• المرقاب

بعد اشتباك فكري مع السنة والشيعة... كيف تحول الأمازيغ الأباضية إلى جماعة نقاء صوفي؟




بعد أن تدافع الثوار على ظهور الجمال ينادون بدين يبشر الإنسانية بالخلاص من براثين العبوديات البيزنطية والفارسية والهمجيات القبلية. وبعد أن هفت قلوب الشعوب والقبائل الى إعتناق الدين الجديد للمشاركة في التحول الكوني غير المسبوق في الشرق الأوسط، سرعان ما قامت الأسرة الأموية بإطفاء أنوار هذه الحلفة وأيقظت الناس من خدرها وطلبت منهم العودة الى الواقع بفرض رسوم على الموالي المسلمين ونهب ممتلكات ومزارع البلاد المنضوية تحت سيادتها من بين أيادي ملاكها الأصليين. الذهول أمام هذه الانتكاسة كان شديدا. إنقلابات دفعت الجماعات الى التحرك تحت شعار ثورات مناوئة. جماعات تحلم بالخلاص باستنساخ تجربة دامت ثلاثين سنة في أزمنة دول الخلافات الراشدة الأربع. مع كل ثورة مضادة للأسرة الأموية فرخ خلفة مذهب. الأباضية حركة قديمة جدا وكان لجماعاتها صولات وجولات مبكرة من إجل إقامة دولة عادلة يقودها أناسا ليسوا من قريش.



في خضم هذه التجاذبات تمكن دعاة الحراك الأباضي في أواخر الخلافة الأموية وبداية العباسيين من تأسيس خلية دعوية في الجزائر. حيث كان دعاة وعلماء المذهب يتوجهون للمغرب الإسلامي وينشرون دعوتهم، ويحرضون على الخلافة الأموية ومن ثم على العباسية.

مفهوم العدالة بين المجتمعات التي تقطن أطراف وهامش الدولة المركزية كان مفهوما غائبا عن إكتراث الدولة الأموية والعباسية. سياسة تحويل الأطراف الى أبقار حلوبة لتغدق بنتاج كد شعوبها لتمويل ترفيه المركز، كان سياسية جوهرية ولكن التاريخ لم يدرسها بشكل وافي.


في تلك اللحظة قام حكم سني محلي في القيروان بأمرة الأغالبة وقام حكم شيعي معتدل في فاس تحت إمرة الأدارسة. ثم إستغلت جماعة أخرى نجاحات تأسيس دول محلية عندما قام بعض من ينتمي لمذهب الصفرية في سجلماسة. بنشر أفكارهم. وبشكل متوازي انتشر مذهب آخر وهو المذهب الإباضي في منطقة "جبل نفوسة" وبعض مناطق المغرب وخلالها نشأت الدولة الأباضية الرستمية نشأت الدولة على يد الأمير عبد الرحمن بن رستم.





عبدالرحمن كان قد فر من القيروان باتجاه تيهرت في المغرب الأوسط، بعدما طارده الأغالبة العباسيون. هناك توافد عليه مجموعة من العلماء من جميع الأقطار من طرابلس وجبل نفوسة ثم بويع له بالإمامة نظرا لعلمه ومكانته وكان ذلك عن طريق الشورى. كان مقر دولته مدينة تاهرت أو تيهرت وهي حاليا مدينة تيارت في الجزائر.


بعد قيام الدولة الفاطمية وقضائها على حكم الأغالبة استولت الجيوش الفاطمية على تيهرت ومناطق نفوذ الرستميين وخلع آخر حكام الرستميين وهو يقظان بن محمد سنة هـ 296 909 م، ففر الإباضيون إلى ورقلة ثم وادي مزاب حيث استقر بهم المطاف.


