• المرقاب

تعرف على جان نعوم طنوس وأعماله الأدبية



انطوان ابو رحل






إكتسبت عملية النقد في العصر الحديث قوة تأثير حقيقية في تطور الفن الادبي والروائي. وكان المحرك الاساسي لهذا النوع من النقد هو الشك في الحقائق الذي يعكس في الوقت ذاته معرفة أخرى، شرط أن يكون النقد علمياً وداخلياً ويهتم بالمضمون. هذه الأسس تجدها واضحة لدى الناقد الدكتور جان نعوم طنوس الذي له دراسات نقدية عميقة، وله تحت الطبع أيضا: “سعيد عقل على سرير فرويد” . “التحليل النفسي لحكايات الأطفال الشعبية”، “ملامح الموت والحياة في شخصية الشابي وشعره”، ولطنوس عدد من القصص والروايات الادبية والتربوية مما جعل منه ناقداً في ثوب أديب وأديباً في ثوب ناقد. ومن يتعمق في دراساته ومؤلفاته يعرف جيداً أن فكرة النقد لديه أخذت معنى “الجدال العقلي”، اي النشاط المتميز للعقل باعتباره أداة تحكيم عقلانية هدفها ايقاظ الوعي الانساني عن طريق القدرة على الرفض ومن ثم الابداع، إذ أن النقد لدى طنوس “فن الحكم” للفصل بين الحقائق ولمعرفة نواحي القوة أو الضعف في الموضوع المطروح للتساؤل شرط الا يكون هجوماً على الشخص أو الموضوع. النقد الحقيقي، كما مارسه الدكتور طنوس ارتبط بعصر التنوير ومبادئه في التحرر والتقدم والعقلانية، ومن يطلع على كتبه الاربعة وهي: “أساطير الجسد والتمرد” (عن دار الحداثة 1999، يقع في 189 صفحة من القطع الوسط). “قراءة نفسية في أدب أملي نصرالله” (عن دار الكتب الحديثة 2002 يقع في 234 صفحة من القطع الوسط). “سير الادباء – دراسة نفسية اجتماعية “(عن دار المنهل اللبناني عام 2009 يقع في 301 صفحة من القطع الكبير). “المرأة والحرية – دراسات في الرواية العربية النسائية” (عن دار المنهل اللبناني عام 2011 يقع في 423 صفحة من القطع الكبير). وفي هذه الدراسات النقدية يتناول طنوس أسماء لها صيتها وسطوتها في المشهد الأدبي، وباسلوب جريء واقتحامي احياناً، ومتفرد دائماً، لما فيه من صنعة ووضوح وايجاز وتوازن. وكلما توغلت في قراءته اكتشفت أنه ألمعي في ذكائه، نهضوي في عمله، مندفع في عطائه، نابض الحركة في كل مشروعاته الفكرية. وهاج التألق في كل أفكاره الأدبية، عميق النظرة في كل تحليلاته النقدية. ظاهرة نقدية حديثة قانون الايمان الجمالي، بالنسبة لطنوس، :” أن تكتب يعني أن تبتكر تأويلات جديدة، فالكاتب ليس موظف أرشيف إنه خلاّقٌ”. يعد اسلوب طنوس، المبني على مرتكزات نفسية للنقد، والذي يقدم بنية النص الروائي من خلال تداخلات متقاطعة بين الحاضر والماضي، وبين الراوي نفسه والقارئ، ويعيد نقدياً صوغ الواقع، ويأخذ النص إلى خارج أطره الظاهرة وهذه ظاهرة نقدية حديثة وضعت طنوس في أروع تجلياته إذ استطاع أن يؤسس لنفسه منهجاً نقدياً أدبياً من خلال دراساته التطبيقية على كثير من الابداعات الروائية اللبنانية والعربية، التي مكنته من تكوين اسلوب علمي ميّزه. والمتابع لطنوس بتعمق يعرف ان الرجل أبعد نفسه عن أي محاباة، لكنه ظلّ مسكوناً