• المرقاب

الروائية إبتسام عازم و «سفر الاختفاء»: فانتازيا الدستوبي الصهيونيّ



ترجمة: خالد السيّد - فُسْحَة. «سفر الاختفاء» لابتسام عازم، رواية قصيرة رفيعة المستوى أُسّست على استحالة، ففي صباح يوم جميل، يختفي جميع الفلسطينيّين من «إسرائيل»/ فلسطين دون أن يتركوا وراءهم أيّ أثر. على رغم استحالة هذا السيناريو، لكنّه مألوف، خاصّة أنّه يحقّق حرفيًّا الطموح الجوهريّ للصهيونيّة السياسيّة، الّتي تبقى أكثر أساطيرها ابتذالًا أنّ الأرض الّتي استوطنتها "كانت أرضًا بلا شعب، لشعب بلا أرض". ولا تخبر عازم القرّاء بحيثيّات هذا الاختفاء، لا طريقته ولا سببه، ولا عمّا حلّ بالفلسطينيّين المختفين. وتروي بكلّ بساطة ومباشرة، قصّة «حملة التطهير العرقيّ ‘الأطهر‘» على الإطلاق، على حدّ تعبير إحدى شخصيّات الرواية، لكنّها توضّح أنّ ثمّة سمًّا ينغرس بهذا الإدراك الأتقن لحلم الصهيونيّة. وتركّز القصّة الّتي تُرْوى بأسلوب سلس، على صديقين اثنين: علاء، وهو فلسطينيّ ومصوّر مستقلّ ناجح، وطالب دراسات عليا بدوام جزئيّ. وأرييل، وهو يهوديّ إسرائيليّ وصحافيّ يكتب عمودًا في صحيفة أميركيّة... وعازم صحافيّة فلسطينيّة تعيش في نيويورك حاليًّا. نُشِرَ كتابها هذا لأوّل مرّة عام 2014 باللغة العربيّة، وترجمه سنان أنطون إلى الإنجليزيّة عام 2019.

وتركّز القصّة الّتي تُرْوى بأسلوب سلس، على صديقين اثنين: علاء، وهو فلسطينيّ ومصوّر مستقلّ ناجح، وطالب دراسات عليا بدوام جزئيّ. وأرييل، وهو يهوديّ إسرائيليّ وصحافيّ يكتب عمودًا في صحيفة أميركيّة.

يعيش الصديقان في المبنى السكنيّ ذاته، في «شارع روتشيلد» الشهير في تل أبيب. ويتشارك الرجلان سمات كثيرة؛ إذ كلاهما جذّاب، ورفيع الثقافة، ومتعدّد اللغات، وأعزب. وكثيرًا ما يتسكّعان معًا، ثمّ إنّهما رجلان عصريّان يتمتّعان بأسلوب الحياة التل - أبيبيّ المُتعيّ الواعي لذاته، قادران على تحييد صلابة هويّتيهما العرقيّتين.

ويبلغ الشبه بينهما إلى حدّ أنّ أرييل، وبعد اختفاء علاء في الاختفاء الكبير، ينتقل بكلّ خفّة ليسكن شقّة صديقه. ولا توضّح الكاتبة سبب الخطوة الّتي أقدم عليها أرييل؛ فشقّته بذات القدر من الجمال. أمّا والدته من جانب آخر، وسعيًا إلى تطوير نمط حياتها، تهرول إلى حيفا للاستيلاء على أحد المنازل العربيّة الفارغة المطلّة على البحر في «حيّ وادي النسناس».

قبيل الاختفاء، كان علاء قد أمضى وقتًا في يافا الّتي ترعرع فيها، لمرافقة جدّته المريضة، تاتا. ذات يوم، وجد المرأة العجوز تجلس هامدة على مقعد يطلّ على البحر، بينما "ارتسمت على شفتيها، ابتسامة خفيفة"، وعندئذٍ بدأ يحتفظ بمفكّرة في دفتر ملاحظات أحمر جديد. رحلة علاء هي «سفر الاختفاء»؛ فهي تتحدّث كثيرًا عن تاتا، جدّته، كما تتحدّث عنه، وتدور بأكملها حول يافا – يافا جدّته؛ أي تلك المدينة الّتي كانت قبل تطهيرها عرقيًّا عام 1948، وعن كيف أصبحت منذ ذلك الحين، رفات في ظلّ «المدينة البيضاء» الصاخبة: تل أبيب الصهيونيّة. (ويبدو أنّ شخصيّة الجدّة تحاكي جدّة الكاتبة نفسها، الّتي هُجِّرَت عام 1948 من منزلها في «حيّ المنشيّة» على شاطئ البحر في يافا، الّذي دمّرته إسرائيل).



