• المرقاب

تصوف الشيعة، لماذ يتحول الإيرانيون عن المذهب الشيعي؟



مصدر: Disenchanted Iranians are turning to other faiths

نشرت مجلة «إيكونوميست» البريطانية تقريرًا بشأن ما تمارسه الجمهورية الإيرانية من تمييزٍ ديني ضد الأديان والمذاهب الأخرى بخلاف المذهب الشيعي، الذي يُعد العقيدة الرسمية للبلاد، مُسلطًا الضوء على تحوُّل عديد من الإيرانيين إلى الديانة المسيحية، والمذهب السني، والطائفة الصوفية، وغيرها من الطوائف؛ بسبب شعورهم بالإحباط وخيبة الأمل من قيود النظام الديني ورجال الدين الشيعة (الملالي)، الذين قد يكونون سببًا في تغيُّر هوية إيران إلى دولة ذات أقلية شيعية. ارتفاع أعداد المسيحيين في إيران وفي مطلع التقرير، تنقل الصحيفة البريطانية عن الأب منصور (قس مسيحي) رؤيته للديانة المسيحية في إيران بأنها محاطة بكل الإثارة والحماسة، في وقتٍ تتعرض فيه الكنيسة للاضطهاد منذ الأزل. ويُلقي منصور عِظاته وخطبه داخل منازل الإيرانيين في جميع أنحاء البلاد لكنه يستخدم كلمات مشفَّرة؛ إذ يُطلق على السيد المسيح اسم «جامشيد»، ولا يتلو أناشيد التسبيح أو الترنيمات إلا في صمتٍ تام. يقول منصور: «نُحرك شفاهنا ونَهمِس بصوتٍ خافت ونحن ننشد أغاني الترنيمات والتسابيح؛ لأنه ليس بمقدورنا التعبد جهرًا بصوت عالٍ». وتكتنف معتنقي الديانة المسيحية في إيران أخطارٌ جسيمة: فالتبشير بالمسيحية محظورٌ، وقد زُجَّ بعشرات المبشِّرين إلى غياهب السجون، ولكن هناك كذلك مكافآت ربانية روحانية، بحسب التقرير. إذ أفاد القساوسة المحليون بأن مئات الكنائس السرية تجتذب إليها مئات الآلاف من المصلين والعابدين. ويزعم التبشيريُّون أن المسيحية في إيران تنمو نموًّا سريعًا أكثر من أي بلدٍ آخر. نفور كبير من المذهب الشيعي وشدد التقرير على أن الفجوة الروحية الدينية تتسع بين زعماء المذهب الشيعي، الذين يطلق عليهم آيات الله، في إيران وبين الشعب الذي يحكمونه. وقد نَفَر كثيرٌ من الشعب الإيراني بسبب قيود النظام الديني وهيمنة العقيدة الشيعية، بحسب التقرير. لذا يبدو أن أعدادًا متزايدة من الإيرانيين يرتدُّون عن مذهب الشيعة أو يُجرِّبون بدائل أخرى من المذاهب والأديان. ويذكر المسيحيون وأتباع مذهبي الزرادشتية والبهائية أن الإقبال عليهم جميعًا يتزايد يوميًّا. كما تحدثت قيادات مذاهب أخرى من الدين الإسلامي عن وجود محاولات شعبية للتجدِيد والإحياء. يقول ياسر ميردامادي، وهو رجل دين شيعي يعيش في المنفى، إننا: «نشهد تغيرًا وتحولًا في الولاء للمذهب الشيعي. ويتحول الإيرانيون إلى ديانات أخرى لأنهم لم يعودوا يطمئنون إلى عقيدة البلاد الرسمية أو يشعرون بالرضا والارتياح نحوها». ويلفت التقرير إلى أن آيات الله يعترفون رسميًّا بالأديان السماوية الأخرى التي تدعو إلى توحيد الله، إذ إنها سبقت الإسلام. ويُخصص الدستور في إيران لغير المسلمين من «أهل الكتاب» – المسيحيون واليهود والزرادشتيون (أحد أديان المجوسية) – خمسة مقاعد في البرلمان من إجمالي 290 مقعدًا. كما أن معتنقي هذه الديانات لديهم دور عبادة