• المرقاب

حوار الدّولة العصريّة والدّولة المعاصرة: التّداخل والفروقات مع المفكر العماني صادق جواد


بدر العبري: يسر قناة (أُنْس) اليوتيوبيّة أن تستضيف المفكر العماني صادق جواد، ضمن برنامج حوارات الحلقة (108)، ومع الحلقة الثّامنة من مشروع صادق جواد، واليوم نتحدّث حول الدّولة العصريّة والدّولة المعاصرة: التّداخل والفروقات، في البداية كيف نفرّق بينهما، وما أهم التّداخل والفروقات؟



صادق جواد: بوجه عام الدّولة العصريّة هي تلك الّتي تتسم بنية ونظاما بسمات هذا العصر، أمّا الدّولة المعاصرة فهي تلك الّتي تعيش العصر، وتستعمل معطياته دونما تحفظ، لكنّها لا تزال تركد في بنية ماضويّة ونظام ماضويّ، هي بذلك تخفق في تحقيق طموحات مواطنيها إلى حياة وطنيّة أوفى تواؤما مع استحقاقات هذا العصر.

الدّولة العصريّة والدّولة المعاصرة تعنيان سويا بالعمران – تشييد المباني، تعبيد الطّرق، تنظيم المواصلات، توفير سائر الخدمات – إجمالا كلتاهما تعنى بعناصر الحداثة عامّة، تبقى المفارقة أنّ الدّولة المعاصرة على المسار الحضاري تتعثر. إنّها تستعيض بالتّوسع الحداثي عن التّطور الحضاري، فكأنّ الحداثة في نظرها تغني عن الحضارة.

في المقابل، الدّولة العصرية تعنى بالتّطور الحداثي والحضاري معا، فتنجز تنمية شاملة وفق منهاج متكامل، والمفارقة هذه بين الدّولة العصريّة والدّولة المعاصرة تتضح أكثر ما تتضح في العناصر الثّمانية التّالية، والّتي نجد بلورة مطّردة لها لدى الدّولة العصرية، ونجد عثارا إزاءها، أو حتى صدّا لها لدى الدّولة المعاصرة.

العنصر الأول: نظام ديمقراطي (شوروي) راسخ في المبادئ الإنسانيّة، هنا الانتخابات، كمجرد إجرائيّة شكليّة لا تجدي، لكي يكون النّظام الدّيمقراطي سليما في جوهره، وأمينا في أدائه؛ وجب أن يؤصل دستوريّا في مبادئ واضحة أربعة تحديدا: مبادئ العدل، والمساواة، وكرامة الإنسان، والشّورى، وتطبيقات هذه المبادئ يضمنها المبدأ الرّابع منها، أي مبدأ الشّورى، إذا ما حصّن ببناء وتطبيق له يمكنان حقيقة من المشاركة العامّة في صنع القرار العام، ومبدأ الشّورى لم يول اهتماما يذكر لدى فقهاء الشّريعة، لذا تاريخيّا عمّت فرديّة الحكم في ديار الإسلام مقترنة بغياب المساءلة، ومرارا بتجاوز ذلك إلى خطيئة الاستبداد.

العنصر الثّاني: مواطنة متساوية بين المواطنين كافّة، رجال ونساء: مواطنة تتوازى حقوقها مع حقوق الإنسان، المفصّلة والمعترف بها عالميا، مدى الوفاء بحقوق الإنسان أضحى اليوم المسطرة الرّئيسة الّتي تقاس بها جدارة الدّول، وضمن الدّول تقاس بها جدارة الحكومات، والمعيار إذا ليس المواطنة فحسب؛ بل المواطنة المتساوية الّتي لا تشوبها أيّما امتيازات خاصّة ببعض دون سائر المواطنين.

العنصر الثّالث: سيادة القانون وضمانه يكون بنظام قضائي مستقل، محصّن من أيّ تأثير خارجي، أكان من شخص أو أشخاص ذوي نفوذ مالي أو اجتماعي أو سلطوي، أو نفوذ مؤسسي من السّلطة التّشريعيّة أو السّلطة التّنفيذية ضمن الدّولة، وسيادة القانون، وتكافؤ المواطنين جميعا أمام القانون، سمة أساسيّة للدّولة العصريّة.

