحاد ظاهرة قديمة في التاريخ قِدَم الدين نفسه، وكانت ظاهرة الإلحاد عادةً ما تنحصر في المثقفين والفلاسفة ولم تكن تعبّر بالتالي عن كتلة مؤثرة في المجتمعات القديمة بل وشكّل الإلحاد العربي طوال التاريخ الإسلامي ظاهرة انحصرت بالفلاسفة والمفكرين(1).

بدأت ظاهرة الإلحاد تتخذ شكلاً واضحاً وفجّاً في التفكير الغربي بنهاية القرن التاسع عشر مروراً بالقرن العشرين كلّه، وانتهت الآن بما يعرف باسم “حركة الإلحاد الجديد”. تتمثل هذه الحركة في علماء شعبويين Pop Scientist يتخذون العلم مذهباً شاملاً ويزعمون أنه بمقدوره الإجابة على كلّ الأسئلة التي حاول ومازال يحاول الإنسان الإجابة عليها؛ من نشأة الكون ووجود الإله إلى نشأة الإنسان ومصيره بل إلى وضع تصّور كامل للمجتعات البشرية اقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً، مما يحوّل العلم هنا من مجرّد أداة محايدة إلى أيديولوجية تفرض نفسها وتجعل منتهجِي منهجها معرّضين للنقاش والمساءلة والنقد. تمّت تسمية المنتمين إلى هذه الأيديولوجية بـالعلمويين، وسُميّت هذه الحركة بــ“العلموية” Scientism.

يُعرف أشهر منظّري هذه الحركة بالفرسان الأربعة، وهم “سام هاريس” و”ريتشارد داوكنز” و”كريستوفر هيتشينز” و”دانييل دينيت”. فأمّا “سام هاريس” فهو عالِم أعصاب ودارس للفلسفة ومؤلف كتاب “رسالة إلى أمّة مسيحية” letter to a Christian Nation، وفيه انتقد سام هاريس الديانة المسيحية والتديّن المسيحي المعاصر، وأثار كتابه ضجّة في الأوساط الغربية الأمريكية حين نُشر، إذ يُعتبر -من وجهة نظر أمريكية- المؤلَّف الأهم له، وألّف كتاب “نهاية الإيمان” The End of Faith، الذي يحاجج فيه هاريس ضدّ الدين ويحاول فيه أن يُبرز خطر الدين على المستوى الاجتماعي والسياسي. أما فيما يتعلق بنظرته للدين الإسلامي، فلقد جاءت نظرته في هذا الكتاب نظرة مختزلة وتنظر للإسلام (بألف ولام التعريف) بأنّه دين يمكن تصوّره كعقيدة للموت Death Cult وحاضنة كبيرة للإرهاب، وهو يصادر هنا على الدين ككلّ باعتبار النسخة السلفيّة الوهابية المعاصرة هي النسخة الأصل، ولكي يفعل ذلك فإنّه قد قام بحشد كلّ الآيات التي اعتبرها محرّضة على الإرهاب والقتل وقام بنشر بعض الإحصائيات من بعض الدراسات ليثبت أنّ أغلبية المسلمين يمتلكون قابلية للعنف والإرهاب.

أما “ريتشارد داوكنز” فهو عالم أحياء تطوريّ مؤلف كتاب “الجين الأناني” The Selfish Gene، أثار ضجّة عالميّة حين نشر الكتاب (1976) ولكن تمّ نقض نظريته لاحقاً. وهو مؤلف كتاب “وهم الإله”The God’s Delusion، وفيه يحاول أن يدافع عن موقفه الإلحادي وذلك ببيان تهافت الأديان الإبراهيمية من يهودية ومسيحية وإسلام، وقد كان نقده الأساسيّ موجهّاً للعالم المسيحي، أما نقده للإسلام فجاء سطحياً وبسيطاً، وتمّ الردّ على كتابه بكتب عديدة من يهود ومسيحين بل وملاحدة لبيان ضعف حجته. ويبقى داوكنز، رغم كلّ شيء، هو الأشهر عالمياً على الإطلاق بين هؤلاء الأربعة. أما كريستوفر هيتشنز فهو صحفيّ مرموق له كتب سياسية عديدة كانت السبب في شهرته قبل أن يتوجه لنقد الأديان الإبراهيمية في كتابه المشهور “الله ليس أكبراً” God is Not Great، ولقد أشار في أحد لقاءاته أنّ اختياره للعنوان كان مقصوداً ضدّ الإسلام.

