• المرقاب

قتل معلمه لأن معلمه أساء للنبي ص

Updated: Oct 20, 2020



تعليم الأوروبييون للمسلمين عن طريق الإستفزاز

قضية تكرار طباعة صور كاريكاتورية للنبي محمد (صلى الله عليه وعلى عيسى وأمه وعلى هارون وموسى) في مجلة شارلي ايبدو الفرنسية أمر محير ومربك ويحمل نتائج مرعبة في آن واحدة.

لأكثر من مرة رسمت وطبعت ونشرت كاريكاتوريات للنبي محمد (صلى الله عليه وعلى عيسى وأمه وعلى هارون وموسى) في أوضاع مثيرة. صور ترسمه تارة مع قنبلة ليفجرها، وتارة مع مجموعة نساء ليتمتع معهن، وتارة وتارة.

الغاية من تكرار نشر هذه الصور المستفزة، كما يقول بعض الأخوة الأوروبيون، هو تثقيف وتعليم المسلمين المقيمين في أوروبا فكرة الحرية وفكرة نبذ العنف.

في علم التدريس وعلم النفس يسمى هذا الأسلوب "التعليم عن طريق الإستفزاز".


لكن الذي لم يلقى قدره الكافي من البحث يدور حول سؤال عن مدى نجاح هذا الإسلوب التعليمي بشكل عام ومدى نجاحه بشكل خاص مع المسلمين؟

سألت عدد من أصدقائي الألمان ثلاثة سيدات وأربع رجال قلت لهم ماذا لو أخذت صور لمن تحبون (أطفالكم، أبائكم، زوجاتكم، أجدادكم) ثم صنعت منهم كاريكاتور في أوضاع مشينة ونشرته في الجرائد الأوروبية ثم قلت لكم:

"إذا تحملتم مشاهدة هذه الصور ولم ترتكبوا ردود فعل حمقاء فهذا يعني أنكم تؤمنون بحرية التعبير وأنكم مناهضين للعنف"

سألتهم جميعا ما رأيكم؟ وهل تعدون هذا أسلوب تعليمي بمبادئ الحرية جيد ومناسب لكم كأوروبيين؟

أجمع الجميع على أنه عمل فضيع "Empörung"

كما أكدوا على استغرابهم متسائلين: ما هو الرابط بين التعليم واتباع هذا الأسلوب الفظيع؟

وقالوا إن هذا الأسلوب يوحي إليهم إننا مازلنا في القرون الوسطى!

القضية التي أتمنى أن تصل الى وعي النخبة الأوربية (بصفتي أحد المقيمين في أوروبا الجميلة بعقلانيتها) أن نهج التعليم بالإستفزاز

(والذي يتبع مع المسلمين في أوروبا من خلال نشر صور كاريكاتورية عن شخصية يحبونها جدا (النبي محمد))

نهج دقيق وعلم لا يتمكن من القيام به بإسلوب ناجح سوى المختصين فيه من علماء النفس والمتخرجين من دورات تعليمية خاصة.

كما لا يمكن للمجتمع الأوروبي من التغاضي بدون نقد علمي للصحفيين الذين يستخدمون النهج الاستفزازي إذا علمنا أنهم صحفيين غير متخرجين من دورات علمية تأهلهم للكتابة الجماهيرية بطريقة سليمة وقادرة على توجيه السلوك الجماهيري عن طريق الإستفزاز.

لا يجب أن نجعل كعقلانيين نقيم في أوروبا ونتقاسم ذات التراب من مبدأ الحرية والتعبير المقدسان في أوروربا مقدمة للكتابات غير العلمية والممزقة للإنسجام المجتمعي الأوروبي. الحرية المقدسة لها وظيفة ممارسة النقد ورفع الوعي من أجل أوروبا منسجمة ومتصالحة على تقديم العقل المتسامح فوق كل شيء.

من يمارس عملية التوجيه بالإستفزاز عليه أن يدرك مجاله، ومع أي شريحة يناسب، وما هو حدوده، وأدواته المقبولة.

وإذا لم نطالب الصحفي بخوض واجتياز مثل هذه الدورات يعني إننا نعرض مجتمعاتنا الى خوض تجارب غير علمية تعرض السلم المدني والإنسجام المجتمعي الى زعزعات وخيمة.

ردة فعل بعض المسلمين القاتلة

من الناحية الإسلامية يبدو أن هناك فجوة معرفية في الثقافة الإسلامية عملت على تطوير مواقف دينية تشجع على القيام بردود أفعال قاتلة نحو من يشتم الله أو نبي الله محمد ص. في غياب جدل إسلامي – إسلامي بين نخبه ورموزه الدينية لتصحيح تلك المواقف الدينية القاتلة سقط بعض أفراده في فخ الإيمان بها ومن ثم قام بتنفيذ تعاليمها.

لذك قمت بمجهود شخصي وبحثت في القرآن ولم أجد فيه أي مادة تحث على قتل أو ضرب أو التعرض لمن يشتم الله أو نبيه ص.

القرآن وهو المصدر التشريعي الذي تدور حوله كل مصادر التشريع الإسلامية يضع حدود التعامل مع غير المسلمين عندما يستهزؤون بالله ورسوله.

.

آية 68 من سورة الأنعام

وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ. 

هذه الآية الكريمة تبين أن الشيء الوحيد الذي أتاحه القرآن للمسلم هو ترك مؤقت (أو كلي) لتك الجماعة التي تقرع مسامع المؤمنين بجمل فيها استهزاء حول الله ورسوله. الآية تخبرنا بأنه عندما يتوقف الشاتمون عن شتمهم يجوز العودة الى التواصل الاجتماعي لمواصلة التحوار معهم.

القرآن يؤكد على أنه لا مفر من التواصل الاجتماعي بين كافة مكوناته الدينية، الفكرية، والفلسفية، بغض النظر عن توجهاتهم.

القاعدة القرآنية فقط تشترط عدم استخدام ألفاظ وتعابير سيئة. ويؤكد القرآن على ضرورة الإحترام المتبادل الجامع بين مكونات المجتمع المؤمنة وغير المؤمنة. يتضح هذا من قوله تعالى:

آية 108 من سورة الأنعام

وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ. 

أيضا يضع القرآن حدود التعامل مع المسلمين عندما يستهزؤون بالله ورسوله. هذه الآيات الكرام التي سنذكرهن لا تحض لا من قريب ولا من بعيد بقتل أي إنسان غير مسلم لأنه أساء إلى الله أو الى نبيه ص.

آيات من سورة التوبة

آية: 64

يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ.

آية: 65

وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ.

آية: 66

لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ.

الله تعالى يخبرنا أنه هو من يعفو أو يعذب المذنبون. وهذه الآيات توضح بشكل واضح أن الله تعالى لم يخول مهمة التعذيب لأي بشر على الكرة الأرضية. فالله تعالى قادر أن يقوم بذلك كيف شاء ومتى شاء وبالطريقة التي يشاء.

ختاما هناك حاجة ماسة الى تطوير فقه التعامل مع الشاتم و المستهزئ بالله ورسوله متصالح مع القرآن ومتجاوز للتراث الإسلامي الذي استند الى نصوص ضعيفة غير متصالحة مع روح ونبض القرآن العظيم.
لذلك نرجو من هيئة الأزهر الشريف المساهمة في إعادة بناء وعي وفقه التعامل مع الشاتم و المستهزئ بالله ورسوله المتصالح مع القرآن.


د. محمد الزّكري القضاعي