العنصر الرّابع: اقتصاد منتج منصف: أي اقتصاد سليم يعنى بزيادة الإنتاج وعدالة التّوزيع معا، موازنا بين الاثنين بقسطاس مستقيم، حيثما يختّل التّوازن يختّل الأداء الاقتصادي، فيجر الخلل إلى اضطراب سياسي اجتماعي، بينما يتحقق التّوازن بانتهاج ما أضحى يعرف بالتّنمية الإنسانيّة، وهذه تتجاوز مجرد الكم والحجم بالقياس الرّقمي إلى إحداث نقلة حضاريّة شاملة، إلى جانب توفير لوازم الصّحة والتّعليم والمسكن اللاّئق وفرص العمل ويسر المعاش، والنّقلة الحضاريّة تتويجا لذلك، تعنى بتحقيق اللّوازم الحضاريّة المتمثلة في عدالة توزيع النّاتج الاقتصادي، والمشاركة السّياسيّة، وضمان حقوق الإنسان والحرّيات الأساسيّة، والنّماء المعرفي، وانتهاج اقتصاد رصين مانع لتبديد المال العام في مظاهر باذخة، أو التّصرف به في إشباع رغبات شخصيّة.

العنصر الخامس: نماء معرفي مطّرد، فالحياة العصرية جلّها تدار، وكلّ احتياجاتها تلبى، بالمعارف والنّظم والتّقنيات المطوّرة بالاجتهاد الإنساني، وفي الحاضر الرّاهن أبحاث معمّقة تجرى في دور العلم عالميّا توّسع نطاق المعرفة الإنسانيّة باطّراد، فالدّولة العصريّة ترصد هذا الحراك، وتسهم فيه، وتعتمد معطاه مرجعيّة مستدامة للنّظر والتّقرير، أكان في فهم الكون أو الحياة، أو الشّأن الإنساني.

العنصر السّادس: الاستقرار السّياسي والوئام الاجتماعي: مجتمعات عصرنا في معظم الدّول تعيش تعدّدية من حيث العرق واللّون والدّين والمذهب، وسوى ذلك من خلفيات سائر النّاس، مع ذلك هي تعيش استقرارا سياسيّا، ووئاما اجتماعيّا تصونهما مواطنة متساوية، حيث لا يتساوى النّاس على أرضيّة المواطنة تراهم يتراجعون من عموميّة الانتماء الوطني إلى خصوصية الانتماءات الطّائفية، بذلك يتداعى الوسط الوطني وتنشط الأطراف الطّائفية، فتؤثر كلّ طائفة المصلحة الخاصّة بها على الصّالح العام، والدّولة العصريّة تعنى صميما بتوطيد المواطنة المتساوية كحاضن وطني، دون تفريق في الحقوق والواجبات.

العنصر السّابع: ردع الفساد: للفساد وجوه شنيعة متعددة، تجعله من أخطر الأسقام الّتي تبتلى بها الدّول، سياسيّا، الفساد يأخذ شكل استغلال نفوذ سلطوي للاستئثار إجحافا بما النّاس فيه سواء، واجتماعيّا الفساد يستعمل الوجاهة التّقليديّة لاستجلاب منافع دونما استحقاق، واقتصاديّا الفساد يسري بالتّراشي بين الدّافع والقابض، نقدا أو بمقايضة منافع، بتحايل على القانون.

العنصر الثّامن والأخير: مواكبة الحضارة: وأقصد بذلك مواكبة التّوجه الحضاري الأممي عبر العالم، وذلك بإزاحة التّحفظ إزاء ما يتبلور معرفيّا في الخبرة الإنسانيّة ممّا ينفع النّاس ويرتقي بالأمم جميعها إلى صعد حداثيّة وحضاريّة متراقية.

تلك إذا هي العناصر الثّمانية المفارقة بين الدّولة العصريّة والدّولة المعاصرة: في الدّولة العصريّة نرى اهتماما صميما بهذه العناصر، وجهدا مثابرا لأجل تطوير استحقاقاتها لأحسن فأحسن في الحياة الوطنيّة، وفي الدّولة المعاصرة لا نرى اهتماما مماثلا، بل ولا التفاتا لأهميّة هذه العناصر، دولنا في العالم العربي بنظري، طبعا بتفاوت بينها، لا تزال أقرب إلى الدّولة المعاصرة منها إلى الدّولة العصريّة، لكن طموحنا كشعوب أمّة ذات عراقة حضاريّة مشهودة ينبغي أن يوجّه نحو استكمال سمات الدّولة العصريّة في المستقبل المنظور، وحرصنا جميعا ينبغي أن يكون الحفاظ على ما تحقق، ونهجنا، استطرادا لهذا الّذي تحقق أن نبني غدا أكثر إشراقا، وأكثر تحقّقا حداثيّا وحضاريّا معا في تلازم وترافد، ضمن دولة عصريّة بامتياز.

