• المرقاب

برقية عن خيانتكم

الخيانة العربية ثقافة أم مكون أصيل؟


الخيانة هي انتهاك أو خرق لعهد مفترض أو الأمانة أو الثقة التي تنتج عن الصراع النفسي في العلاقات التي بين الأفراد أو بين المنظمات أو بين الأفراد والمنظمات. في كثير من الأحيان، تحدث الخيانة عند دعم أحد المنافسين أو نقض ما تم الاتفاق عليه مسبقا أو القواعد المفترضة بين الطرفين. ويشتهر الشخص الذي يخون الآخرين بالغادر أو الخائن. يشتهر استخدام الخيانة أيضا في المجال الأدبي وفي كثير من الأحيان يقترن بالتغير المفاجئ في أحداث القصة أو يكون السبب فيها.

حول الخيانة كتب روجر إل جاكسون (Roger L. Jackson) ، مؤلف مقالة،

العقل والعاطفة للخيانة (The Sense and Sensibility of Betrayal)

الذي يكشف معنى الخيانة في كتابات جين أوستن Jane Austen  ، "مما يثير الدهشة حقا أنه لا يتوفر سوى القليل من الكتابات حول المعنى المقصود من المصطلح".

في علم النفس الخيانة تفسر على أنها نقض للعقد الاجتماعي؛ إضافة إلى ذلك، فقد انتقدت وجهة النظر المذكورة، بما يدعي أن المصطلح " العقد الاجتماعي" لا يعبر بدقة عن ظروف ودوافع وآثار الخيانة.

يؤكد ذلك الفيلسوفان جوديث شكلار (Judith Shklar) وبيتر جونسون (Peter Johnson)، مؤلفا

الغموض في معنى الخيانة" (The Ambiguities of Betrayal)

أطر الخداع" (Frames of Deceit) .

أنه على الرغم من عدم وجود تعريف واضح للخيانة، فيتضح المعنى المقصود من الخيانة بفعالية أكثر في الأدب.

الخيانة في الإسلام

معنى الخيانة لغةً واصطلاحًا

الخيانة لغةً: الخيانة نقيض الأمانة، من خانه خَوْنًا وخيانة ومَخَانة، واختانه، فهو خائن والجمع خانة وخَوَنَةً وخُوَّان، ويُقال: خُنْتُ فلانًا، وخنت أمانة فلان.

الخيانة اصطلاحًا: قال الراغب: (الخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السِّر).

وقيل: هي (الاستبداد بما يؤتمن الإنسان عليه من الأموال والأعراض والحرم، وتملك ما يستودع، ومجاحدة مودعه).

النَّهي عن الخيانة في القرآن


وقد وردت الخيانة في خمسة معانٍ في القرآن:


الأَوّل: في الدِّين ((وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ)) [الأنفال: 27].

الثاني: في المال ((وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا)) [النساء: 105].

الثالث: في الشرع ((وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ)) [الأنفال: 71]. أي: إِن تركوا الأَمانة في السُّنَّة فقد تركوها في الفريضة.

الرّابع: الزِّنى ((وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)) [يوسف: 52].

الخامس: نَقْض العهد ((وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً)) [الأنفال: 58].).

وقد نهى الله عنها في مواضع كثيرة، منها: قال تعالى (في سورة الحج): إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور.

[((إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ)) أي: خائن في أمانته التي حمله الله إياها، فيبخس حقوق الله عليه، ويخونها، ويخون الخلق. ((كَفُورٌ)) لنعم الله، يوالي عليه الإحسان، ويتوالى منه الكفر والعصيان، فهذا لا يحبه الله، بل يبغضه ويمقته، وسيجازيه على كفره وخيانته، ومفهوم الآية، أن الله يحب كل أمين قائم بأمانته، شكور لمولاه.

وقال سبحانه (في سورة الأنفال): وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ

جاء في تفسير ابن كثير: (يقول تعالى لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه (وإما تخافن من قوم) قد عاهدتهم (خيانة) أي: نقضًا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود، (فانبذ إليهم) أي: عهدهم (على سواء) أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك).

في السنة النبوية

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.

أنَّ النبي ص قال: ((أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)).

قال ابن عثيمين في قوله: ((إذا اؤتمن خان)): (إذا ائتمنه إنسان على شيء خانه).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنَّه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة).

وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما. قال: قال النبي ص. : ((...إنَّ بعدكم قومًا يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السِّمَن)).

وعن جابر رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخوَّنهم، أو يلتمس عثراتهم)).

في كتب العلماء

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إذا كانت في البيت خيانة ذهبت منه البركة).

وعن مجاهد، قال: (المكر والخديعة والخيانة في النار، وليس من أخلاق المؤمن المكر ولا الخيانة).

عن ميمون بن مهران قال: (ثلاثة المسلم والكافر فيهن سواء: من عاهدته وفِّ بعهده مسلمًا كان أو كافرًا، فإنما العهد لله عزَّ وجلَّ، ومن كانت بينك وبينه رحم فصلها، مسلمًا كان أو كافرًا ومن ائتمنك على أمانة فأدِّها إليه مسلمًا كان أو كافرًا)

وقال الفضيل بن عياض: (أصل الإيمان عندنا وفرعه وداخله وخارجه-بعد الشهادة بالتوحيد، وبعد الشهادة للنبي بالبلاغ، وبعد أداء الفرائض- صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وترك الخيانة، ووفاء بالعهد، وصلة الرحم، والنصيحة لجميع المسلمين).

(وكان شُرَيح يقضي في المضارب بقضائين: كان ربما قال للمضارب: بينتك على مصيبة تعذر بها. وربما قال لصاحب المال: بينتك أن أمينك خائن، وإلا فيمينه بالله ما خانك).

وقال الماوردي: (وأما الاستسرار بالخيانة فضعة؛ لأنَّه بذُلِّ الخيانة مهين، ولقلة الثقة به مستكين. وقد قيل في منثور الحكم: من يخن يهن. وقال خالد الربعي: قرأت في بعض الكتب السالفة: أن مما تعجل عقوبته ولا تؤخر: الأمانة تخان، والإحسان يكفر، والرحم تقطع، والبغي على الناس. ولو لم يكن من ذم الخيانة إلا ما يجده الخائن في نفسه من المذلة، لكفاه زاجرًا، ولو تصور عقبى أمانته وجدوى ثقته، لعلم أنَّ ذلك من أربح بضائع جاهه، وأقوى شفعاء تقدمه مع ما يجده في نفسه من العزِّ، ويقابل عليه من الإعظام). وقال أيضًا: (والداعي إلى الخيانة شيئان: المهانة وقلة الأمانة، فإذا حسمهما عن نفسه بما وصفت ظهرت مروءته).[21] وقال حكيم: (لو علم مضيع الأمانة، ما في النكث والخيانة، لقصر عنهما عنانه).

وقال ابن حزم: (الخيانة في الحرم أشدُّ من الخيانة في الدماء، العرض أعزُّ على الكريم من المال، ينبغي للكريم أن يصون جسمه بماله، ويصون نفسه بجسمه، ويصون عرضه بنفسه، ويصون دينه بعرضه، ولا يصون بدينه شيئًا.