• المرقاب

تونس أم الثورات بين تجاذبات الأقطاب

يا توانسة "راكم أحرار"



"بن علي هرب"، لحظة يجب أن تتجاوز، بما تحمله من دفع عاطفي وسياسي وثوري، البعد الاحتفالي لتنفذ إلى عمق سلوكنا السياسي في تأطير ضروري لما "يجب أن يكون عليه"، إن أردنا مخلصين أن نرتفع بالحالة التونسية. تظهر تونس اليوم بشكل مؤسف، وكأنها إقطاعيّاتٌ؛ واحدة لرئيس الدولة، وأخرى لرئيس الحكومة، والثالثة لرئيس البرلمان. وكل واحد من هؤلاء السادة يتصرّف وكأن المسؤولية الموكل بها ملك ورثه عن أبيه. وينسون جميعا أن فم الفقر والتهميش والحرمان يتّسع منذرا بثورة أخرى تطيح بهم وبإقطاعيّاتهم. ويتناسون أن التوانسة الأحرار، الذين استطاعوا هز منظومة بن علي، ما زالوا قادرين على إخراجهم أو عزلهم من مناصبهم. مجموعة من القضايا ينبغي التذكير بها وعليهم أن يضعوها حلقة في آذانهم:

  • التوانسة أحرار: مكسب كبير جدا غير مقدّر؛ فالشعب التونسي خلق هذه الثورة والفرصة، وهو صاحب القرار، لا رئيس الحكومة ولا رئيس الجمهورية.

  • لا الرئاسة ولا البرلمان "ملك أبيهم" بل وظيفة يجب القيام بها بنجاعة ومصداقية وشفافية، والتنافس عليها يجب أن يكون بين الأكفاء.

  • ما هو الإشكال؟ هو الصراع الدائر دون الحد الأدنى من التعاون. إن ما نراه فقط هو تراجع في الأداء، تعاظم في المديونية وانتشار الوباء والفقر. ومع ذلك كل جهة من "الرئاسات الثلاث" غارقة في نرجسيتها ومتمترسة خلف صلفها!