الدّكتور مراد غريبي [الجزائر]: في الدّولة المعاصرة التّركيز على الجانب الدّيمقراطي، وتداول السّلطة، وهناك تعبير للمفكر المصري عصمت سيف الدّولة [ت 1996م] يتمثل في الاستبداد الدّيمقراطي، فهل أصبحت الدّيمقراطيّة عبئا على المجتمعات العربيّة؛ لأنّه باسمها يتمّ احتكار السّلطة، وتخوين النّخب المطالبة بالإصلاح؟

صادق جواد: الدّيمقراطيّة عنوان، أمّا كيف تطبق فهذا يختلف، فإذا طبّقت بشكل متحايل فليست هي حقيقة الدّيمقراطيّة، وهكذا الحال مثلا في الشّورى، إذا طبّقت بشكل صحيح تكون أوفى للحلول في أدارة الشّأن العام لأيّ بلد.

صبحي اللّواتي: ما الهدف من التّقسيم بين الدّولة المعاصرة والدّولة العصريّة؟

صادق جواد: الهدف من التّقسيم بيان المفارقات بين الدّول، فهناك دول تقدّمت في الكثير من الأمور، ومع تقدّمها لكنّها تتعثر في تطبيق الدّيمقراطيّة، فعلينا أن ندرك أنّ هناك دولا فعلا تتسم بسمات العصريّة، وهناك دول لا تعيش هذا التّطور الّذي حصل في العالم.

أبو عبد الله: هل الاستبداد مرتبط بالسّلطة السّياسيّة بصورة أكبر، ولماذا لمّا نتحدّث عن الاستبداد نربطه بمعاوية [ت 60هـ] والدّولة الأمويّة؟

صادق جواد: ليس لدينا ارتباط فيما كان عليه معاوية وغيره، نحن نبحث في عصرنا، وفي عصرنا الاستبداد مرتبط بالسّلطة الّتي لا تترك لك خيارا غير الخيار الّذي تريده لك، وإذا أتقنا بناء النّظام الدّيمقراطي وتطبيقاته بشكل سليم؛ نوجد هنا حاجزا مانعا ضدّ الاستبداد في مجتمعاتنا.

بدر العبري: ما تعريف الاستبداد عند صادق جواد؟

صادق جواد: كلمة الاستبداد لا تستعمل كثيرا، وبدّ بمعنى الخيار، كقولنا: ليس لك بدّ من هذا، أي ليس لك خيار، والاستبداد هو حصر أو إقصاء كلّ الخيارات غير الخيار الّذي يريده الحاكم، وقد يكون الإنسان مستبدّا خارج إطار الحكم، كإطار العائلة.

بنت هلال: هل الاستبداد له علاقة بظهور الأنظمة الإلحاديّة والشّيوعيّة والعلمانيّة؟

صادق جواد: الاستبداد ممكن حصوله في أيّ مكان ونظام إذا ما أخذت الاحتياطات لمنعه، فممكن حصوله في نظام رأسمالي أو شيوعي، وممكن حصوله في دولة دينيّة أو علمانيّة، والمهم أن تبنى الدّول على مبدأ الدّيمقراطيّة أو الشّورى، فأي قرار يتخذ في المجتمع لأيّ شأن عام يخرج من قاعدة عريضة من التّراضي لهذا القرار، وهذا يكون له استدامة النّفع والتّأثير الإيجابي أكثر من القرار الّذي يتخذ من إطار ضيق.

صبحي اللّواتي: لماذا الكتابات ضعيفة حول الاستبداد، نجد أهمها "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" لعبد الرحمن الكواكبي [ت 1902م] مثلا، هل السّبب السّلطة، أم أنّ المجتمع اعتاد على تقبل الاستعباد؟

صادق جواد: الاستبداد ليس مطلقا؛ بل هو نسبي، لكن إذا تركته يتفاقم سوف يتفاقم كثيرا، والدّول غير الوافية في تطبيقات الدّيمقراطيّة بشكل صحيح تترك فرصة لظهور الاستبداد أكثر فأكثر، [لهذا لا تتقبل مثل هذه الكتب خصوصا سابقا مع التّحكم في الكتاب والكاتب].