بعد قرابة ثمانين عاما على إندثار دولة الأباضية ومع غياب أي بارق أمل لعودتها لتحكم البلاد والعباد وفقا للتشريعات الإسلامية المعتبرة لديهم قرر العالم الأباضي الليبي أبو عبدالله محمد بن بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي (و. 345هـ ت. 440هـ) التحرك من أجل لم الشتات الأباضي. درس أبو عبد الله الأوضاع العرفية التي كانت تحكم المجتمع الأباضي مستنداً إلى تشريعات الإسلام فوضع دستوراً عرف “بنظام العزابة”. دستور يعتبر من أقدم القوانين التي وضعت في المجتمعات الإسلامية.

وكان أبو عبدالله أول من شرع في تطبيق مبادئ هذا النظام في أوَّل حلقة له بغار في «تين يسلي»، وهي «بَلْدَة اَعْمَر» بالقرب من مدينة تقرت – جنوب شرق الجزائر حاليا -، وذلك سنة 409هـ.

الملفت أن السيد روبيرتو روبيناتشي في كتابه “العزابة” وصف نهج العزابة عند الأباضية بالنساك وبالمتصوفة.


الذي دعاه الى نعتهم بالتصوف والزهد والتجرد في الحياة هو سلوكياتهم العلمية المتحلقة حول شيخ وسلوكيات الصحبة وسلوكيات الأوراد وسلوكيات الاقتصار على لبس البياض ومن التقليل من عدد الزوجات ومن الالتزام بحفظ القران واتيان مواعظه واجتناب نواهيه. (روبيناتشي، 2006).




نظام العزابة: اشتقت كلمة عزابة من العزوب عن الشيء وهو البعد عنه، أو العزابة بمعنى العزلة والغربة ويقصد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة والأسباب التي أدت إلى تطبيق هذا النظام، هي الظروف التي مرت بالإباضية منذ نهاية القرن الهجري الثالث، فسعى العلماء إلى وضع أسس يمكن عن طريقها تطبيق الشريعة الإسلامية بين تجمعات الإباضية ما دامت الدولة القائمة عاجزة عن ذلك وما دامت الظروف لا تمكنها من إعادة بناء دولتهم. وأول من تصدى لهذا العمل هو العالم الأباضي “عبد الله محمد بن أبى بكر” القرسطائي في أواخر القرن الرابع الهجري درس أبو عبد الله الأوضاع العرفية التي كانت تحكم المجتمع الأباضي مستنداً إلى تشريعات الإسلام فوضع دستوراً عرف “بنظام العزابة” يعتبر من أقدم القوانين التي وضعت في المجتمعات الإسلامية ثم جاء بعد أبي عبد الله عدد من العلماء عنوا بدراسة هذا القانون وأضافوا إليه بعض المواد أطلق عليه سيرة العزابة.




.فالعزابة، هي هيئة محدودة العدد تعمل وفقاً لضوابط معينة للأشراف الكامل على شئون المجتمع الأباضي الشئون الدينية والاجتماعية والسياسية ويمثل العزابة الإمام ويقومون بعمله في حالة غياب الدولة الإباضية ويجب توفر شروط محددة في الشخص لكي ينضم في حلقة العزابية من أهم هذه الشروط حفظ كتاب الله تعالى، واستكمال مراحل الدراسة مع الرغبة في مواصلة العلم، وأن يكون الشخص متديناً عفيفاً طاهر الباطن والظاهر هذا من الناحية العلمية، وعلى الشخص أيضاً المحافظة على زي العزابة الرسمي، وألا تكون له مشاغل دنيوية تجعله يتردد على الأسواق والمحال العامة حفاظاً على مهابته، وقد روعيت هذه الشروط بدقة في قبول الشخص في الحلقة وذلك للمهام الكبرى التي توكل إليه من داخل حلقات العزابة . ومن مهامه :-

1- الإشراف العام على كل ما يتعلق بالمجتمع الأباضي وهي الوظيفة البديلة لوظيفة الإمام، ويقوم بهذا المنصب شيخ حلقة العزابة.

2- القضاء فيما يقع بين الناس من مشاكل والفصل في القضايا، ورد الحقوق إلى أهلها وتأديب العصاة والمجرمين وحفظ الأموال ومراقبتها والحراسة على أموال الناس.

