• المرقاب

من يقرر أول يوم في رمضان، أهل المدن المتباعدة، ام الدولة الحديثة، نقاش تاريخي وفقهي وسياسي

Updated: Apr 15



بقلم د. محمد الزّكري

دراسات إسلامية و فلسفة وأنثربولوجيات

الصيام ركن مهم من أركان الإسلام. وارتبط شهر "رمضان" مبكرا بالهوية الإسلامية الفتية انطلاقا من السنة الثانية للهجرة. حيث فرض صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة ، وصام الرسول ﷺ تسع رمضانات (كما ذكر النووي في "المجموع"). في عهد دولة النبوة المباركة أخذ العربي المسلم الذي يقطن مجتمع مُدُن ومواطن قبليّة متعددة الديانات (مسلم، مشرك، يهودي، مسيحي) ينسلخ تدريجيا عن رداءة المُشْتَرَك مع عرب الجاهلية من خلال ركن الصيام الإسلامي. أخذ الصيام كمَعْلَم هَوِيّاتي يتوسع في سمتين. سمة ظاهرة من خلال "الصيام" ترسم معالم هوية الأمة الإسلامية قاطبة وسمة أقل ظهورا في وعينا الحالي من خلال حق كل جماعة من تحري "رؤية هلال رمضان" لترسم معالم الإستقلال المحلي والهوية الجَمَعَاتِيّة الخاصة بها عن هيمنة قرارات مرجعية الدولة.


القاعدة التي يعتمدها الفقهاء تقول الآتي:


أنه في قوله تعالى الآية في سورة البقرة: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه) يكون في حال التمكن من رؤية الهلال، يبدأ الناس بالصيام في اليوم التالي، وإذا عجزوا عن تبيّنه، فسيكون رمضان بعد ذلك بيوم واحد فقط. كما تكاد تقر جميع الفرق الإسلامية هذا الحديث أو تقر ألفاظ مشتقة من هذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".


العين كآلية الرؤيا في عهد النبوة


عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ - قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ : يَعْنِى : رَمَضَانَ - فَقَالَ : (أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ؟) ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : (أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟) ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : (يَا بِلاَلُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَداً) . رواه الترمذي ( 691 ) وأبو داود ( 2340 ) والنسائي ( 2112 ) وابن ماجه ( 1652 ) .


لِكُلّ أهل بلدٍ رؤيتهم


الآية الكريمة (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه) والحديث " صوموا لرؤيته " ركزت على "منكم" بمعنى أن إحتمالية عدم إلتزام البعض بالكل في عملية الرؤيا واردة جدا.

يبقى السؤال هل المقصود في "منكم" من يقطن مدن مختلفة متباعدة بحيث تختلف تضاريسها الطبيعية ومعه الظروف الجوية والتي تعيق أو تيسر إمكانية رؤية هلال رمضان مما يسبب التوصل الى قرارات متباينة، سؤال جوهري ومركزي.


تحت العنوان " لكل أهل بلدٍ رؤيتهم" بوب مسلم والترمذي هذا الحديث الذي يثبت إختلاف توقيت الصيام بين المدينة المنورة ودمشق.


(أخبرني كُريبٌ) أنَّ أُمَّ الفَضْلِ بنْتَ الحَارِثِ (وهي زوجةُ العَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، وأُمُّ عبدِ الله بنِ العَبَّاسِ) بَعَثَتْهُ إلى مُعَاوِيَةَ بالشَّامِ، قالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الهِلَالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، ثُمَّ ذَكَرَ الهِلَالَ، فَقالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الهِلَالَ؟ فَقُلتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فلا نَزَالُ نَصُومُ حتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلتُ: أَوَلَا تَكْتَفِي برُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ. وَشَكَّ يَحْيَى بنُ يَحْيَى في نَكْتَفِي، أَوْ تَكْتَفِي. الراوي : عبدالله بن عباس أخرجه مسلم (1087)



فَقالَ عبدالله في مواجهة أخبار معاوية: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ


في الحديث الآنف رفض عبدالله بن العباس، رضي الله عنهما، الإلتزام في زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان بقرار دولة معاوية بن أبي سفيان وآثر الصيام في يوم مختلف كما قرره مُتَحَرّي أهل المدينة المنورة.

تركتنا الرواية بدون توضيح سبب عدم إلتزام عبدالله بمعاوية. هل لأن عبدالله ر. إعتبر معاوية أحد الجبابرة الباغيين فرفض أن يكون لهم القدوة حيث أن عبدالله ر. كان من المخلصين لعلي بن أبي طالب ر. وللحسن بن علي ر. ع. في زمن خلافتهما ومات مشردا شريدا نتيجة ولاءه لعلي بن أبي طالب ر. في الطائف في حماية قبيلة بني ثقيف أم أن المقصود يحق صيامُ أهل الشامِ بِحَسَبِ رُؤْيَتِهِم، كما يحق صيامُ أهلِ المدينةِ بِحَسَبِ رُؤيتِهم الهلالَ بفارِق ليلة.