صبحي اللّواتي: كيف نستطيع تجاوز مرحلة الاستبداد؟

صادق جواد: الّذي يتوق إلى تجاوز هذا الحال أي الاستبداد أن يبني المؤسسات الّتي تسطيع من تمكين البناء والممارسة حيث تبعد جانب الاستبداد ومسبباته.

ومن طبيعة الأمور في الشّأن الإنساني إذا لم تضع الموانع للاستبداد أو الفساد فأنت تترك المجال لكي يتفاقم، وهنا فتح المجال للتّشاور لأكبر شريحة في المجتمع، [وإشراكه في ذلك].

جواد محمود [العراق]: هل تستشرفون بعد خمسين سنة يمكن حدوث تطور للدّولة الحديثة في العالم العربي، عن طريق نمو العناصر الفاعلة لذلك؟

صادق جواد: مفهوم الدّولة الحديثة مرتبط بالحداثة، والحداثة ليست الحضارة، فالدّولة الحديثة ممكن توفر فيها أدوات الحضارة، وممكن تفتقد لذلك، فإذا أردت أن توجد نموذجا راقيا للدّولة عليك أن تبحث عن العناصر الحضاريّة الّتي ترقي بها.

بدر العبري: هل تؤيد مصطلح الإسلام السّياسي؟

صادق جواد: في نظري ليس هناك إسلام سياسي؛ وإنّما هناك تسيّس للدّين في الإسلام، وتسيّس له في الخارج، أي هناك محاولة لتسييس الدّين لأجل الحصول على أغراض معينة، ولكن لا نحصره في الإسلام، فالدّين إذا سيس، والسّياسة إذا دينت؛ كلاهما يخسر، فعلينا تجاوز ذلك.

بدر العبري: هل الإسلام جاء بنظام سياسي منذ الابتداء، أم هو اجتهاد بشري كأيّ اجتهاد؟

صادق جواد: إدارة الشّأن العام مسألة سياسيّة [واجتهاديّة]، ولكن على أيّ أساس تُدار هناك يكون البعد الحضاري، والسّياسة مرتبة عالية من القيادة، فالسّياسة من جهة هي التّنازع على السّلطة، ومن جهة أخرى هي منهج التّطبيقات العامّة لإدارة الشّأن العام، وهذه مرتبطة بالسّياقات الزّمنيّة [والمكانيّة] تحت ظلّ قيادة متنورة، [لهذا فهي اجتهاديّة].

عليّ السّعيدي: إذا كانت الحركات العلمانيّة فشلت في العالم العربي والإسلامي، وكذا الإسلام السّياسي، ما الحل في نظر صادق جواد؟

صادق جواد: العلمانيّة لم تفشل، فأغلب الدّول في العالم علمانيّة فكّت الارتباط مع الأديان في إدارة الشّأن العام، والقليل من التزم بتشريعاته الدّينيّة في إدارة هذا الشّأن، والعلمانيّة تعطي الخيار في الاحتكام إلى الاجتهاد الإنساني المؤصل بالمعرفة العلميّة، والاجتهاد العقليّ، بحيث يكون مرجعيّتها في إدارة أمورها، فتخرج من الاحتكام إلى الدّين إلى الاحتكام إلى الاجتهاد الإنساني المحض.

بدر العبريّ: هل العلمانيّة ضدّ الدّين؟

صادق جواد: هي ليست ضدّ الدّين، لكنّها تتناقض مع الدّين، فالدّين مرجعيته لاهوتيّة، والعلمانيّة مرجعيتها الاجتهاد الإنساني، فقط المساحة الوحيدة الّتي يتلاقيا فيها هي الأخلاق.

بدر العبري: الشّعوب العربيّة شعوب متدينة، ويغلب عليها الخطاب الإسلامي، كيف لهذا العقل الجمعي أن يتقبل العلمانيّة؟

صادق جواد: ليس مجبورا أن يتقبلها، فإذا كان يريد أن يركن لغير الاجتهاد الإنساني فله ذلك، ولكن لن يستطيع؛ لأنّ الحياة اليوم تدار بالاجتهاد الإنساني، وليس بمصدر خارج دائرة هذا الاجتهاد.

بدر العبري: كيف تقرأ حضور العلمانيّة في التّجربة الإيرانيّة مع أنّها دولة إسلاميّة؟

صادق جواد: في الجانب الإجرائي نعم إيران تتبع نفس الأمور الّتي يتبعها العلمانيون، كما في الأنظمة والصّناعة والتّسلح بمعنى ما يتمخض من اجتهاد إنساني.

