• المرقاب

السيد الحيدري والبحث عن التجديد بين ثبات "الحلال-الحرام" وتحركه




الموارد الشيعية: سألت أبا عبد الله (جعفر بن محمد عليه السلام) عن الحلال والحرام؟ فقال: «حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجيء غيره». وقال: قال علي (عليه السلام): «ما أحد ابتدع بدعة إلا ترك بها سنة. الكافي للكليني.


الموارد السنية: رواية أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن نسيًا، ثم تلا هذه الآية "وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا" (مريم: 64) صححه الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة 5 صفحة رقم 325 , وحسنه في صفحة رقم 14 في غاية المرام .


السياق التاريخي


رصد محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت. 329 هـ) نقطة جدلية حول "القياس" دارت رحاها بين عقلين فقهين متوازيين أطلقا عقال الفقه من هلامية تشكلاته الى قوالب فكرية ومنطقية منظمة وهما الصادق، جعفر بن محمد، المديني (80-148 هـ) و أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن مرزُبان، الكوفيّ (80-150 هـ).


ما يهمنا هو الإطار المعرفي الذي وضع الكليني "القياس" فيه.

فالذي يُفهم من النص والسياق أن استنكار جعفر على أبو حنيفة، (وهما عقلان فقهيان متوازيان نشكرهما على كل مجهوداتهما)، أن "القياس" أداة تنتج المزيد من الحلال والحرام فتضخمه وتجعله وزرا ثقيلا على كاهل المسلم.


فرفض جعفر للقياس محدود في الإطار الذي يسعى الكليني لتوصيله لنا حيث أنه أورد هذا الحديث مباشرة بعد الحديث المذكور أعلاه " سألت أبا عبد الله (جعفر بن محمد عليه السلام) عن الحلال والحرام؟ "، يروي الكليني:


عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن عبد الله العقيلي، عن عيسى بن عبد الله القرشي قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: «يا أبا حنيفة، بلغني أنك تقيس؟» قال: نعم، قال: «لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر».


حول هذه النقطة يتحدث بعض أتباع "علم الكلام الجديد" قائلين بما معناه:


أنه وبناء على هذا الإطار الفقهي المعرفي الكليني فإنه لا يمكن لا إزالة ولا التوسع أيضا في التحريم ولا يمكن القول بأن القضايا الجديدة التي تنبعث نتيجة جريان الحضارات عبر الأزمنة أن تكون موضوع نقاش فقه "الحلال والحرام" بأي شكل من الأشكال.


هكذا قلب هذا الفريق من أتباع علم الكلام الجديد الطاولة على الفقهاء الحرفيين.


حدود المشكلة


إنها إشكالية تعييق تجميد بعض الحرام وإطلاق العنان لبعض الحلال تحت ظروف المستجدات. وفي خضم هذا الجدل (الفقهي-علم الكلام الجديدي) يدخل السيد كمال الحيدري ليتكلم في هذه المسألة.


ملاحظة: إن نهج السيد كمال الحيدري يجيد استخدام "قال الله وقال رسوله" مثل ما يجيد استخدام "قال علماء علم الكلام القدماء والجدد". وأنا شخصيا لست فقط أرفع قبعتي تحية لمنهج السيد، بل إنني ممن يحاول أن يكون من أتباع هذا المنهج.


لا نبي بعدي / لا رسالة تنسخ الإسلام


يستحضر السيد كمال كتاب "فرائد الأصول" للشيخ مرتضى الأنصاري (توفي سنة 1281 هـ )


وبعد استماعي للمحاضر بعنوان


حديث حلال محمد حلال إلى يوم القيامة لا يعارض تاريخية الشريعة | السيد كمال الحيدري








يمكنني أن أفهم أن الشيخ الأنصاري ر. أعاد وضع قول جعفر ع. «حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجيء غيره» في إطار غير السياق الذي وضعه فيه الكليني ر.


حيث أن الأنصاري فهم هذه الرواية لتعني أنه لن يكون هناك أي دين جديد يأتي بعد الدين الذي كان محمد ص رسوله لينسخه كما حصل بعد الديانة اليهودية والمسيحية.


وخلص الشيخ الأنصاري إلى رفض استمرار الأحكام الشرعية إلا بدليل.


واستحضر السيد كمال الحيدري المرجع الشيعي محمد حسن الشيرازي سنة 1309 هـ / 1891 م الذي قال أن حلال محمد ص وحرامه مرتبط بالشروط التي أنتجته ومتى ما غابت الشروط غاب الحكم معه أو حضرت بحضوره.


أعطى السيد كمال مثلا على الحج. فالحج واجب ولكن بشرط الإستطاعة. ففي عدم توفر الإستطاعة يسقط معه وجوب الحج.


وأعطى السيد مثالا آخر "الربى الإستهلاكي" وهو حرام و "الربا الإستثماري" وهو حلال. فالأول يشابه الوضع الذي كان سائدا فيه عهد الرسول ص. في حين أنه لم يكن هناك وضع مثل الإستقراض من أجل بناء مشغل أو مصنع لكي يتحول الى مصدر دخل جديد للمجتمع والإقتصاد. فالثانية عند السيد كمال حلال.


"الحكم" - ثابت / "الموضوع" ـ متجدد.



بعد ذلك يشدد السيد كمال الحيدري عند تناول رواية «حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجيء غيره» على أهمية التمييز بين "الحكم" في المسألة وبين "موضوع" الحكم في المسألة.


التقييد في الحكم وأما الموضوع فهو غير مقيد بل متحرك وقابل للتجديد.





فالصلاة واجبة. ووجوبها حكم نبوي لا مناص منه. ولكن هناك مواضيع تتموضع فيه الصلاة.

مثل موضوع المرض، مثل موضوع السفر، مثل موضوع النجاسة، كل هذه المواضيع "محركات" تحرك الأحكام الشرعية الخمسة وتنقلها من موضع الى موضع (الواجب والحرام والمكروه والمستحب والمباح).


بهذا المجهود يكون السيد كمال الحيدري فتح باب التجديد ووضعه في إطار يراعي النصوص الشرعية ويقنن التجديد في إطار ثنائية


"الحكم" - ثابت / "الموضوع" - متجدد.


بمعنى آخر يمكن للحرام أن يتقلص ويمكن للحلال أن يتمدد فمهوم الثابت والمتحرك في مدارات الأحكام الشرعية ليست ثابته بل متحركة تحركها محركات المواضيع.




د. محمد الزّكري القضاعي