غلاف الرواية بترجمتها الإنجليزيّة تُرينا المفكّرة كيف قرّبت الجدّة في موتها علاء إليها أكثر من أيّ وقت مضى؛ ليتأصّل أكثر في روح مدينة الميناء الفلسطينيّة القديمة. وتصبح بنود المفكّرة رسائل يكتبها إلى تاتا، الّتي تمثّل لحفيدها مزيجًا قويّ الإرادة، من الذكاء والحزن والمودّة المتسلّطة. فرّ جميع أفراد عائلة تاتا من التطهير العرقيّ الوحشيّ ليافا عام 1948، باستثناء والدها وهي، الّتي كانت حُبْلى بوالدة علاء. أمّا البقيّة فلم يستطع أحد منهم العودة قطّ. قالت ذات مرّة لحفيدها: "ذهب الناس، وبقيت البلاد، وتلاشت أرواحنا". ويلاحظ علاء أنّ "جميع اليافيّين الّذين بقوا، يرون ظلًّا يمشي بجانبهم عندما يتجوّلون في البلدة القديمة". ويكتب إلى تاتا: "الشوق إليك يشبه الإمساك بزهرة أشواك!". فعندما اعتادا المشي معًا، كانت تاتا مليئة بالحياة كما يتذكّر، لكنّها دائمًا كانت وحيدة تفتقد مدينة الناس الّتي ترعرعت فيها. أخبرته ذات مرّة: "أمشي في المدينة، لكنّها لا تميّزني". وكانت "تتذمّر من خلوّ الشوارع، كانت تعجّ بالناس، لكنّها كانت خالية، ‘جميع هؤلاء غادروا دولهم وجاؤوا هنا. من أجل ماذا؟ هم يتكدّسون في كلّ شيء، لكنّهم دون ثقل‘". بدلًا من "دون ثقل"، لربّما قالت تاتا "دون روح". وعندما نصل إلى الاختفاء، فإنّ اليهود الإسرائيليّين في الرواية لا يبرزون أيّ شيء تقريبًا. فأرييل، بصفته مراسلًا صحافيًّا، يقودنا وسط مساعيهم الخرقاء، والمتنافرة، بل السخيفة أحيانًا، للسيطرة على الموقف المخيف الجديد. في البداية، يسود انزعاج من تغيّب الفلسطينيّين عن وظائفهم الوضيعة الشأن في الغالب. ماذا حصل؟ هل أضربهم جميعًا؟ ومن ثَمَّ، أصبح الإسرائيليّون الّذين لم يعودوا في حاجة إلى تعريفهم باليهود الإسرائيليّين، يشعرون بالقلق إزاء سلامتهم الشخصيّة. هل الاختفاء حيلة فلسطينيّة شيطانيّة ما؟ وشرعوا يشتكون من أن قادتهم لا يُطْلِعونَهم على ما يجري. ومن ثَمَّ، أصبح الإسرائيليّون الّذين لم يعودوا في حاجة إلى تعريفهم باليهود الإسرائيليّين، يشعرون بالقلق إزاء سلامتهم الشخصيّة. هل الاختفاء حيلة فلسطينيّة شيطانيّة ما؟ وشرعوا يشتكون من أن قادتهم لا يُطْلِعونَهم على ما يجري. هل تكون هذه هي العمليّة الأمنيّة النهائيّة للحكومة الإسرائيليّة؟ أوَحشيّ ذلك أم رائع؟ لا يتكشّف أيّ تفسير، لكنّهم سرعان ما يعتادون الواقع الجديد، ويثمّنون «معجزة الانبعاث» الثالثة والعظمى الّتي تحظى بها أمّتهم (وذلك بعد «معجزة» الرحيل الجماعيّ للعرب في 1948، ومعجزة معركة الأيّام الستّة في عام 1967). ولكن أفضل ما في هذه المرّة، أنّ أحدًا لا يمكنه لومهم على محنة الفلسطينيّين. ومع ذلك، ينتهز الإسرائيليّون الفرصة لتمرير مرسوم يطالب جميع السكّان بتسجيل حضورهم في غضون 48 ساعة. أولئك الّذين لا يحضرون، أي الفلسطينيّين، ستُنْقَل ممتلكاتهم تلقائيًّا إلى الدولة. ينشغل أرييل بمشاعر القلق والإثارة المنتشرة، ويجد نفسه "يتساءل كيف ستكون الدولة لو لم يكن ثمّة فلسطينيّون فيها". لكنّه يفتقد علاء، ويشعر بفضول شديد لمعرفة أين ذهب صديقه وجميع العرب الآخرين. يبحث عن أدلّة، ويبدأ في قراءة دفتر الملاحظات الأحمر، الّذي وجده في شقّة علاء. ويجتهد أرييل لتحمّل غضب علاء من إسرائيل، الّذي علمنا أنّه أثار جدالَين كبيرين بين الصديقين. المفكّرة الّتي يقرؤها مليئة برثاء صديقه ونحيبه. وفي إحدى الفقرات، يتفاقم إحباط علاء من جميع أصدقائه الإسرائيليّين. ويسأل تاتا: "ماذا لو صرخنا في آذانهم؟ هل يسمعوننا؟ يمكننا أن نشدّ آذانهم ونصرخ. هل يسمعوننا؟". يبدو أنّ روحه تتلاشى. ويشرع أرييل في التفكير في الأمر برمّته، متسكّعًا في تل أبيب في استراحة من عمله، ويتساءل: "هل يملك المكان ذاكرة؟". لكن مدينته الحديثة تتمحور حول الأحلام لا الذكريات؛ فهي "صغيرة وجميلة بشواطئها الكبيرة والنظيفة والحالمة... حلم تحوّل إلى حقيقة!". وتنصبّ أفكاره على حقّ إسرائيل في الوجود، ويتذكّر عندما كان علاء لا ينفكّ يصف اليهود الإسرائيليّين بالبيض، ويطلق عليهم أحيانًا اسم «المستعمرين الاستيطانيّين». "لو اعترفنا بما يراه علاء، لعنى شيئًا واحدًا: أن نحزم أمتعتنا ونغادر هذه الأرض"، هكذا قال لنفسه غاضبًا من صديقه و"حيلة الاختفاء هذه". ومن ثَمَّ يُهَدِّئ من روعه بانسياب أفكار كبرى عن تحقيق إسرائيل لـ "حلم عاش لأكثر من ثلاثة آلاف عام". وتعزّز ذكريات العقيدة الصهيونيّة القويّة لأجداده الإنجليز - الّتي جلبتهم إلى فلسطين في عشرينات القرن الماضي – تعزّز قناعته، ويقول في نفسه مسترجعًا مختلف الاستعارات الصهيونيّة: "لم تكن ثمّة طريقة أخرى". ويتذكّر النصيحة الودّيّة الّتي قدّمها لعلاء، عن سماحه لنفسه أن يبقى "أسير الماضي"، ورفضه الأحمق لـ "مجرّد الاستمتاع بالعيش في دولة حديثة، مع كلّ هذه الحرّيّة"، مقارنة بالحياة في الدول العربيّة. فحجج صديقه العاطفيّة حول يافا وذاكرتها ليست إلّا "حكايات المهزومين عن أساطير الماضي". وعندما يدخل أرييل حانته المفضّلة، تجول في أفكاره كلمات شعريّة عن أنّ تل أبيب "تغمرها الرغبة ... هي مدينة الآثام، كما يحبّ سكّانها تسميتها." يواصل أرييل حياته. بل قرّر ترجمة مقتطفات من مفكّرة علاء إلى العبريّة؛ لتكون جزءًا من كتاب بعنوان "تاريخ ما قبل الاختفاء". ثمّ تصبح الأمور أكثر غرابة، في آخر ملاحظات المفكّرة، يكون علاء في يافا، يكتب لجدّته: "لكنّني اليوم، ولأوّل مرّة، ابتسمت عندما أفتقدك. فقط لأنّني تذكّرت لماذا أحببتك... لأنّك أحببت الحياة... كنتِ بمفردك في يافا، لكنّك أحببتها كما لو كنت تحبّين رجلًا بجنون". ويضيف أنّه أصلح منزلها الصغير، وهو جالس في ضوء القمر في فناء منزلها. "أشعر بسعادة كبيرة اليوم، كأنّني أعدت اكتشاف يافا، أو تعلّمت أن أحبّها مرّة أخرى، أمشي وأرى جمالها". التاريخ الّذي كُتِبَتْ فيه هذه الملاحظة يعمّق اللغز؛ إذ عثر أرييل على دفتر الملاحظات في شقّة علاء في تل أبيب صباح يوم الاختفاء؛ فكيف، إذن، يكتب علاء فيها لاحقًا في يافا؟ ويضيف أنّه أصلح منزلها الصغير، وهو جالس في ضوء القمر في فناء منزلها. "أشعر بسعادة كبيرة اليوم، كأنّني أعدت اكتشاف يافا، أو تعلّمت أن أحبّها مرّة أخرى، أمشي وأرى جمالها". في الليلة التالية، يدخل أرييل سريره في شقّة علاء ليسمع حشرجة غريبة. بعد ذلك، يسمع همسة تبرز بما يكفي لتدفعه إلى البحث في كلّ مكان، لكنّه لا يجد شيئًا مرّة أخرى. وقبل أن تدقّ الساعة الثالثة صباحًا، الوقت المحدّد للاختفاء العربيّ الأوّل قبل 48 ساعة، ينام أرييل عازمًا على تغيير قفل باب علاء؛ "يزعج حلمه". تتبادر إلى ذهنه قصّة «القلب الواشي» لمؤلّفها إدغار آلان بو، الّتي يسمع بها القاتل نبض قلب ضحيّته "بصوت أعلى - أعلى - بصوت أعلى!" تحت ألواح الأرضيّة، حتّى... وفقط هنا، الذنب المخيف لا يخصّ أرييل وحده فقط، فالمفكّرة الحمراء مفتوحة في الشقّة، مع وفرة من الصفحات الفارغة. أما زالت تُكْتَب؟ لن أُفْصِحَ عن المنعطفات التالية في القصّة البارعة المحبوكة بدهاء. يكفي أن نقول إنّها - وبمساعدة مستويات وجدانيّة من السخرية والبصيرة - تُنْبِئ بالكابوس الّذي ينتظر المستفيدين المرئيّين من الاختفاء.


المصدر: «Mondoweiss»،

9 views0 comments