بسؤال الما بعد، وهو السؤال الذي زاد شخصياته الروائية التي رصدها وضوحاً في العرض ودفعه الى الغوص في تصوير فكرة اغتراب الانسان عن واقعه ومجتمعه وصراعه الداخلي، وهذا ما برع فيه طنوس في الاضاءة حول نتاج الروائية الطليعية املي نصرالله التي خصها بكتاب نقدي تستحقه، وتناولها في كتبه الاخرى فكان لها منه الحصة الاساس، كنموذج للروائية – المثال. ومن ابرز مقومات طنوس النقدية انه يتعقب مسار تحرك كائنات الرواية، كل رواية، يتناولها، باضاءة عميقة مع رصد متاهاتها الداخلية، وتصوير عواملها التي تختلط فيها الآمال بالآلام. ويأخذ البعض على طنوس قساوته في النقد أحياناً، الا أن جوابه: “من أجل تشخيص دقيق لنظام قمعي يبغي الناقد كشف مساوئه رجاء أن يولد انسان جديد”. وينطلق الدكتور طنوس من مقولة: “لقراءة هذا العالم الساحر من دون ان نهتك سحره، بعصبية ما، ثمة ضرورة الى “ذكاء تذوقي” قد يفتقده الكثير من الاذكياء والنقاد. وقبل أن نلج الى اعطاء صورة عن كتبه الاربعة علينا ان نعرف ان طنوس رصد المفاهيم والنظريات والاتجاهات النقدية في مرحلة الحداثة، في محاولة لتوضيح الخلط والالتباس في المصطلحات والمفاهيم: بين النقد والنقد الذاتي، وبين النقد والانتقاد، وبين التحديث والمعاصرة.وطرح كل هذه الافكار للمناقشة لاجل نشر وتداول فكر تنويري يتسلح بأدوات التفكيك والتحليل والنقد والمراجعة والتدقيق وصولاً الى الاحكام وتحريك الذهن ودفعه في مغامرة البحث والتقصي ونقد ما هو غريب ومجهول ومحرم ومخفي وممنوع. وبهذا يكون هدف النقد مع طنوس تحرير الفكر وتحرير العقل من اوهامه التي تكبله، والتخلص من اي سلطة معرفية تعمل على كبح لجام العقل ومحاصرته وتعطيله وجعله عاجزاً عن تحفيز الفكر واثارة التساؤل. للدخول الى عالم الدكتور جان طنوس الحقيقي علينا ان نلج الى مضامين دراساته التي اصدرها في كتب اربعة وهي: “أساطير الجسد والتمرد” الكتاب الأول “أساطير الجسد والتمرد”، يطرح فيه اشكالية العلاقة بين الجسد والروح وكيف ينظر الانسان عامة، والفنان والمفكر خاصةً، الى الجسد الانثوي، عديل الغرائز ورمز الطبيعة الكبير. ويتطرق فيه الى قيمة الثقافة في العصور الوسطى المسيحية، تمثيلاً لا حصراً وحين غلبّت احد قطبي الثنائية البشرية، أي حين غلّبت العقل والروح على الجسد والغرائز. ولم يتورع طنوس عن تحليل المقدسات: القديس اوغسطين، ديكارت، شوبنهاور، بول كلوديل، اضافة الى الاساطير وإعادة تقييم الاديان الوثنية وكانت له الجرأة في التطرق الى مفكرين وادباء عرب يعبرون عن منحى ثقافي خاص. وفي هذا الكتاب مراجعة نقدية لبعض نتاجنا الادبي من منظار جديد، بعيداً عن التوليف الاكاديمي المآلوف. انه ثورة في عالم النقد تمارس فعاليتها بوعي مضاد وتكشف النقاب عن المستور والمحجوب في الشعر والرواية اي ما تغاضى عنه النقاد امداً طويلاً. وينتهي الى القول: “ان هذا الكتاب هو الاول في سلسلة نقدية هدفها اعادة النظر في نتاجنا الادبي بل في الثقافة العربية عامة”. وهذا الكتاب يحتوي على الموضوعات التالية: 1- نقد: “فارس آغا” رواية المأزم الاوديبية، اي رهاب الاب نقطة مركزية في أدبه. 2- أنسي الحاج في “خواتم 2”. 