3- ضبط ميزانية الحلقة بالإشراف على الأوقاف وتنميتها وصيانتها ورصد الصادرات والواردات.

4- الإشراف على الشئون الاجتماعية وتفقد أحوال الناس لتقديم المساعدات سواء من ميزانية الحلقة أو بتكلف ذوي اليسار أو بإيجاد الأعمال لمن له القدرة على ذلك.

5- الإشراف على التعليم والعمل على إتاحة الفرصة لكل الأطفال لينالوا قسطا” منه ورصد جزء من ميزانية الحلقة لأعمال التعليم وإعانة الطلبة

.6- الإشراف على العلاقات الخارجية بين المجموعات الإباضية وبينها وبين غيرها وتنظيم تلك العلاقات في حالتي السلم والحرب.

نص قانون العزابة على تكوين حلقة عزابة في كل بلد أو قرية، يُراعى في الاختيار شروط العضوية ما أمكن ذلك، ثم تكون مجالس على مستوى المناطق تمثل فيها حلقات القرى والمدن ومن مجالس المناطق يكون مجلس أعلى للعزابة يسمى “الهيئة العليا للعزابة” يرأسه شيخ العزابة الذي يمثل الامام ومقر هذه الهيئة هو مركز البلد أو عاصمتها وتعقد الهيئة العليا اجتماعات دورية مرة كل ثلاثة أو ستة أشهر ومتى دعت الحاجة إلى الاجتماع، ويحضر الاجتماعات الدورية ممثلون لجميع حلقات العزابة تنظر الهيئة العليا في الاحداث الكبرى كمسائل الحدود والامن العام وتطرح فيه المصاعب التي تواجه حلقات العزابة الصغرى .

ومقر حلقة العزابة هو المسجد ولذلك يقام إلى جانب المسجد بيت خاص بالعزابة تكون مقراً لحلقاتهم وفي العادة تتكون الحلقة من عشرة إلى ستة عشر عضواً توزع عليهم الاعمال المنوطة بهم، وإلى جانب المهام السابقة يوكل إلى أفراد الحلقة مهام أخرى إذ يخص أفراد لمهمة الأذان وحقوق الموتى من غسله والصلاة عليه ودفنة وتنفيذ وصيته.

وقد وضعت ضوابط لمعاقبة من يخرج على نظام الحلقة من أعضائها فإن ارتكب أي عضو مخالفة يوقع عليه العقاب بقدر الخطأ فان كانت المخالفة صغيرة عقد له مجلس تأديب سري يراجع فيه العضو، وقد يبعد عن الحلقة لمدة تقررها الحلقة، أما إذا كان الخطأ كبيراً يتصل بمعصية الله حكموا عليه بالبراءة ولا يرفع عنه هذا الحكم حتى يتوب علناً وليس له الحق في الرجوع إلى حلقات العزابة.

تتمتع افراد العزابة بمكانة كبيرة في نفوس المواطنين لسلوكهم الحميد ونزاهتهم وتفانيهم في خدمة المجتمع ولذلك فان قراراتهم كانت تنفذ بدقة وترضى بها كل الأطراف، وتوجيهات العزابة يعمل بها عن رضى وقناعة واذا حدث وانحرف شخص عن دين الله أو تصدى لأحكام العزابة أعلن عليه حكم البراءة وتعني عزل الشخص وتبرؤ كل المؤمنين منه وينفذ ذلك الصديق والأهل ويقطع الناس معاملتهم معه إلا بالقدر الضروري فيضطر إلى الرجوع لحياة الجماعة وإعلان التوبة والندم.

يوجد مجلس استشاري للعزابة هو” منظمة ايروات “وهم جماعة من حفظة القرآن والمشتغلين بالدراسة ولهذه المنظمة القوة الثانية بعد العزابة أو كمجلس النواب بالنسبة للشيوخ وقد يسند إليها العزابة بعض الأعمال. (2018 موقع “أهل البيت” ).


مركز المرقاب للدراسات


80 views0 comments