بدر العبري: ما سبب ظهور الحركات الإسلاميّة خصوصا "الإخوان المسلمون"، في العالمين العربي والإسلامي؟

صادق جواد: عندما داهم الغرب العالم الإسلامي بعد الثّورة الصّناعيّة الّتي تولدت عنده، وأدرك الضّعف في المجتمعات الإسلاميّة، مستغلا هذا الضّعف، فتولد الاستعمار، إلا أنّه ترك أثرا في المنطقة، ممّا ظهر اتجاهان: الأول يرى أنّ سبب تخلفنا هي الأطروحات الدّينيّة، والثّاني يرى أنّ سبب تخلفنا هو ابتعادنا عن الدّين، لهذا انطلقت الحركات الإسلاميّة عموما من الاتجاه الثّاني، هذه هي الفكرة وإن تعددت المسائل التّفصيليّة في هذه الحركات سياسيّا ومجتمعيّا.

بدر العبري: هل يمكن الجمع بين العلمانيّة والدّين؟

صادق جواد: العديد يحاول إيجاد صيغة توافقيّة مصاحبة للاثنين، ولكن يبدو لي عدم إمكان ذلك؛ لأنّ العالم صيغ من جديد منذ عدّة قرون، أي من النّهضة الأوروبيّة، هذه الصّياغة انطلقت واعتمدت على المعرفة الإنسانيّة، نعم، ممكن أن يدير الحياة علمانيّا، وله الحق في المحافظة على معتقداته وطقوسه.

بدر العبري: ما موقع الدّولة التّقليديّة من الدّولة المعاصرة؟

صادق جواد: الدّولة التّقليديّة عادة تحتكم إلى التّقليد، بمعنى الوراثة، فشرعيتها تأتي من التّقليد، وهي ليست ايدلوجيّة، وفي القرون الأخيرة مع الابقاء على الجانب التّقليدي؛ إلا أنّ السّلطة أخرجت من المرجعيّة التّقليديّة، أي بقي التّوريث، ولكن أبعدت السّلطة عن الحاكم، فصارت ملكيّة دستوريّة، [وهنا يكون اقترابها مع الدّولة المعاصرة أو العصريّة].

بدر العبري: يعني هذا أنّ الدّولة في عُمان وفي الخليج عموما هي دول تقليديّة؟

صادق جواد: نعم، هي دول تقليديّة، فهي قائمة على تقليد توريث الحكم.

بدر العبري: بعض النّظريات تنادي بدولة الإنسان أو الدّولة الواحدة، وبعضهم يربطها أيدلوجيّا بدولة المهدي أو مجيء المسيح؟ فهل يمكن تحقق الدّولة الواحدة بغض النّظر عن هذه الأيدولوجيات؟

صادق جواد: القضايا الغيبيّة مجرد عقائد تبقى كما هي، لكن العالم اليوم مع كونه دولا متعددة؛ لكنّها جميعا تدار بنفس القواعد، وفي طريق توحد إدارة الشّأن العام في كلّ مكان، ولهذا ظهرت العولمة، فليست الفكرة أن تكون هناك دولة واحدة، ولكن الفكرة أن يكون هناك نظام واحد متماثل في جميع الدّول.

بدر العبري: بعد سقوط الخلافة العثمانيّة وجدت جدلية بين دولة الخلافة وبين الدّولة القطرية، من حيث الأصلح، فهل مسألة الخلافة أو الإمامة تجاوزها الزّمن؟

صادق جواد: الخلافة والإمامة ليسا شيئا واحدا، فالإمامة ليس بالشّريطة مرتبطة بالسّلطة، كقولنا الإمام الغزالي [ت 505هـ]، والإمام محمّد عبده [ت 1905م]، والخلافة مرتبطة بالسّلطة، والّذي حصل أنّ الخلافة العثمانيّة كان لها قوّة وسطوة وتوغل حتى داخل أوروبا، وامتدّت شرقا وغربا لقرون، إلا أنّه تراكم فيها ضعف في آخر سنوات وجودها، وسميت في الأدبيات الأوروبيّة بالرّجل المريض، فهي قامت على التّوريث، وحصرت الحكم في أسرة واحدة، فحصرت القدرات المؤهلة في دائرة ضيقة، عكس عندما تكون الدّولة مفتوحة على جميع الكفاءات، بحيث تكون أكثر رشادا في أمرها، فاستمرار الحكم داخل أسرة على المدى الطّويل يضعف الأسرة نفسها.

