• المرقاب

عندما تتحكم الشلّه بالجريدة فمتى سأتمكن من النشر؟ المنع والنشر ومعنى حرية العرب النخبوية




إذا كنت بعيدا عن الوطن العربي. فأنت بعيدا عن رقابة أمن الدولة. في الغرب يوجد "دستور" أشبه بأساطير " أفتح يا سمسم". إفتح فيفتح لك أفق من الحرية غير مسبوق في بلادنا. الصحافة الرقمية (ذات التكلفة المنخفضة لتأسيسها) ازدهرت خارج الأوطان. لكن سرعان ما تجد الصحافة المهاجرة نفسها بلا موارد مالية وترى راية التفليس ترفرف فوق مؤسستها. وعند البحث عن التمويل تجده يأتي غالبا بإملاءات ومراسيم مختومة بختم السلطان المالي. مراسيم ترسم مسارات الحب والبغض للصحيفة. أهمها معاداة خط تقف الجهة الممولة ضده. وأيضا محاباة خط تقف الجهة الممولة معه.


"من تزوج أمنا فهو عمّنا" من الأمثلة الثقافية العميقة التي تهيئنا على تلقي كل "عم مالي" يتزوج أمنا، أي يسيطر على حياتنا. بالعربي يعني الانخراط القسري في عملية "التطبيل". "التطبيل" يظهر، عربيا، بنسبة وتناسب. نسبة تتناغم مع ما تبقى من الذمة بالنفس. ونسبة مع حجم الإغراء المادي.


بعيدا عن لغة القطعيات الصارمة. فمثلما أنّ هناك شيء من الصحافة "المأجورة"، فأيضا هناك الصحافة القابلة لضغوطات "العم" المالي. لا نتشاءم فالدنيا مازالت بخير، فمازال هناك شيء من الصحافة "الحرة" التي "بلا عم" و لا تمارس "التطبيل".


الصحافة الحرة وإن كانت نفذت بجلدها من التبعية المالية ستجد (ربما) نفسها عرضة للوقوع في شباك تبعية من نوع اخر. تبعية مرتبط بثقافة " الشلّة والشلّلية". السقوط في فخ "الشلّلية" غالبا ما يكون عفوي وغير مقصود. والأمر مرتبط بتحديات تشغيل وإدارة تحرير أي صحيفة كَائِناً مَنْ كَانَ. فمعادلة كيف تختار هيئة التحرير لمجلة رقمية حرة من يكتب على صفحاتها ومن لا يكتب كابوس صعب جدا. هل هو على أساس الجودة أو على أساس الزمالة.


ليس من السهل وضع نقاط على الحروف عندما نكتب عن ظاهرة مستترة غير مرئية مثل "الشلّلية". فهذا الموضوع محير خصوصا عندما يتساءل جيل الشباب ومعه كل قلم غير معروف وغير مشهور:


متى ومن ينشر لنا نحن جيل المغمورين؟ ألهذا الحد وصلت قيمتنا الأدبية والمعنوية؟


الجواب شائك خصوصا إذا لاقت مجلة ما نجاح ورغب بالنشر على صفحاتها الكثير. فبفعل الأيام وبفعل تكون الصدقات يحتل عدد محدد من الكتّاب أولوية تقديمهم عمن سواهم. بالمقابل يطلق الكتّاب غير المنشور لهم تعابير من مثل: يتحكم بالمجلة الفلانية "الشّلة" الفلانية، ويقصدون اقدام لجنة التحرير (على الغالب) بإعادة نشر لكتاب "كبار" معينين.


ولكن ألا ينبغي علينا أن نتفهم موقف الصحافة خصوصا تلك الناجحة. فتحرير أي صحيفة يعمل وفق حسابات معقدة. فكل مقالة تحرر وثم يعمل لها مونتاج من صور ورسومات. كل مقالة تنشر تستغرق عدد من الساعات (تحرير ومونتاج) لإعدادها كحد أدنى. ثم هناك الصفحة الرئيسية للمجلة الرقمية وهي واجهة المجلة الرقمية وعليها يتم الترويج لآخر المقالات. وعادة هناك طاقة استيعابية للصفحة الرئيسية. فعدد المقالات التي تتقلب في الواجهة لترغيب القراء بقراءتها محدود قد يصل الى سبع مقالات تتقلب وتدار على لوحة الإشهار الخاصة بالمجلة الرقمية. وهناك عدد ساعات أدنى لإبقاء المقالة في لوحة الإشهار السباعية. بعض المجلات تُبْقي المقالة ليوم أو يومين. هذا يسبب حالة تسمى "عنق الزجاجة" أو "البايب لاين" لا تسمح بتدفق إلّا لعدد أقصاه قد يكون سبع مقالات كل يومين أو ثلاثة. بعملية حساب بسيطة نجد أن على هيئة التحرير اتخاذ قرار صعب. ننشر لمن، ونترك من.