قرار عبدالله بن العباس (سوآءا بدافع رفض إتباع الجبابرة، أو لسبب التأكيد على الإستقلال المحلي عن سيادة الدولة القطرية وهيمنتها) بقى الى يومنا الراهن يغذي خيال الوحدة وخيال الفُرْقَة الإسلامية.


سيادة المحليات في عهد النبوة الى العهد الأموي


فهمت الجماعات الإسلامية القاطنة في المدن وفي مواطن القبائل حديث مسلم (ت 261هـ/875م): «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» على أن عملية التحري قضية محلية بحتة. ولهذا كان المسلمون في زمن النبوة الى نهاية حكم بني أمية يتحرّون رؤية هلال رمضان بحسب إمكانياتهم في كل بلدة ومحلّة، واختاروا لذلك العدول من جماعتهم الذين لا يُتهمون عند الجماعة بالكذب والتدليس. لذلك فكرة توحيد صيام شهر الصيام في ربوع دولة النبوة المباركة لم يكن موضوع سيادي وحساس.


أشكال انطلاق سيادة الدولة من خلال القضاة


مفهوم "سيادة" الدولة وهيبتها أبان حكم بني العباس تحور عن ذلك في أبان دولة النبوة ودول الخلافات الأربع ومملكة الأمويين. أهمية تدخل الدولة في تنظيم والإشراف على أركان الإسلام ومن ثم لاحقا على نوعية العقيدة الساكنة في القلوب من خلال محاكم التفتيش على "خلق القرآن" من عدمه فكرة عباسيّة بجدارة لم يسبقهم اليها أحد غير فريق من "الخوارج" (الأصافرة والأزارقة).

ارتأت دولة بني العباس أنها مسؤولة عن وضع شيء من النظام لتقنين رؤية هلال رمضان في المحليات الواقعة في جغرافية الدولة الممتدة فوق مساحات شاسعة من الكرة الأرضية. عملت الدولة العباسية بعدة صيغ. علما أن جميع الصّيغ أُنْجِزَتْ من خلال مكتب القاضي الذي تعينه الدولة العباسية. هكذا يستشعر المواطن مفهوم الدولة العباسية من خلال إحتكاكه بقضاتها. مثل هذا يرسخ في وعي المسلم أن أركان الدولة العباسية قائمة على العدل من خلال مؤسسة القضاء.

وضع بني العباس في كل مدينة عامرة قاضي ومن ثم خولت الدولة قاضي كل محلية مهمة الإشراف على عملية تحري رؤية الهلال لتصديق نتائجها.

الصيغ الأولى أن يقوم أفراد من الجماعات المحلية بعملية الرؤية ثم يحضرون الى مكتب القاضي ليدلوا شهادتهم بالرؤية.

الصيغة الثانية أن يخرج القاضي مع الشاهد ليتأكد بنفسه ويتحرى بعينه صدق الرؤية.

الصيغة الثالثة أن يكون للقاضي أعوانه الخاصين به وهم من يقومون بتحري الرؤية.


أول من رصد تدخل الدولة العباسية لتقنين عملية التّحري هو المؤرخ ابن خلّكان الشافعي (ت 681هـ/1282م) -في كتابه "وفيات الأعيان" عندما ذكر أن محدّث مصر عبد الله بن لَهِيعة الحضرمي (ت 172هـ/788م) -الذي عينه الخليفة العباسي المنصور (158هـ/776م) سنة 155هـ/773م قاضيًا بمصر- كان "أول قاضٍ حضر لنظر الهلال في شهر رمضان، واستمر القُضاة عليه إلى الآن"، أي أواخر القرن السابع الهجري/الـ13 الميلادي.


وقد تواصلت تلك العادة -على الأقل- حتى أواسط القرن الثامن الهجري؛ فقد جاء الرحالة المغربي ابن بطوطة (ت 779هـ/1377م) إلى مصر سنة 725هـ/1325م فشاهد المراسم الخاصّة بظاهرة تحري هلال رمضان في مدينة أبيار شمالي مصر، حين نزل في ضيافة قاضي تلك المدينة عز الدين المَلِيجي الشافعي (ت 793هـ/1391م). يقول في رحلته: "حضرتُ عنده مرة ‘يوم الركبة‘ وهم يُسمون بذلك يوم ارتقاب هلال رمضان. وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي…، فإذا تكاملوا هنالك ركب القاضي وركب مَن معه أجمعين، وتبِعهم جميع مَن بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مُرْتَقَب الهلال عندهم، وقد فُرش ذلك الموضع بالبُسط والفُرش فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال، ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمعُ والمشاعل والفوانيس، ويُوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويَصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فِعلهم كل سنة". على أن قُضاة بغداد مثلا كانوا يعتمدون على شهود العيان ولا يخرجون بأنفسهم لتحري الهلال كما يفعل غيرهم؛ فقد ذكر الذهبي (ت 748هـ/1347م) -في ‘تاريخ الإسلام‘- أنه في سنة 624هـ/1227م اعتمد قاضي القضاة عماد الدين أبو صالح نصر بن عبد الرزاق الجِيلي البغدادي (ت 633هـ/1236م) على شهادة اثنين من أهل بغداد.


