• المرقاب

الشورى في الإسلام ...إعادة نظر

الشيخ يوسف السبيتي

قلم من لبنان



"وأمرهم شورى بينهم " هكذا تصف هذه اللآية الكريمة طبيعة العلاقة التي تربط بين المسلمين ، أن تكون قائمة على أساس من الشورى و مقتضى الإطلاق في هذه اللآية أن هذه العلاقة "الشورى" تنحسب على كل المجالات الإجتماعية و السياسية و الاقتصادية، و بموازاة هذه الآية هناك مجموعة من الروايات تشجع على هذه العلاقة "الشورى"، ما خاب من استشار و " من شارك الرجالى شاركها في عقولها" .


و الملفت أن هناك آية أخرى تخاطب الرسول الأكرم (ص) بصيغة الأمر "وشاورهم في الأمر" مع أن الرسول (ص) هو معصوم من جهة و رأيه أو قراره لا يحتمل الخطأ ، ومن جهة ثانية و لأجل ما له من دور سياسي و ديني ، هو واجب الطاعة ، ولا تجوز مخالفته ، حتى لو رأى من يريد المخالفة غير ما رأى الرسول (ص) من رأي و كون هذه الآية بصيغة الأمر فهذا يعني أن النبي (ص) ملزم بهذه الطريقة "الشورى" في علاقته مع المسلمين.


مناسبة هذا الكلام، ما يطرح على الساحة السياسية في الخطاب الإسلامي من كلام حول طبيعة نظام الحكم في الإسلام، و ما هو موقع الشورى في هذا النظام؟ وهل أن نظام الحكم الإسلامي، هو نظام شوروي؟ وإذا كان كذلك، أين يصح استعمال الشورى؟ وأين لا يصح استعمالها؟ وهل يمكن اعتبار الشورى في نظام الحكم الإسلامي وجه من وجوه الديمقراطية في الإسلام؟ هذا مع الإعتراف مسبقاً أيضاً أن نظام الحكم الإسلامي هو ديمقراطي؟!

وأين استعمل الرسول(ص) هذه الشورى؟ حيث يمكن معرفة ذلك من نماذج ووقائع تاريخية استعمل فيها الرسول (ص) هذه الشورى. قبل الدخول في كل هذه التفاصيل، لا بد أولاً من تحديد معنى الشورى لغة.


الشورى لغة


هي المشورة و المشاورة، وهي مصادر من فعل شاور، تقول شاورته في الأمر: أي طلبت رأيه فيه، والشورى: الأمر الذي يتشاور فيه

و في لسان العرب : الشورى و المشاورة، تقول شاورته في الأمر واستشرته بمعنى، وشاوره مشاورة وشِواراً "أو استشاره: طلب منه المشورة".


الشورى ما هو مجالها؟


الآيتان اللتان صدرت بهما البحث تتحدثان عن شورى كمفهوم عام من دون الدخول في تفاصيل أخرى، وليس في القرأن أو السنة ما يشير إلى هذا الأمر، مع ذلك ينقل الدكتور مهدي فضل الله اتجاهين اثنين عند علماء المسلمين حول هذا الأمر، فالطبري وابن العربي يريان بأن الشورى لا تكون إلا في الأمور الدنيوية. كالحرب، والألوسي البغدادي و الحصّاص يريان بأنها تكون في الأمور الدينية و الدنيوية ، التي لا وحي فيها، وذلك استناداً إلى القاعدة "لا اجتهاد في معرض النص" الدكتور فضل الله يرى أنها تكون في الأمور العامة الهامة للمسلمين، والتي لا وحي فيها، مع ملاحته بأن الحاكم لا يمكنه أن يشاور في كل كبيرة وصغيرة؟!