بالمقابل الكاتب المغمور الذي يقف خارج هذا الإطار ويراقب المجلة الرقمية ويتساءل هل نشرت لي أم لا؟ ويتصفح محركها كل ساعة أو ساعتين ليتأكد عن آخر تطورات احتمالية النشر له. وعند تحققه من عدم النشر له قد يجد الكاتب المرفوض الأُنْس في نظرية "الشلّلية". فنظرية "الشلّلية" تفسير مريح لسبب عدم نشر مجلة ما مقالته. وتجد نفسه تحدثه:



تخلِّت المجلة الفلانية عن النشر لي. لقد حرمتني جماعة "الشلّه" الآثمة إياها من فرصتي المستحقة. يا لها من "شلل" أجادت التشدق بدفاعها عن حرية الصحافة حيناً وتارة تنافحُ بفتح صفحاتها للأقلام اليانعة وتمثل دور تقديم يد العون المعنويِّ لهم .

إنها "شلة" جعلتني وأمثالي في أمل من وهم. أن هذه الصحافة لا تجيد الاَّ الدّوس على هامة الجيل الذي يصغرهم، بل إنكار إنجاز غيرهم خصوصاً اذا كان أفضل مما قدموا هم .ومن ثم تجده يردد مقالة لنجيب محفوظ "لا حقيقة ثابتة في الصحف إلا صفحة الوفيات" من رواية الشحاذ.



لا يجد الشاب أزمة نشر مع مجلة مبتدأه. الأزمة تتكثف عند محاولة طرق أبواب مجلة ناجحة ومقروءة. كما إنني أتفهم مثل هذا الإحباط الذي يصاب به من يرغب النشر في مجلة مطروقة من قبل القراء ويتزاحم على النشر فيها أصحاب الأقلام. كما إني أعرف أنه لا توجد إجابة مقنعة وشافية على مثل هذه الأسئلة البريئة. وأعرف أيضا أن الحال ربما تزداد سوءا في المستقبل مع تفاقم نجاح المجلة التي يرغب المغمور النشر فيها. ولا يسع موقفي الاَّ أن يقف متعاطفا مع جيل الشباب وغيرهم من المغمورين ومتفهما لتحديات التحرير في آن واحد.


ويبقي من حقي وحقنا جميعا أن نتساءل هل كان بإمكان صحفي مثل غسان شربل، حمدي قنديل، محمد السنعوسي أو كاتبٍ مثل باولو كيلو أو خوزيه سارماكو أو كاتب كماركيز مثلاً أن يصل الى ما وصل اليه لو لم يكن توفرت له الكثير من التسهيلات وسندته سياسة فتح الأبواب التي يفتقر اليها الكثير منا؟ لكن لماذا أذهب بعيداً , هل كان بمقدور كاتب عملاق وضخم الإنتاج مثل محمد عابد الجابري أن يكتب أكثر من عشرات المؤلفات ترجمت الى لغات عدة، حتى كأننا أصبحنا نتصوره "آلة" ذات حبر سيال تكتب ليل نهار لولا سياسة الباب المفتوح والدعم المالي الذي كفل له التألق والتفرغ لمثل هذه المهمة الثقافية المسكونة بالتنقيب والكشف عن العقل العربي والتنوع الثقافي؟


أخيرا وليس آخرا أود وأنا أختم المقالة أن أذكر الأقلام اليانعة بأن شمس التبريزي ردد ذات يوم أربع جمل ليائس قائلا:


أيا كان ما يحدث لك، لا تقع في اليأس ! حتى لو أغلقت جميع الأبواب.. سيظهر لك طريق سري لا يعرفه أحد.






د. محمد الزّكري القضاعي

كتبس، ألمانيا

22 views0 comments