3- “نظرة جديدة الى مجدلية سعيد عقل”: اي يسوع والمجدلية زفاف العقل والغريزة، ومغزى القصيدة أنها تفصح لا عن علاقة المسيح بالمجدلية بل عن علاقة الشاعر بالمرأة المثالية. 4- نظرة جديدة في ادب انطوان سعادة. 5- مذكرات الارقش لميخائيل نعيمة: “العقل يذبح الغريزة”. 6- 100عام على ولادة توفيق حكيم : قراءة جديدة في مسرحية “شهرزاد”. 7- جدي وحكايته قصة المأزم الاوديبية لتوفيق يوسف عواد. 8- الحكايات الشعبية والاسطورية في “الليالي الغجرية” ومآزم النمو والتحوّل لـ املي نصرالله. 9- “محمود تيمور وجبران خليل جبران” وجحيم الثنائيات وفردوس المصالح في “زائرة الليل الليلكي” للدكتور جورج طربيه. 10- خليل تقي الدين: “ثنائية الليل والنهار والشوق الى امتلاك الام”. والقارئ المدقق في هذه الدراسات يكتشف بأن النقد المعاصر أعلى من شأن القارئ في علاقته بالنص والمؤلف بعد أن كان التركيز في الماضي ينصب على المؤلف، وفي مرحلة تالية، على النص. لكن صعود القارئ الى سدة اهتمام الخطاب يشير الى وعي جديد في أوساط النقاد والمؤلفين – وطنوس في طليعتهم – وكذلك القراء انفسهم ان القارئ طرف مشارك ومحفز لفعل الكتابة والابداع، فلا كتابة بلا قارئ ولا معنى للوحة أو منحوتة من دون مشاهد أو متأمل. “قراءة نفسية في أدب أملي نصرالله” الكتاب الثاني: “قراءة نفسية في أدب أملي نصرالله”، حيث يصل الى نتيجة عامة تضيء على الروائية المتمكنة، إذ يستخلص بالقول: “تكمن اهمية أملي نصرالله الروائية والقصصية في واقعيتها المرّة. على أن هذه الواقعية لا تعني كما يتخيل البعض رصفاً للعادات والتقاليد بقدر ما تعني محاولة للغوص في العالم الداخلي للانسان في علاقاته الاجتماعية. لذلك يُعدّ نتاج نصرالله من أبرز الملامح في القصة اللبنانية لأنها وعت، بعمق، مشكلة الفتاة اللبنانية التي تتجاذبها عوامل الماضي تتصل بالحبل السرّي الذي يربطها بالتقاليد وعوامل مستقبلية تخرج بها من الرحم الدافئ”. ويقول الناقد طنوس حولها :”إن في أعماق أملي عالماً خاصاً وديعاً كحبة قمح بريئاً براءة حمامة تفلت دائماً من الشباك، ولعل قوةٌ ما خفية تنتصب وراءها كالقدر”. والمدقق في نقد طنوس للروائية أملي نصرالله نراه يتبع في نقده الافق المفتوح بين الرواية والكاتب والقارئ اذ يعتمد نظرية التوصيل في الخطاب الروائي المعاصر. وتعد نظرية التوصيل من اهم النظريات الحديثة في العملية النقدية. وقد تكمن اهميتها في اخراجها الخطاب الادبي – الروائي من الدائرة المغلقة التي ادخلته فيها بعض المناهج الشكلية المهتمة باللغة في ذاتها والمتعاملة مع الخطاب الادبي بصفته بنية مغلقة على ذاتها. ويركز طنوس على دور المتلقي في عملية الاتصال الادبي لان الوعي السابق بتطور الخطاب النقدي وظهور تقاليد جديدة يتعين عليها اعادة قراءة