مشكلة النهضة مشكلة تتكرّر لدى حركة النهضة هي ظهورها بمظهر من لا يعرف ماذا يريد من السياسة! وهذا انتقاد يجري تداوله على ألسنة أكبر مناصريها ومحبيها وأعضائها حاضرا وسابقا، من سمير ديلو إلى جلال الورغي، ومن عبد الفتاح مورو ولطفي زيتون إلى عبد الحميد الجلاصي. باتت الحركة في مواجهة عدد من المشاكل المتشابكة والمتراكمة التي يعقّد بعضها بعضا. فتحتسب ربحها في الانتخابات مشكلة وخسارتها مشكلة أيضا. فلا هي في السلطة، هذه معضلة، ولا هي في المعارضة، معضلة أخرى. ترى نفسها متصدّرة مشكلة، ومتأخرة مشكلة في الوقت ذاته. تحصد النسبة الأعلى من المقاعد في الانتخابات وبدلا من أن تشكل الحكومات تبحث عن تأمين وجودها من خلال ائتلافات مع أحزاب وقوى مؤثرة بعضها بقاعدة شعبية متآكلة، فلا هي تحكم ولا الآخرون يقبلون لها أن تحكم، مع أن هذه لعبة السياسة في أي ديمقراطية. أما زعامتها فيبدو أنها لا تقبل الحركة حاكمة إلا إذا حكمت هي، رغم أن هذه الزعامة تعلم جيدا أنه لا يُسمح لها بأن تحكم.. وبدلا من أن يقوم زعيمها بخطوة إلى الوراء بشكل منفرد (كرئيس لمجلس النواب و/أو كرئيس لحركة النهضة)، فإنه يعيد حركة النهضة كلها إلى الوراء.. فيتم تأجيل المؤتمر وتعطيل بعض مؤسسات الحزب. والسؤال هنا يُوجّهه محبّو ومناصرو النهضة قبل منافسيها: هل أزمة الشرعية داخل النهضة هي واحد من أسباب أزمة الديمقراطية في تونس؟ لأن رئيس الحركة قد تكون له طموحات أكبر من رئاسة البرلمان، وهذا حق متاح للجميع. المشيشي منذ أن ظهر الخلاف واضحا إلى العلن بين قيس سعيد والمشيشي والغنوشي، والجرف يتسع يوما بعد يوم بينهم. ويتصرف المشيشي وكأن لا أحد سواه في الساحة، وقد أسهم في تأزيم الأمور والدفع بها إلى الأسوأ، وذلك بلجوئه إلى عقد لقاءات مع ممثلي دول والمؤسسات المالية الدولية وغيرهم، في محاولة ربما لعزل الرئيس قيس وكسب الدعم من أطراف خارجية! وكأن الأزمة وصلت إلى لعبة الاستقواء بأطراف ثالثة! وفي وسط هذا الخلاف المحتد ومع غياب التنسيق، سيذهب المشيشي إلى اجتماع مع صندوق النقد الدولي في الولايات المتحدة الأميركية بغية الحصول على قرض جديد، وهو ما يتطلب حكومة متماسكة قوية لا حكومة متناحرة. رئيس الجمهورية الرئيس على الرغم من شرعيته التي هي مستمدة مباشرة من الشعب، فإنه يشكل جزءا من أزمة تعطيل عمل مؤسسات الدولة وغياب التنسيق بين السلطات الثلاث. فكرة فصل السلطات الثلاث (trias politica) بلا شك معروفة لدى الرئيس قيس كخبير قانون دستوري. الفصل سواء عند مونتيسكيو أو غيره يستوجب التنسيق المنظم والمتقن بين السلطات، وركن من أركانه الضوابط والتوازنات (checks and balances)، وهي شبه غائبة خاصة أن الأزمة الحالية يغلب عليها طابع الشخصنة في التدبير والسلوك السياسي. رفض الرئيس منذ أكثر من 3 شهور قبول تعديل وزاري صادق عليه نواب الشعب الذين لهم شرعية ديمقراطية كتلك التي يتمتع هو بها. مع خبرته في القانون الدستوري، رفض الرئيس قيس سعيد المصادقة على قانون المحكمة الدستورية ورده إلى البرلمان لإعادة التصويت، مما يعقّد أزمة تعطيل المؤسسات المستمرة. مع أن البرلمان المنتخب كان قد صادق في جلسة في شهر مارس/آذار الماضي على تعديل قانون المحكمة، حيث يشمل تخفيض الأغلبية المطلوبة لانتخاب أعضائها من 145 إلى 131 نائبا. والمحكمة الدستورية قد تسهل حلحلة أمور كثيرة وتثبّت المسار الديمقراطي في تونس. المطلوب حد أدنى من الثقة (Minimum threshold of trust) في بناء الرأسمال الاجتماعي، ولكن هذا المتطلب المهم جدا والقائم على الثقة بين النخب والمؤسسات يبدو غائبا من المنظومة السياسية وفاعليها، بل إن انعدام الثقة أنتج معادلة صفرية (zero sum game)، يستنزف فيها الرؤساء الثلاثة بعضهم. وهو ما يجعل الشعب التونسي هو الخاسر في نهاية المطاف في وقت يمر فيه الاقتصاد التونسي بوضع خطير جدا حسب مؤشرات كل المؤسسات المالية الدولية. يبقى هذا في سياق تونسي فيه ديمقراطية وليدة، ولذلك فالتجربة نفسها تبقى هشة مما يربك التجربة كلها. ولذلك نلاحظ في الآونة الأخيرة حديثا عن "فشل التجربة"، لكن هذا ليس صحيحا، فالعالم أجمع يمر بـ"أزمة الديمقراطية"، لكن في تونس فإن التناكف والتناحر الموجود يعمّق الأزمة، كما يعمقها التمترس المبالغ فيه، حيث يقف كل واحد خلف منصبه وشخصيته وصلاحياته، وكأنه في دولة لوحده. هنا من الواجب التواضع: التواضع لتونس، التواضع لشعبها، التواضع لدستورها. لا يوجد اطمئنان بأن المشهد الديمقراطي مؤمّن بما يضمن حقوق الأحزاب سواء كانت في الحكم أو في المعارضة، إضافة إلى أن الأحزاب نفسها بحاجة إلى تعميق التمثيل داخلها وتعميق الديمقراطية الداخلية. والواقع أن الاجتماع السياسي في تونس بعد 2014 لا يشدّه عقد سياسي واجتماعي لأن "التوافق" يبدو شكليا، في حين تتلاشى قداسة الدستور لأنه لا يطبّق خاصة في غياب هيئات دستورية لم تكتمل مثل المحكمة الدستورية التي أصبحت محل نزاع بين الرئاسات الثلاث، وتحديدا بين البرلمان ورئيس الجمهورية. وفي حالة التعطيل لوظائف سلطات الدولة الموجودة، فالخطر الذي يطل برأسه هو تفكيك الديمقراطية الوليدة، وعوضا عن تغليب سيادة القانون والدستور، تصبح المغالبة -كما هي الحال الآن- لا تنافسا وإنما نفيا، سبب في تآكل شرعية رؤساء السلطات التي ينقصها التنسيق والتكامل والتداخل والتفاعل الإيجابي. لكن على الجميع أن يدرك أن التاريخ لا يرحم، والشعب التونسي لن يرحم. والمشكلة ليست في الدستور، والصحيح أن يكف الساسة اليد عن الدستور، ومن الغريب هذا السعي المحموم لتغييره بعد 6 سنوات فقط! أيها السادة الرؤساء الثلاث، أيها النوّاب، إن المقاعد التي تجلسون عليها اليوم منحكم إياها الشعب بعد ثورة عظيمة، وهو لا يستحق منكم أن تسوفوا معه وتدعونه لأن ينتظر.. آن لكم أن تقدموا وصفة أخرى تليق به غير تلك العقيمة التي تكشف عن عجز واضح. بطالة وفقر ومديونية خطيرة جدا وشح مياه وغياب للعدالة الانتقالية وانعدام التنمية الجهوية و"الحرقة" و"الحقرة" و"كورونا" وأمور أخرى عجزتم عن تقديم أية حلول ولو صغيرة وشكلية بشأنها. وبدل محاولة تقديم حل ضمن أضعف الإيمان لمشكلة أو أخرى، اندفعتم بشكل محموم نحو صراع وتنافس سياسي لا نهاية له. وهو ما جعل مؤسسات الدولة والأحزاب عاجزة عن العمل. ولأن الدولة ليست إرثا ورثتموه عن آبائكم، فقد آن لكم أن تصلوا إلى كلمة سواء بينكم، تؤسس لأرضية للتفاهم، وهذا ليس خيارا يمكن تجاوزه، بل صار واجبا وطنيا ملزما. في الشهر الماضي نجح شباب تونسيون في تصنيع قمر صناعي بالكامل رغم ما يواجهون من قلة إمكانيات في وقت يعجز فيه الساسة عن عقد جلسة تفاهم لا تتطلب سوى التواضع والتنازل قليلا عن الغرور والكبر. لقد منحكم شباب تونس ثورة وأرضية للتغيير، وقد آن "تخدموا على أرواحكم" كما يقول التوانسة. نقلا عن

مدونات الجزيرة