حاول هيتنشز في هذا الكتاب أن يشير إلى الكوارث التي تُرتكب باسم الدين، وحاول أيضاً أن يضع بعض التفسيرات لأفعال دينية وربطها بأساطير وطقوس قديمة وبدائية، وبالتالي فقد جاء نقده شعبوياً رغم رصانته الواضحة. كان هيتنشز مشهوراً بلسانه اللاذع في مناظراته، وكان هذا من الأسباب الرئيسية التي شهرته. ولقد توفّي في 2011 ومازالت حججه، منذ ذلك الحين، تُستخدَم من قِبَل الملحدين في العالم كله؛ وذلك لقوّتها وسخريتها الواضحة والتي تتميز بأنها لا تحمل أي نوع من المهادنة أو الحرص على مشاعر المؤمنين. أما آخرهم فهو “دانييل دينيت”. ويُعتبر دينيت أحد أهم فلاسفة العصر بلا شكّ، وذلك لأنه يحاول بمنهجه الفلسفي وقوة تنظيره أن يستخدم العلم في تفسير الوعي البشريّ، ويمكن بالطبع ضمّه إلى بقية فرسان الإلحاد الجديد في كونه يستخدم الداروينية والعلم لوضع أنظمة أخلاقية واجتماعية، وإن جاء هذا كله بلغة فلسفية قوية وواضحة.(2)

ظاهرة الإلحاد العربي: النشأة والانتشار

يجب في البداية أن أؤكّد أنني عندما أتكلم عن الإلحاد العربيّ فأنا أتكلم عنه كظاهرة شعبوية وليس كظاهرة نخبوية؛ أي لا يمكن أن يُفهم كلامي هنا على أنّه عن المثقّفين والكتّاب العرب الملحدين، فهذا موضوع آخر لسياق آخر تماماً. يمكننا أن نقول أنّ ظاهرة الإلحاد العربي قد شهدت مرحلتين أو ذروتين في قوّتها وانتشارها، أمّا الذروة الأولى فقد حدثت في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وسقوط برجَي التجارة العالميين(3). أثار هذا الحدث الكثير في نفوس كثير من العرب المسلمين، فجاء موقفهم متبايناً ومتفاوتاً في التعاطي مع حدث كهذا؛ فجاء الخطاب الديني الدعوي فَرِحاً بما حدث بينما جاء الخطاب العلماني والنخبوي شاجباً ومحذراً من خطورة ما حدث وأنّ عواقبه ستكون وخيمة على العالم العربي، وهو ما قد كان.


ورغم صعوبة حصر العوامل المؤثرة على الوعي العربي المسلم، ولكن يمكنني أن أقول وبثقة تامّة أنّ حدثاً كهذا كان أحد العوامل الهامّة التي تم على إثرها إطلاق مواقع ومنتديات إلحاد عربية على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، وكانت هذه المواقع آنذاك هي المكان الوحيد الممكن للتكلّم بحريّة وأمان، وتعدّدت وقتها الشرائح المجتمعية والثقافية التي كانت تشارك في مثل هذه المواقع من نخبويين مثقفين إلى شعبويين يشاركون همومهم الفكرية وصدمتهم في الدين. ورغم أنه كان يمكن وقتها التماس انتشار هذه الظاهرة إلا أنه لم يكن لها ظهور إعلامي أو اجتماعي واضح، وبالتالي ورغم أنها كانت ظاهرة في قوة تأثيرها وانتشارها إلا أنه لم يتسنَّ لها أن تنتشر إعلامياً، ويرجع ذلك فيما أعتقد إلى فقر وسائل التواصل وقتئذ والتي توفرت للذروة الثانية. أما الذروة الثانية فقد حدثت في أعقاب الربيع العربي 2011، وظهور داعش (الجيل الثالث للقاعدة). وكانت هذه الأحداث المتلاحقة على اختلاف المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي بإلاضافة إلى سقوط الإسلام السياسي والذي كان يمثل ذخيرة معنوية داخل وجدان كثير من العرب المسلمين حتى ولو لم يكونوا بالضرورة مشاركين سياسيين، أقول أنّ هذا كله قد كان سبباً في انتشار جديد لظاهرة كانت موجودة بالفعل وتفعل فعلها، وإن كان بشكل غير ملموس.