الخطاب الروائي في ضوئها، ولعل اهمية دراسة الخطاب الروائي في ضوء نظرية التوصيل تنبع من كون هذه النظرية متكاملة، تأخذ في الاعتبار كل الاطراف الداخلة في الفعل الابداعي من خلال ابواب ثلاثة: “المبدع”، “المتلقي” و”النص”. والمتمعن في إسلوبه النقدي وموقفه المبدع والمتلقي، قد جاء نتيجة لتغير طبيعة النص في المراحل الاخيرة. لقد تخلخل المفهوم الكلاسيكي للرواية. وظهر مفهوم الرواية الحديثة التي انكسرت فيها “النوعية” وتعددت الخواص، وساد مفهوم النصية. “سيرة الادباء” الكتاب الثالث: “سيرة الادباء – دراسة نفسية اجتماعية”، وفيها تناول مارون عبود وخليل حاوي وأملي نصرالله، نوال السعداوي، ميخائيل نعيمة، توفيق يوسف عواد، حليم بركات، هشام شرابي، وادوارد سعيد. وقال طنوس ان ما حداه الى كتابة هذه الدراسات أننا نعيش في عصر شبه ظلامي. من مظاهره أنَّ الزعيم السياسي او الثقافي يمتلك هالة سحرية بحيث لا يجرؤ بعض الناس على اتخاذ موقف شخصي انتقادي واعتبر هذه الدراسات انها تؤسس لمجتمع مبني على العقل والمساءلة وكشف الاقنعة وقال: “إنَّ في سير الادباء ما ينبئ عن عصر بكامله، عصر وإن ولّى زمنياً، فلا تزال مفاعيله حاضرة بقوة”. واذا ما وضعنا نصب اعيننا بلوغ الحقيقة المرّة أحياناً كثيرة، فإن مواصفات عديدة تسقط بعيداً عن هذه القرون الوسطى الجديدة التي تتميز بغياب العقل النقدي. ويطرح الدكتور طنوس في مقدمة الكتاب تساؤلاً بقوله: “إني لأعجب من ناقد كيف يمتدح كتاباً يتضمن، مثلاً، ثلاث مئة صفحة من غير أن يبدي اعتراضاًعلى فكرة، أو انتقاداً لصفحة واحدة أو تساؤلاً عن موقف ملتبس” “المرأة والحرية” الكتاب الرابع: عن “المرأة والحرية – دراسات في الرواية العربية النسائية”، وناقدنا يقول “لسنا نؤمن بأدب مستقل للمرأة. ولكننا نؤمن بالانسان في شتى تجلياته”. ويوضح في مقدمة الكتاب “إن عالم النساء الاديبات لا يقل أهمية عن عالم الرجال الادباء، فلماذا لا نهتم بكتاباتهن بوصفها ظاهرة احتجاج ورفض في سياق ثقافي عام”. وأنهى بالقول: “ولا ريب في أن هذه الدراسة لا تفي الموضوع حقه فلقد ركزنا بحثنا عن ثنائية المرأة والتقاليد، مع أنّ ثمة مؤلفات عالجت علاقة المرأة بالقومية، وعلاقتها بالغرب وقِسْ على ذلك.. اننا أهملنا الكثير من الآثار الروائية التي طالعناها، لاسباب عديدة منها ما يتصل بغياب الاشكالية الداخلية ومنها ما يعود الى ثغرات في عملية السرد تبلغ حد الملل”. اما الموضوعات التي تطرق اليها الدكتور طنوس في هذا الكتاب المتفرد في اسلوبه وطرحه فهي: 1- “الخروج من رحم المجتمع – املي نصرالله والتي يستخلص منها في روايتها “تلك الذكريات”ثنائية التبعية والتحرر عند امرأتين تحاولان بعد الآم مريرة قطع الحبل السرّي والخروج من رحم المجتمع الى رحاب الفردية المستقلة ويضيف: لعلّ النساء المتمردات هنَّ ضحايا وقديسات وبطلات ومشاعر نور تمهد الدروب الوعرة، ولولاهن لما حصل تقدم. 2- “مشاكل الانوثة من الرفض الى القبول – منى