الرسول(ص) والشورى:


"وشاورهم في الأمر واذا عزمت فتوكل على الله" هكذا خاطب الله نبيه(ص)، بصيغة الأمر في مسألة الشورى. وهل هذا يعني – على القول بأنها في الأمور الدنيوية فقط – أن رسول الله(ص) كان يشاور أصحابه في كل هذه الأمور؟ وهل هناك وقائع لم يشاور فيها الرسول أصحابه؟ وإذا كانت صيغة الأمر تعني الوجوب، وإذا كان هناك وقائع لم يشاور الرسول فيها أصحابه فهل هذا يعني أن تطبيقه لهذا الواجب يعود إليه، هو الذي يحدد الأمر الذي يحتاج إلى مشورة، وآخر الذي لا يحتاج،

النماذج و الوقائع التاريخية، تشير إلى أن أمر تطبيقه صلى الله عليه وآله وسلم للشورى – وان كانت واجبة – يعود اليه، هو الذي يحدد ما يحتاج إلى مشورة و ما لا يحتاج و القدر المتيقن من الآية أن القرار النهائي بعد فعل الشورى، هو للرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وأن يختار ما أشار اليه أصحابه، وأن اختيار ما يشير إليه أصحابه لا ينقص من دوره شيئاً.


الوقائع التاريخية


يمكن تقسيم الوقائع التاريخية فيما يتعلق بالشورى إلى ثلاث حالات :

أ. حالة يستشير فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه.

ب. حالة لا يستشير فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه.

ج. حالة يبتدأ فيها أحد من أصحابه بإبداء رأيه والنبي صلى الله عليه وآله وسلم تارة يأخذ بهذا الرأي وأخرى لا يأخذ مع بيان السبب .


الحالة الأولى:



نذكر فيها واقعتين استشار فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه، واحدى هاتين الواقعتين عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمشورة أصحابه وهو كاره لها.


الواقعة الأولى : في معركة بدر حيث "أتاه الخبر عن قريش ليمنعوا عبورهم فاستشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس وأخبرهم عن قريش".

وفي رواية أخرى للطبري ... ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أشيروا عليّ أيها الناس، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبنائنا و نسائنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه. وان ليس عليهم أن يسير بهمم إلأى عدو بلادهم، فلما قال رسول الله (ص) ذلك، قال سعد بن معاذ، والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال : أجل، قال : فقد أجبناك وصدقناك وشهنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت.... فسرنا على بركة الله؟ فسرّ رسول الله بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال : سيروا على بركة الله، وابشروا فإن الله وعدني احدى الطائفتين.[1]

الواقعة الثانية : في معركة أحد بعد أن سمع رسول الله(ص) بخروج قريش لحربه، قال صلى الله عليه واله لأصحابه " أشيروا عليّ ما اصنع؟ فقالةا يا رسول الله اخرج بنا على هذه الأكلب....وكان رسول الله(ص) يعجبه أن يدخلوا المدينة فيقاتلوا في الأزقة.... ثم أن رسول الله (ص) دعا بدرعه فلبسها، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا، وقالوا : بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله والوحي يأتيه، فقاموا فاعتذروا إليه، وقالوا : اصنع ما رأيت، فقال رسول الله (ص) : لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل، فخرج رسول الله (ص) إلى أحد في ألف رجل...."[2].


الحالة الثانية :


نذكر فيها وقائع لم يستشر فيها رسول الله (ص) اصحابه.


1- في حرب بني قريظة....فأمر رسول الله (ص)، منادياً فأذن في الناس، ان من كان سامعا مطيعا فلا يصلي العصر الا في بني قريظة....[3].


2- عندما خرج إلى قتال بني المصطلق، بعد أن بلغه اجتماعهم "خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس، واقتتلوا قتالاً شديداً، فهزم الله بني المصطلق ..."


3- عند خروجه (ص) إلى العمرة التي صده عنها المشركين والتي أنتجت صلح الحديبية "خرج رسول الله (ص) في ذي القعدة لا يريد حرباً وقد استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب، أن يخرجوا معهم ..."


4- في خروجه (ص) إلى خيبر، قال الطبري" ثم دخلت سنة سبع فخرج لرسول الله(ص) في بقية المحرم إلى خيبر..."

الحالة الثالثة :


- كان يبارد فيها بعض أصحابه(ص) إلى اعطاء المشورة من دون سبق استشارة منه (ص)، ورسول الله (ص) تارة يأخذ بهذا الرأي وأخرى لا يأخذ مع بيان السبب في الأخيرة.


أ- رأي طرحه عمر بن الخطاب لقتل عبد الله بن أبي سلول، لمقولة قالها بعد اقتتال المهاجرين و الأنصار " والله لأن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل" رفض رسول لله(ص) مشورة عمر بقتله قائلاً " فكيف يا عمر؟ إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه لا، ولكن أذن بالرحيل..."