كانت وسائل التواصل الاجتماعي هي الملجأ الوحيد والآمن لأي شخص يريد أن يشارك أفكاره الإلحادية وكان أغلبها (ومايزال) يعبّر عن صدمة شديدة في الوجدان الديني للأشخاص التاركين للدين (مسلمين كانوا أو مسيحيين). ويمكن اعتبار موقع الملحدين العرب ومجلة الملحدين العرب هما أكبر تجمّع شعبوي ثقافي يناقش فيه الملحدون العرب همومهم، ويحاولون فيه طرح أسباب إلحادهم مستخدمين مناهج عدة في النقد (انبثقت من هاتين المنصّتين منصّات أخرى عديدة تقوم بنفس ذات الوظيفة)، معتمدين في ذلك على المنتديات القديمة (التي ظهرت بعد الذروة الأولى)، وعلى بعض الملحدين الذين لديهم إمكانيات كتابيّة أو إمكانيات للحشد والظهور والنقد (يمكن اعتبار انتشار برامج إلحادية عربية على موقع الYouTube مثالاً واضحاً على هذا).

ظاهرة الإلحاد العربي: النشأة والانتشار


يجب في البداية أن أؤكّد أنني عندما أتكلم عن الإلحاد العربيّ فأنا أتكلم عنه كظاهرة شعبوية وليس كظاهرة نخبوية؛ أي لا يمكن أن يُفهم كلامي هنا على أنّه عن المثقّفين والكتّاب العرب الملحدين، فهذا موضوع آخر لسياق آخر تماماً. يمكننا أن نقول أنّ ظاهرة الإلحاد العربي قد شهدت مرحلتين أو ذروتين في قوّتها وانتشارها، أمّا الذروة الأولى فقد حدثت في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وسقوط برجَي التجارة العالميين(3). أثار هذا الحدث الكثير في نفوس كثير من العرب المسلمين، فجاء موقفهم متبايناً ومتفاوتاً في التعاطي مع حدث كهذا؛ فجاء الخطاب الديني الدعوي فَرِحاً بما حدث بينما جاء الخطاب العلماني والنخبوي شاجباً ومحذراً من خطورة ما حدث وأنّ عواقبه ستكون وخيمة على العالم العربي، وهو ما قد كان.

ورغم صعوبة حصر العوامل المؤثرة على الوعي العربي المسلم، ولكن يمكنني أن أقول وبثقة تامّة أنّ حدثاً كهذا كان أحد العوامل الهامّة التي تم على إثرها إطلاق مواقع ومنتديات إلحاد عربية على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، وكانت هذه المواقع آنذاك هي المكان الوحيد الممكن للتكلّم بحريّة وأمان، وتعدّدت وقتها الشرائح المجتمعية والثقافية التي كانت تشارك في مثل هذه المواقع من نخبويين مثقفين إلى شعبويين يشاركون همومهم الفكرية وصدمتهم في الدين. ورغم أنه كان يمكن وقتها التماس انتشار هذه الظاهرة إلا أنه لم يكن لها ظهور إعلامي أو اجتماعي واضح، وبالتالي ورغم أنها كانت ظاهرة في قوة تأثيرها وانتشارها إلا أنه لم يتسنَّ لها أن تنتشر إعلامياً، ويرجع ذلك فيما أعتقد إلى فقر وسائل التواصل وقتئذ والتي توفرت للذروة الثانية. أما الذروة الثانية فقد حدثت في أعقاب الربيع العربي 2011، وظهور داعش (الجيل الثالث للقاعدة). وكانت هذه الأحداث المتلاحقة على اختلاف المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي بإلاضافة إلى سقوط الإسلام السياسي والذي كان يمثل ذخيرة معنوية داخل وجدان كثير من العرب المسلمين حتى ولو لم يكونوا بالضرورة مشاركين سياسيين، أقول أنّ هذا كله قد كان سبباً في انتشار جديد لظاهرة كانت موجودة بالفعل وتفعل فعلها، وإن كان بشكل غير ملموس.

كانت وسائل التواصل الاجتماعي هي الملجأ الوحيد والآمن لأي شخص يريد أن يشارك أفكاره الإلحادية وكان أغلبها (ومايزال) يعبّر عن صدمة شديدة في الوجدان الديني للأشخاص التاركين للدين (مسلمين كانوا أو مسيحيين). ويمكن اعتبار موقع الملحدين العرب ومجلة الملحدين العرب هما أكبر تجمّع شعبوي ثقافي يناقش فيه الملحدون العرب همومهم، ويحاولون فيه طرح أسباب إلحادهم مستخدمين مناهج عدة في النقد (انبثقت من هاتين المنصّتين منصّات أخرى عديدة تقوم بنفس ذات الوظيفة)، معتمدين في ذلك على المنتديات القديمة (التي ظهرت بعد الذروة الأولى)، وعلى بعض الملحدين الذين لديهم إمكانيات كتابيّة أو إمكانيات للحشد والظهور والنقد (يمكن اعتبار انتشار برامج إلحادية عربية على موقع الYouTube مثالاً واضحاً على هذا).