جبور، وقد اوضح انه لا يعرف الشيء الكثير عن حياة الاديبة اللبنانية منى جبور. فهذه الكاتبة المرهفة عاشت واحداً وعشرين ربيعاً “1942 – 1963” وألفت روايتين هما : “فتاة تافهة” و “الغربان والمسوح البيضاء” وقيل انها ماتت اختناقاً، وقيل ايضاً انها انتحرت لاسباب تمسّ بالشرف وربما نحرت. ولو امتد بها العمر لاصبحت من كبريات الاديبات العربيات. فليس من الشائع ان نجد فتاةً مراهقة تبدع رائعتين مشحونتين بتحليل نفسي دقيق، وامتلاك عجيب لتقنية السرد. 3- “مراحل التأزم والنمو – نوال السعداوي” اذ تستلهم رواية “مذكرات طبيبة” لنوال السعداوي شيئاً كثيراً من سيرة المؤلفة كما تبدت في “اوراق… حياتي” فثمة تربية تقليدية تزرع في دخيلة الفتاة الخوف من الجنس والدونية حيال الرجل.ويشرح طنوس كيف عانت بطلة السعداوي وطأة التقاليد وكيف استطاعت التخلص منها. 4-“من التبعية الآسرية الى يقظة الانوثة – هالة الحفناوي” وفي “العبير الغامض” للكاتبة المصرية هالة الحفناوي رواية رومنسية تتحدث عن الابوة والحب والطبيعة والوحدة والعلاقات الزوجية، وبعيداً عن ما يسمى الرواية الواقعية التي تستخدم لغة شبه صحافية. ومن مميزات هذه الروائية انها تنظر الى مشاكل المرأة نظرة صادرة على العالم الجواني، يقوم الهيكل الاقدس للمشاعر الحميمة. 5- العفاف الجريح – ميراي سابا. يقول طنوس ما استوقفنا في هذه الرواية تلك الصراحة اللامتناهية في تصوير اصدق المشاعر بين الرجل والمرأة.نادرأ ما قرأنا اثراً أدبياً يتحدث عن الاغتصاب، تكون فيه الفتاة راضية مغتبطة، معجبة بالمعتدي وكأنه مثال للرجولة. ليس هذا وحسب ففي “العفاف الجريح” جانب صادق وعميق من تحليل الشخصيات والغوص في مجهولاتها. على الرغم من تردي الكتاب في بعض العثرات كتراكم الحوادث المأساوية او ما يسمى الميلودراما. 6- “الحب الآثم “، “صمت الفراشات” للكاتبة الكويتية ليلى العثمان تعالج مشاكل المرأة العربية، كالاستبداد الاسري، الزواج القسري، اضافة الى الحب الآثم بين ناديا وذلك العبد الذي افتض بكارتها ليلة الزفاف وضربها بالسوط، بأمر من سيده، وهو للمفارقة زوج البطلة. واللافت ان في هذه الرواية جرأة لا متناهية، وتحليلاً نفسياً دقيقاً. ولغة شاعرية وكل ذلك يدفع بها الى قمة في السرد والتشويق. 7- “من سجون التقاليد الى فضاء الحب والحرية – لطيفة الزيات” تطرح لطيفة الزيات في روايتها “الباب المفتوح” جوانب من مشاكل المرأة العربية: استبداد الاسرة، استئثار الرجل الرجعي، الانفصال بين الحب والشهوة. الحاجة العميقة الى الحب والثورة صوناً للذات كي لا تتردى في هوة العقم وشيخوخة الرغبات ويعتبر طنوس: هذه الرواية الأخاذة من أهم الآثار الروائية المقروءةفي الادب العربي. على حد ما علمنا. وهي تمتاز بالاسلوب الرشيق المطعم بالعامية أحياناً كثيرة، بالاضافة الى عمق التحليل النفسي والسردي المتقن. 