مفهوم الصيام فوق كافة تراب الدولة أيام الدولة الفاطمية


لقد غفل التاريخ عن دراسة مفهوم سيادة الدولة الفاطمية خصوصا رؤية الخليفة المعز لدين الله الفاطمي للعالم وللوجود وللدولة وللسياسة. ولد المعز لدين الله في 11 رمضان من عام 319 هـ في مدينة المهدية، مقر الخلافة الفاطمية في تونس. وبويع بالخلافة والإمامة عام 341هـ وحكم من المهدية الى أن سيطر على مصر وبنى مدينة القاهرة وأنتقل في 7 رمضان 362هـ للحكم منها في آخر ثلاث أعوام من حياته.

كان المعز لدين الله مثقف يتكلم عدة لغات ويؤمن بالعلم وبالدولة العلمية وبأهمية التعليم فأمر ببناء جامعة الأزهر حين وضع حجره الأساس في 359 هجري، وصلى فيه صلاة الجمعة الأولى من شهر رمضان عام 361 هجري. كان الجامع العلمي مؤسسة لتخريج المتكلمون والفلاسفة والقضاة وأهل الرأي والحكمة والدعاة.

أمر المعز لدين الله بإلغاء تحري رمضان من خلال رؤية العين للهلال الى رؤية الفلك لهلال من خلال عملية دراسية حسابية فلكية ولتعزيز هذه العملية أمر المعز الإهتمام بعلم الفلك والرياضيات وبإقامة المراصد. كما يذكر أيضًا أن المعز عندما تولى الحكم هدم معالم الدولة العباسية بهدم "دكة القضاة" التي كان يقف القضاة عليها وهي دكة تقع على جبل المقطم لاستطلاع هلال شهر رمضان خلال عصر الدولة العباسية-الإخشيدية. في تلك الفترة انقطع القضاة عن تحري الهلال حتى سقوط الدولة الفاطمية على يد الأيوبيين ثم عاد التحري عن طريق العين المجردة.

وكانت كافة المدن والمساجد في ربوع الدولة الفاطمية تعلم مسبقا أول أيام رمضان. وكانت الأمة تباشر صيامها في كافعة المدن الفاطمية في يوم واحد.


الدولة الحديثة ومفهوم السيادة


مع نشوء الدول الإسلامية الحديثة وترسيم خطوط لحدودها ومع توفر وسائل الاتصالات الجماهيرية من مذياع وتلفزيون توثقت الدولة (لسبب ما) أن مفهوم سيادتها يكون من خلال قاضي القضاة الذي تعينه والذي يقبع في عاصمة الدولة هو الوحيد المسؤول عن إعلان يوم الصيام ويوم العيد. وتوهمت الدولة أن من يخالفه يقدح في هيبة الدولة وفي حكمة جهازها المخول بتحديد يوم الصيام ويوم العيد. في ظل التضخم لمفهوم الدولة بتدخلها المطلق في تحديد أيام الصيام ويوم العيد وسحب حق الجماعات والمحليات في تحديد إبصاراتها الخاصة بها أصبح هناك مفهوم جديد "للتحري" طاريء على وعي الأمة.

بل الأمر توسع حين نرى أن دولة تقول أن غدا صيام انقيادا لقرار مؤسسة دولة أخرى في قرارها. كما أصبح المهاجر الذي إستوطن أوروبا يتبع تحريات بلاده الأصل والتي تقع ألاف الكيلومترات عن موقعه ليصوم معهم.


الفِرَق والجماعات


ومن غرائب المستجدات تجد أن أتباع مرجع شيعي يعيش في البرازيل ويصوم مع مرجعيته التي في العراق. وتجد السلفي الوهابي يصوم مع قرار شيخه وهو يعيش على بعد آلاف الكيلومترات.


فلم يعد أحد يعمل بقاعدة صوموا لرؤيته بل أصبح الكثير يعمل لقاعدة نصوم على رؤية جماعتنا التي تقع على بعد ألاف الكيلومترات.

خاتمة


حاولت هذه المقالة أن تثير عدة نقاط مهمة حول تحري روية الهلال بين حق المحلية وحق الدولة. وتطرقنا الى تاريخ ومسارات وتحولات في عملية التحري وتنظيمه عبر القرون. هذه المقالة لا تتوصل الى موقف فقهي بقدر ما تثير نسبة قوة المواقف الفقهية وضعفها.

وتثير أهمية فتح الموضوع بشكل يسمح للدولة الى تفهم أن فوق مساحاتها السياسية الشاسعة يمكن رسميا لفريق أن يصوم وفقا لرؤية محليته التي قد تختلف مع محلية أخرى في نفس البلد.




بقلم د. محمد الزّكري دراسات إسلامية و فلسفة وأنثربولوجيات