ب- أشار عمر بن الخطاب على رسول الله(ص) برأي حول سهيل بن عمرو بعد معركة بدر وكان من الأسرى ورفض رسول الله(ص) ذلك، قال عمر " انتزع ثنيتي سهيل بن عمرو السفليين يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً، فقال رسول الله(ص) لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبياً ..."


ج- أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برأي أبداه سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة بعد أن جاءت قريش بجيش لمحاصرة المدينة "كان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخندق سلمان ...

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا..."

وهذه السيرة العملية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبين أهمية هذه الشورة في حياة المسلمين، لان فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن صورياً بل ليكون سياسة متبعة للمسلمين في مستقبل أيامهم على المستوى السياسي العام، وإنها يجب أن تكون سياسة الحاكم فيم بعد، وأن الحاكم لا يجب أن يكون حاكماً مستبداً بل أن يكون حاكماً شوروياً، من هنا نفهم كيف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحذر من تحول الخلافة إلى ملك عضوض، أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم "الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون بعد ذلك الملك" ، لأن ها مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومخالف لنص الكتاب .

مع أن الحديثين جاءا بلسان الإشارة إلى ما يمكن أن يحدث في مستقبل الأيام . مما لا يريده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، على اعتبار أن الملك لا يخلو من الاستبداد، وأن البديل عن الخلافة الشورية هو الملك الذي يعني الاستبداد.

وهذان الحديثان بغض النظر عن المناقشة في أمور أخرى كمحاولة البعض من خلالهما تصحيح خلافة بعض الخلفاء ، إلا أن الواقع المعاش للمسلمين في مرحلة ما يصدقهما، فإن "الخلافة العادلة، تحولت إلى ملك عضوض على يد بني أمية"

فمن الطبيعي أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مقام التحذير من هذا التحول.

والشورى التي نتحدث عنها هي شورى الحاكم، أي أن المطلوب من الحاكم المسلم – بغض النظلر عن كيفية تعيينه – يجب عليه أن يكون حاكماً شوروياً لا حاكماً مستبداً أو ظالماً أو دكتاتوراً أي حاكماً عادلاً.

ولا يعني هذا أيضاً أن تعيين الحاكم لا يجب أن يكون عن طريق الشورى، لأن الطريق الآخر- ونحن نتحدث عن زماننا هذا – هو طريق استبدادي ظالم أي بطريقة الاستبداد العسكري، لذا فإن الطريق المعمول به ف هذه الأيام ، وهو الانتخابات هو أفضل السبل لتعيين الحاكم، وهو مصداق من مصاديق الشورى، لانه ليس من طريق محدد ومنحصر لكيفية عمل الشورى، فإن المسألة تختلف باختلاف الزمان، فان رسول الله(ص) كان يستشير أصحابه في بعض الأمور، وهم قلة ويتيسر استشارتهم فانه وان كان يستشير جميع اصحابه، فقد كان يكتفي برأي البعض منهم ممن كان كلامه مسموعاً عند قبيلته وعشيرته.


أما في هذه الأيام، فإن الطريقة المعمول بها في الدول من الانتخابات سواء على مستوى اختيار الرئيس أو اختبار المجلس النيابي. هي اسلوب من أساليب الشورى، والمسماة النظام الديمقراطي.

وقد لا يحلو للبعض أن يسمي نظام الحكم في الإسلام انه نظام ديمقراطي على أساس أن فلسفة الديمقراطية قائمة على أساس ان حكم الشعب للشعب.

وأن التشريعات يجب أن تكون منبثقة من الشعب من خلال نوابه الذين انتخبهم وان نظام الحكم في الإسلام مصدر تشريعاته الوحيد هو الشريعة الإسلامية.

من هنا لا مانع من التفصيل بين الديمقراطية كفلسفة وبين كونها تدبير اجرائي، بحيث يرفض الأول ونقبل الثاني، وعلى هذا لا مانع من تسمية نظام الحكم في الإسلام انه شوروي ديمقراطي.


[1] المصدر السابق –م1 ج1 ص 274 [2] المصدر السابق- م2- ج3- ص11-12 [3] المصدر السابف-م2-ج3-ص52-53