8- “الصراع بين الحياة العصرية والقرون الوسطى – حنان الشيخ” فحنان تقدم في “فرس الشيطان” تجربة روائية ثمينة تصور التناقض الحاد بين المثالية الزهدية والحياة العصرية، بين تشدد التقاليد والحرية التي لا يحدها قيد، ولعل المؤلفة استلهمت شيئاً كثيراً من حياتها الخاصة، كما استوحت بيروت الستينيات واوائل السبعينيات عندما بلغت دعوة التحرر النسائي ذروتها الشاهقة. 9- “بين الحب الممسوس والحب المعافى – فاطمة الشيدي” اذ ان رواية “حفلة الموت” للكاتبة العمانية فاطمة الشيدي، رواية أخاذة تسترعي انتباه النقاد ولا سيما المحللين النفسيين. فعلى الرغم من اللغة المتعثرة احياناً، تتجرأ المؤلفة فتخوض ميداناً جديداً هو عالم الارواح الشريرة التي تتلّبس البطلة، فتعيق نموها وتعطّل قدرتها على الاستقلال والحب. 10- “الخطيئة الاسرية والانسحاق امام الرجل المعبود”– لطيفة الحاج قديح التي تطرح في روايتها ” صخرة الروشة” مشكلة الفتاة الشرقية التي تعيش في وضع أسري مضطرب لا يمنح الحب والذكاء بقدر ما يعلم الخضوع والاستسلام. 11- المرأة والحرية – لطيفة الزيات” التي تسأل في روايتها هل الحرية والمرأة أمران متناقضان؟ بقدر ما يكون المجتمع هرمياً، عاجزاً عن مواجهة التحديات وبقدر ما يلغي الرأي المختلف، فمن البديهي أن يقمع الجنس الآخر (المختلف ايضاً) فيسجن المرأة في قفص ضيق من التقاليد الخانقة. نظرية التوصيل ومن خلال هذا العرض نلاحظ ان طنوس اتبع في مجمل دراساته نظرية التوصيل التي تعتبر من اهم النظريات الحديثة في العملية النقدية. وقد تكمن اهميتها في اخراجها الخطاب الادبي من الدائرة المغلقة التي ادخلته فيها بعض المناهج الشكلية المهتمة باللغة في ذاتها. ولعلّ أهمية دراسة الخطاب الروائي التي اتبعها طنوس في ضوء نظرية التوصيل تنبع من كون هذه النظرية نظرية متكاملة، تأخذ في الاعتبار كل الاطراف الداخلة في الفعل الابداعي من اجل انتاج الخطاب الروائي؛ فهي تهتم بالمبدع (الروائي والنص) (الرواية والمتلقي) (القارئ الذي يوجه إليه الخطاب) هكذا جاءت دراسات طنوس دوماً في ابواب ثلاثة: “المبدع”، “المتلقي”، و “النص” فالعلاقة بين اطراف العملية الابداعية علاقة جدلية تقوم على التأثر والتأثير، والأخذ والعطاء. ومع ازدياد التقدم العالمي، وظهور التقنيات الحديثة بمختلف اشكالها، وفي عصر التكنولوجيا والمعلومات بدأ المبدع يحس بتراجع دور القراءة، وكذلك عدد القراء، وتراجع دور الكلمة في عصر الصورة. وفي المقابل شحب دور الناقد وتضاءل حضوره بسبب ابتعاده عن كتابة ما نسميه، في الحقل النقدي العربي، “النقد التنويري” وانسحابه الى صومعته الاكاديمية وهذا ما يؤكد عليه الناقد والاكاديمي البريطاني رونان ماكدونالد في كتابه “موت الناقد”. إذ قال: “مات الناقد” بالمعنى المجازي واخلى مكانه للقارئ الذي يستطيع الآن، وفي ضوء تطور وسائل الاتصال، ان يضفي قيمة على الاعمال الابداعية التي يقرأها من دون حاجة الى ناقد متخصص يرشده ويدله على ما يستحق القراءة. ويعزو رونان ماكدونالد ضعف دور الناقد في اللحظة الراهنة الى انتشار المدونات والمواقع