داني: تحدّثت عن تجربة الهند ونجاحها ديمقراطيّا، أليس السّبب هو لتفادي الحروب الأهليّة بسبب أرث الهند العرقي والدّيني، ويضيف جواد: أليس السّبب هو التّسامح الّذي كان عليه غاندي [ت 1948م]؟

صادق جواد: غاندي شخصيّة لها مواصفاتها، وليس نموذجا اعتياديا، وقاد حركة الاستقلال وفق منهج معنوي أكثر منه سياسيا، وليس له وظيفة في الكونجرس، فرأوا فيه أنّه بعيد عن الأطماع والسّلطة والوجاهة.

الّذي حصل في الهند أنّه تمهد لها قبل الاستقلال بفترة طويلة، فقادة الهند درسوا في بريطانيا، ورجعوا بأفكار تدور حول كيف ستكون الهند بعد الاستقلال؟ وهؤلاء درسوا القانون والنّظام البريطاني، وأدركوا كيف يكون البرلمان، فلمّا حصل الاستقلال كان هناك جماعة من النّاس مؤهلة لكي تقود الهند إلى عصر جديد، ولوجود البريطانيين لفترة طويلة عندهم جلب لهم إمكانات متعددة كالخدمة المدنيّة، والنّظام السّياسي، وعليه من ترأس السّياسة كان على قدرة لإدارة الحكم، ووضعوا لهم دستورا محكما يمشون عليه حتى اليوم.

بدر العبري: ما رسالتك للعقل العماني خصوصا وللعقل الخليجي والعربي عموما بعد تجربتك الطّويلة أمام هذا الجدل حول الدّولة والمجتمع المدني؟

صادق جواد: لا يمكن أن ترهن أوضاع المجتمع خليجيّا أو عربيّا في قالب جامد، فلابدّ أن تنفتح على الآخر، فعلى مؤسساتنا أن تستوعب ضرورات التّطور، ولست مع تصنيف العقل عمانيّا أو خليجيّا أو عربيّا؛ لأنّ العقل واحد، فهو ملكة في الإنسان يستطيع به أن يبصر تدبير أموره، والتّبصر يقتضي أن تعيش في العالم وتواكب ما يحصل فيه، وأن نستغل الإعلام والتّعليم لتحقيق ذلك، أي التّطور، وهذا يكون عن طريق مساحتين: مساحة تقتضي التّغيير، ومساحة تقتضي التّطوير، والضّابط ما هو صالح في أساسه ممكن أن يطوّر للأصح، والّذي هو معطوب في أساسه هذا لا يمكن تطويره، فهنا يكون التّغيير، وهذا لا يكون في يوم وليلة، ولكن بتبصر ينشأ في المجتمع، مع القناعة والانفتاح [والسّعي] نحو الاجتهاد الإنساني؛ لأنّه هو الّذي يتطور.

خليفة الحوسني: ما وجهة نظر صادق جواد حول مجلس التّعاون الخليجي؟

صادق جواد: هذه المؤسسات الّتي نخلقها تحتاج إلى نوع من الإنماء والتّطوير لها، فمجلس التّعاون الخليجي خدم في العديد من الأمور، كالانفتاح على البعض، خصوصا في الأمور الإجرائيّة، لكنّ لمّا تأتيك الحياة بأشياء لا تتوقعها، وأنت لم تؤهل نفسك لها، فتنحبس فيها، فكنّا لا نتصوّر حرب اليمن، والابتعاد بين دول المجلس، فالحياة تتطلب أن ترصد سياقاتها، وتبصر في ذلك، فلم يعد هذا المجلس اليوم كما كان، ويحتاج إلى إعادة نظر في العديد من الأمور، ولكن العودة إلى ما كان، أتصوّر صعبا!!


*تمّ التّسجيل على برنامج zoom، الجمعة 20 جمادى الثّاني 1442هـ/ 4 يناير 2021م.







إشترك بمجلتك "المرقاب" .....من أجل  أن تصلك المعلومات

.أول بأول رجاءا إكتب بريدك الإلكتروني في الصندق السفلي واضغط  Subscribe 

Subscribe to Our Newsletter

  • White Facebook Icon

 2020 © alMirqab.Das.Monokel 

almirqab.das.monokel@gmail.com