ومدارس خاصة بهم (شريطة أن يكون المديرون من المسلمين). ناهيك عن أن إيران تستضيف أكبر جالية يهودية في العالم الإسلامي. الموت جزاء من يرتد عن الدين الإسلامي بيد أن رجال الدين الشيعة يُفضَّلون إبعاد الديانات والمذاهب غير الشيعية الأخرى عن مفاصل الدولة وأن يظلوا منعزلين صاغرين. إذ يشعر رجال الدين هؤلاء بالخوف من إمكانية أن يُسفِر التنوع الديني عن التشويش على الهوية الشيعية للدولة. ومنذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية في عام 1979، لم يتولَّ أي شخص غير شيعي مسؤولية أي حقيبة وزارية أبدًا. وفي أحيان كثيرة، يتهم رجال الدين الشيعة غيرهم من الأقليات الدينية بأنهم كفار وجواسيس، بحسب التقرير. ويُعاقَب كلُ مرتد عن الإسلام، الذي يعتنق أي ديانة أخرى بعد الإسلام، بالإعدام. Embed from Getty Images وألمح التقرير إلى أن حملات القمع التي تمارسها إيران لا تفعل شيئًا. إذ تفيد الأرقام الرسمية للدولة بأن أكثر من 99.5% من سكان إيران البالغ عددهم 82 مليون نسمة يعتنقون الدين الإسلامي. لكن هذه الأرقام مشكوك في صحتها. ووجد استطلاع للرأي أجرته، عبر الإنترنت، مجموعة تحليل وقياس المواقف في إيران (Gamaan)، وهي مؤسسة بحثية مستقلة غير ربحية مسجلة في هولندا، وشمل أكثر من 50 ألف إيراني (حوالي 90% منهم يعيشون في إيران) أن الدولة الإيرانية تعيش حالة تحوُّل ديني، وذكر حوالي نصف المشاركين في الاستطلاع أنهم بدَّلوا دينهم أو اعتنقوا غيره. بينما أعلن أقل من ثلثهم أنهم يتبعون المذهب الشيعي. وإذا افترضنا أن هذه الأرقام تقترب من الصحة، فإن إيران تبدو حاليًا أكثر تنوعًا مما تُظهره أرقام الإحصاءات الرسمية للدولة. العداء للإسلام يكتسب شعبية ذكر التقرير أن الديانة الزرادشتية، أقدم ديانة في إيران، وقد تكون ثاني أكبر ديانة في البلاد. وتحتفل إيران بالنَّوْرُوزُ (عيد رأس السنة الفارسية) و«ليلة يلدا» (أطول ليلة بالسنة الفارسية، ويحتفل بها في 21 ديسمبر (كانون الأول) ويُعتقد أنها ليلة ولادة الشمس) بوصفهما عطلتين وطنيتين. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن أتباع الزرادشتية في إيران يبلغ عددهم حوالي 23 ألفًا فقط، وهم الذين يتبعون تعاليم زرادشت، وهو رجل دين فارسي من القرن السادس قبل الميلاد. إلا أن 8% من المشاركين في استطلاع (Gamaan) قالوا إنهم من أتباع الديانة الزرادشتية. وينجذب بعض هؤلاء إلى الزرادشتية بسبب جذورها الأصلية وعقيدتها الفارسية وعدائها للدين الإسلامي، الذي يسخرون منه على اعتبار أنه غرس عربي، بحسب التقرير. وكانت لحفلات الزفاف على الطريقة الزرادشتية، التي تُقام فيها الصلاة الفارسية حول النار، شعبية واسعة داخل البلاد، مما دفع السلطات الإيرانية إلى حظرها في عام 2019. ونوَّه التقرير إلى أن رجال الدين من الشيعة ينظرون إلى الطائفة الصوفية أو الدراويش على أنها أكبر تهديد يواجه البلاد. وقد تظاهر الصوفيون في عام 2018 احتجاجًا بسبب ما يعانون منه منذ مدة طويلة من استهداف الحكومة لهم واضطهادهم واعتقالهم اعتقالًا