التي تتيح لأي شخص (بغض النظر عن معرفته وعلمه وتضلّعه في الموضوع الذي يكتب عنه) مع دراسات طنوس يتأكد لنا ان النقد محاولة اولية جادة لفهم العالم وتغييره، فيصبح ضرورياً تحقيق مهمّته التي تتعدى ممارسة النقد الى تهيئة الوعي بأهميته ودوره وفاعليته، في اعادة الثقة الى الذات وايقاظ الطاقات الابداعية الكامنة للكشف عن مكامن القوة والضعف وتحفيز الانسان لرفض وتحدي كل ما يكبل حريته ويعوق تقدمه، فجوهر النقد هو الحرية. فالتعامل مع النصوص الابداعية نقدياً قد لا يكون سهلاً ولا يستطيع احد الجزم بان الناقد فهم على نحو دقيق مرامي المبدع كلها او جلّها أو بعضها، وهذا ما اشار إليه أمبيرتو أيكو مثلاً، ان الناقد قد يهتم بوضع النصوص تحت مجهر يحاول ان يكون دقيقاً للفحص ولتسجيل كل ما خفي من دلالات العمل – وهذا ما برع فيه طنوس – سواء سعى المبدع او لم يسعى الى سترها وتعميتها، وهذا ما يعطي النصوص العالية قراءات متعددة. فالنقد، كما هو مع طنوس، اجراء تقني وعلمي يحاول تأويل النصوص وفهمها وفهم ما خفي بين سطورها او خلفها، وفهم جماليات النصوص واساليب صوغها ولغتها التي ابدعت نماذج عليا تميل نحو الادهاش والجدة. النقد كما مارسه طنوس في مجمل دراساته تقدمت فيه موهبته، وبالاضافة الى كونه معرفة ومناهج واساليب وفعالية لمعالجة النصوص الابداعية. الا انه تصدى الى هذه المهمة بامتلاك موهبة النقد التي قد تكون استعداداً فطرياً وقد كرسته المعرفة الموسوعية في اساليب الابداع وطرائق الكتابة الادبية كافة. واذا كان الدكتور جان نعوم طنوس من شبه المغمورين على الصعيد الشعبي الا ان له حظوة في عيون النخب من ادباء وروائيين لانه من النقاد البارعين الذين ينقطعون الى قراءة النصوص، ويقلّبونها على وجوهها، ويسعون الى التعرف على عوالمها الداخلية ومكامنها التي لا تدركها الابصار الضعيفة والذائقة المتكلسة. جان نعوم طنوس من الذين وضعوا نصب اعينهم تحليل النصوص واعادة خلقها من جديد في ضوء رؤيته وتجاربه النقدية، حيث تتبدى النصوص في حلة جديدة وضوء مختلف مثير الاذهان. هذا ما يميز الناقد الخلاق عن الناقد الذي ينقل من كتاب النظرية. الاول يقوم باعادة كتابة النص، فيما الثاني يكتفي بالتعليق عليه من خارجه دون الدخول في تضاعيفه ومنعرجاته. وفي الخلاصة ان طنوس ناقد حر، ويقظة فكرية وفنية دائمة. آية النقد عنده ان يكون صادقاً وموضوعياً، لا زلفى ولا مجاملة ولا وليد رهبة او رغبة. والنقدالصادق له من مياسم الجمالية الفنية والحركة الفكرية، اكثر من العذوبة. اذا انتقد فبحب وشهامة، ما خرج يوماً الى مدى التجريح. نقداته فلذات من قلبه. يراع بارع ناصع مريض كمال، ما تمت له الهناءة إلا بالأحلى عرف كيف يبعد دراساته عن المجاملة والتملق والمداهنة والمحاباة ما يتلاقى مع مثاليته ونشدانه الجمالية الصافية . كلام الصور 1-د. جان نعوم طنّوس 2-انطوان ابو رحل 3-“اساطير الجسد والتمرد” 4-“المرأة والحرية” 5-سِيَر الأدباء”



21 views0 comments