ظاهرة الإلحاد العربي: المنهج يفسّر الأسباب

يمكن عند تمحيصٍ شديدٍ للظاهرة أن نجد أنّ لها مرتكزات واضحة تشكّل المنهج الذي يتمّ اتباعه ولا يتغيّر إلا تغيّراً في الدرجة فقط وليس في النوع(4):

1. اعتبار التدين الإسلامي بنسخته العربية السلفية الوهابية الحالية (والتي يعتنقها ما يقرب من 80% من العرب اليوم)، هي الممثل الأوحد للدين الإسلامي، أي أنّ الملحد هنا يوافق المسلم بأنّ الإسلام لم توجد له نسخة في التاريخ غير هذه النسخة وأنها هي النسخة الحصرية للدين الإسلامي وأنّ أي مسلم لا يعتنق هذا الشكل من التدين هو مسلم ينافق نفسَه لأنه لا يعلم الدين الصحيح. تعاني هذه النظرة من مشاكل عديدة، أولها هو إغراقها في الشعبوية؛ أي غياب أي نظرة متعمّقة للظاهرة الدينية ومحاولة فهم أن التدين (أي تدين لأي دين) يتغير بتغير المكان والزمان (في الجغرافيا والتاريخ) وبالتالي يكون من الخطأ القول بأن هذه النسخة المتزمتة هي النسخة الحصرية للدين الإسلامي كما يدّعي المسلم السلفي المعاصر والملحد العربي والغربي الشعبويان بالضرورة. ويجب أن يفهم الملحد الشعبوي أنه تكمن في داخل النظرة في وجهة نظر غربية اختزالية لدين يعتنقه أكثر من مليار شخص وله مذاهب شتى ويزيد عمره عن أكثر من أربعة عشر قرناً.

2.

3. اعتبار أنّ أي تصادم مع العلم والدين هو تصادم لا يمكن حلّه بأي شكل من الأشكال وبالتالي فإنه متى ما قال العلم كلمته في أمر من الأمور التي تتعارض مع الدين (نظرية التطور كمثال) فلا يمكن أن يتم توفيق نظرتَي العلم والدين أو حتى تعديل النظرة الدينية بوضع تأويل جديد لهذه المكتشفات الجديدة تحاول بها مواكبة التطورات العلمية. ومع هيمنة الخطاب السلفي المعاصر والذي يرفض أي شكل للعلم يحمل تعارضاً مع الرؤية الصراطيةMainstream، يتمّ وضع العلم بشكل مجحف وغير مبرر في حرب دائمة معه فقهياً وعقائدياً (انظر على سبيل المثال وجهة نظرة الشيخ الشعرواي وموقفه من زرع الأعضاء وهو شيخ شعبوي مشهور جداً ويتبنى بشكل من الأشكال هذا الخطاب.

4. اتخاذ الملحد العربي نفس الموقف الذي يتخذه المسلم العربي (السلفي بالضرورة حتى وإن لم يدرك أو يعترف بذلك) واشتراكهما في استيراد أطروحات غربية ومحاولة الحجاج بها ضد بضعهم البعض لتتحول حربهم الفكرية إلى حرب نصوص، فكل فريق يورد رأياً من هناك ليجد الرد الآخر جاهزاً أيضاً وهذا بشكل من الأشكال يفقدنا نحن كمجتمع أيّ خصوصية للنظر في مشاكلنا الحقيقية بعيداً عن الآخر الذي يختزلنا، وذلك لأننا لسنا في مركز اهتمامه المباشر( يمكننا أن نعتبر أنّ صفحةً كصفحة “الباحثون المسلمون” تعبّر تعبيراً حقيقياً لما يمكن أن أسميه “الاستهلاك المشين للمنتج الغربي” وذلك لأنها تنقل حجج الغرب المناهضين للعلم ولنظرية التطور وتترجمها للعربية وتدّعي أنها الحقيقة على الرغم من هذه الحجج بالأساس هي حجج غربية مسيحية تهدف إلى الدفاع عن المسيحية ولكن يتم تحوير هدفها لتدافع عن الإسلام).