تعسفيًّا. وقُتل في هذه المظاهرات خمسة من أفراد قوات الأمن، واعتُقل أكثر من 300 من أتباع الصوفية. وفرضت السلطات الإيرانية الإقامة الجبرية على نور علي تابنده، زعيم الطائفة الصوفية الأكثر شعبية، حتى وافته المنية في ديسمبر 2019. لكن جماعة «دراويش كنابادي» الصوفية يقولون إن طقوسهم في الخلوات تجتذب عددًا متزايدًا من الإيرانيين. ملاحقة السنة بالإضافة إلى ذلك، ينمو أعداد أتباع المذهب السني في إيران، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى ارتفاع معدلات المواليد لديهم. ويُعتقد أن أتباع المذهب السني يُمثلون 10% من الشعب الإيراني ويعيشون على أطراف البلاد غالبًا. وتريد السلطات الإيرانية أن يظل أتباع المذهب السني على هذا النحو، بحسب التقرير. وعلى الرغم من هدم مساجد السنة كافة في العاصمة الإيرانية طهران، ما زال آلاف الإيرانيين من أتباع المذهب السني يتدفقون كل يوم جمعة على فيلات كبيرة في طهران يستخدمها المذهب السني بوصفها مساجدَ لأداء صلواتهم. وأضاف التقرير أن عدَّة ملايين آخرين من الإيرانيين اعتنقوا مذاهب إسلامية أخرى غير المذهب الشيعي، مثل الطائفة اليرسانية، التي يتَّبع أفرادها تعاليم (السلطان إسحق البرزنجي) أحد رجال الدين ومؤسس الطائفة في القرن الرابع عشر، والطائفة البهائية، التي يتَّبع أفرادها تعاليم مدَّعِي النبوة في القرن التاسع عشر (حسين علي نوري والملقب ببهاء الله). وبسبب الصيت العالمي الذي اكتسبته البهائية بسبب طقوسها التي تتضمن الموسيقى والرقص والاختلاط بين الجنسين، انجذب إليها كثيرٌ من الإيرانيين في رحلة بحثهم عن الاسترخاء والراحة من ممارسات النظام الديني الذي أسَّسه آية الله روح الله الخميني، والذي تقول التقارير إنه قال: «ليس في الإسلام متعة». هل أوقف ميثاق المواطن التمييز الديني في إيران؟ وفي ختام تقريرها، أوضحت المجلة البريطانية أن عديدًا من المرتدين عن المذهب الشيعي الذين تحوَّلوا إلى المسيحية معجبون بحقيقة أن النساء بمقدورهن المشاركة في الحياة والقيام بالمهام إلى جانب الرجل. ويعقد بعض هؤلاء موازنات بين استشهاد أئمة المذهب الشيعي وبين صلب المسيح. لكن البعض الآخر من المُنضمِّين حديثًا إلى أقليات الديانات الإيرانية الأخرى قد يعود سبب انجذابهم إلى بعض المنافع غير الدينية الروحانية.

على سبيل المثال، يمكنهم التقدم بطلب للحصول على لجوء في أمريكا بوصفهم أقليات مضطهدة، وهو الأمر الذي يؤدي عادةً إلى حصولهم على الموافقة على نحو أسرع. وقد كشف الرئيس الإيراني، حسن روحاني عن ميثاق المواطن في عام 2016، والذي وعَد بوضع حد لكل صِور التمييز الديني. لكن هذا الميثاق لم يكن مُلزمًا لأحد. وخلص الكاتب إلى أن رجال الدين الشيعة في إيران الذين يتولون مقاليد الحكم في البلاد ما زالوا يعتقدون أن أفضل وسيلة لحماية الدولة الدينية هي اضطهاد الأقليات. ونتيجةً لذلك، ربما يكونون سببًا في تحوُّل إيران إلى دولة ذات أقلية شيعية.


المصدر ساسة بوست

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

13 views0 comments