5. تبنّي الخطاب الإلحادي العربي مقولات أخلاقية وعلموية تعبّر عن تأثره الواضح بحركة الإلحاد الجديد بحيث يمكن أن نقول أنّ هذه الحركة تستوعبه وتبتلعه، إذ يظهر للمطلع على هذا الخطاب وكأنه خطاب غربي تمّ تعريبه وتحميله حمولات ثقافية عربية ليناسب المخاطَب العربي.

ظاهرة الإلحاد العربي: التحديات والنتائج 

شكّلت ومازالت تشكّل ظاهرة الإلحاد العربي ظاهرة زعزعت ومازالت تزعزع كثيراً من الخطابات الإسلامية السلفية الوهابية وأثرت في وعي الشباب العربي المعاصر مما أثر على الخطاب الديني وجعله يتحرك لعمل حركات إصلاحية عاجلة لمحاولة كفّ الشباب عن الخروج من الدين. يوضّح ظهور هذه الحركات بؤس الواقع العربي المسلم في كونه لا يزال غير قادر على أن يتصوّر مجتمعاً يمكن فيه لأشخاص أن يعتنقوا الدين الذي يرغبون أو حتى أن يتركوه إن أرادوا، وبالتالي تظهر حركة الإصلاح الديني هذه كحركة تنظر إلى الملحدين على أنّهم مرضى عقليين أو تنظر إليهم بدونية غير مبرّرة ( انظر كمثال لعدنان إبراهيم وأحمد خيري العمري؛ ورغم ذلك يمكن اعتبار خطاباتهم خطابات تقدميّة جداً مقارنة بأقرانهم السلفيين)، ولكنها أيضاً (أي حركة الإصلاح الديني) تظهر كبادرة أمل في إمكانية إصلاح الخطابات السلفية المعطوبة أو في ضرورة أن تتوجه حركات الإصلاح إلى نقد السلفيين بالأساس بدل أن تنتقد الملحدين فهم في بؤرة النقد صباح مساء(5).

في النهاية يمكننا أن نقول أنّ ظاهرة الإلحاد العربي مازالت، رغم قوة انتشارها وشهرتها على وسائل التواصل الاجتماعي، ظاهرة “مسكوتاً عنها” في الأوساط المجتمعية،


ولا يعتبر الملحد نفسه آمناً في هذه المجتمع ولذلك يلجأ لوسائل التواصل الاجتماعي ليعبّر عن نفسه، ويضطر أن يعيش حياة مزدوجة أمام المجتمع لكي يحافظ على حياته ووضعه الاجتماعي والوظيفي، وبالتالي لن يمكن تحديد هذه الظاهرة بشكل رصين وتحديد تأثيرها بوضوح حتى تصبح (هذه الظاهرة) جزءاً من نسيج المجتمع، رغم أنني أعتقد أنه كان لها تأثيرات إيجابية في دفع حركات الإصلاح الديني إلى التحرك لتجديد الخطاب الديني المعاصر.

الهوامش :

1. انظر لذلك بالتفصيل كتاب من تاريخ الإلحاد في الإسلام، تأليف عبدالرحمن بدوي

2. لنظرة سريعة على فكر الإلحاد الجديد يمكن مشاهدة لقاء الفرسان الأربعة هنا.

3. للاستزادة في أثر حادثة البرجين والحادي عشر من سبتمبر انصح بقراءة كتاب البروج المشيدة وهو متاح لدى مؤسسة هنداوي مجاناً على الشبكة : انظر هنا.

4. يعتبر كتاب Arabs without God عرب بلا رب ، الكتاب الأكثر موضوعية في تناول الظاهرة ولقد ناقشها بدون وضع وصف كالذي وضعته هنا في المقالة، ولكنه كتاب لا يمكن الاستغناء عنه في فهم حدود هذه الظاهرة بما هو متاح.

5. يمكن اعتبار الملحدين العرب مادة خام يستخدمها الإعلام العربي لجذب المشاهدات وتصوير الملحدين وكأنهم كائنات أخرى وليست بشراً وذلك بالسخرية منهم ومن عقولهم لإقناع المشاهد العربي بأن الملحد ما هو إلا شخص فقد عقله ويجب وضعه في المصحّة، وبالتالي يجب على أي حركة إصلاح أن تنتقد هذه التصورات وهذه البرامج التي لا تقوم إلا بزيادة شرخ الصدع في المجتمع.


يحيى فكري