• المرقاب

سنين التكوين واصل بن عطاء المعتزلي شاهد على تمزق الأمة الكلامي




البصرة وعلاقة المكان بفكر التصالح (2\3): البصرة وحضانة فرق الكلام، قراءة لمشروع واصل بن عطاء المعتزلي


د. محمد الزّكري

تراحل الأحداث على الأمة: حلت بالأمة الإسلامية نكبات معلومة التاريخ ولكن تأثيرها غير معلوم الحدود والمدى. من تلك النكبات: مقتل عثمان (ت 35هـ) في وضح النهار، معركة الجمل (36 هـ)، معركة صفين (37 هـ) وإفرازات عملية التحكيم الممزقة للشمل الإسلامي، اغتيال علي (ت 41هـ) وهو قائم يصلي، سقوط الخلافة الانتخابية الراشدة (41 هـ) وإحلال نظام الحكم السـّـفياني الملكي عوضاً، إبادة الحسين (ت 60 هـ) ومن كانوا معه على نمط الإبادة الجماعية. هذه الأحداث والأحداث المضادة لم يقم بها أفراد بل فرق وجماعات تجمعها مصلحة سياسية متأطـَرة داخل فكر يبرر ما قامت به ويمدّها بالشـّرعية بوعي منها أو بدونه وذلك من أجل مواصلة مشاريعها. مقالات الكلاميين: دواعي قيام فرق الكلام عديدة ومتشعبة ومن أهم ما شغلهم الموقف مما ارتكبه بنو أمية من كبائر المعاصي وأهمها قتل المسلمين على الظن. فصاغوا لذلك عدة أسئلة: هل مرتكب الكبيرة ارتكبها وهو مجبور جبرا كونيا وبمشيئة إلهية خارجة عن إرادته؟ أم إنه ارتكب فعلته بفعل ناتج عن إرادته؟ هل يكفر مرتكب الكبيرة؟ هل نخرج على كبائر بني أمية ونقاتلهم؟ أم نتغاضى عن فعلتهم؟ توظيف الجَبْر لسياسية الخنوع بإشهار الإرادة الكونية أمام النفي القاطع للإرادة الشرعية: فقد ظهر في البصرة وسائر الديار العراقية الفكر “الجبري” أيام ولاية زياد بن أبيه ( ت 53 هـ) والي الأمويين، وهو فكر نجح من إنتاج هوية تؤمن بلا إراديـّـتـها، هوية منقوصة وعلى معتنقيها ممارسة وجودهم أفردا أو جماعات وهم مقتنعون بأنهم عاجزون عن صنع عمل ينبع من مشيئتهم الذاتية بل كل ما يفعلون من خير أو شر هو امتداد لانفعال إرادة الله في وجوده وعليه لا يحق لأحد أن يلومهم على ما ارتكبوا من معاصي (الخطط المقريزية ج2، ص 349، 351ط 1987، أيضا جمال الدين القاسمي ص 7-15، تاريخ الجهمية والمعتزلة). ويرصد الشهرستاني في الملل والنحل (1ج، 110 – 111) مقالة الجهم بن صفوان (ت 128 هـ) “… ومنها قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان ليس يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وينسب إليه الأفعال مجازا، كما ينسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة وجرى الماء… إلى غير ذلك، والثواب والعقاب جبر كما أن الأفعال جبر، وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضا جبر”. يقتصر جل الفكر الجبري على كلاميات الإرادة الكونية. والمقصود بالإرادة الكونية هو كل ما شاءه الله عز وجل له الحدوث والوقوع، وكل ما قضاه الله وقدّره في هذا الكون؛ فالخير المحبب عند الله والشر المبغض عند الله وكل حادث وكائن في هذا الكون مندرج تحت مشيئة الله عز وجل. بالمقابل ينفي الجبريون (وهذا سبب رفض بقية الفرق لمعتقدهم) وبشكل قاطع فكرة الإرادة الشرعية الدينية والتي تنظـّر لقدرة الإنسان واستطاعته على الفعل المستقل. فالإرادة الشرعية، كما هو معلوم عند الفرق الأخرى، بقدر ما أنها إرادة الله في تشريع شريعته وتعلقها فيما يحبه الله عز وجل ولكنها ليست إلزامية ولا تتحقق إلا بكسب الإنسان لها. فعلى سبيل المثال الآيات التي تدل على أن مراد الله عز وجل أن يعبده كل مخلوق من الناس كثيرة، مع هذا لم يتحقق أن آمن كل الناس، فعلمنا بهذا أن الإرادة الشرعية لا يلزم وقوعها لأن تحققها مرتبط بفعل الإنسان الكامنة فيه، فقد يشرع الله عز وجل الشيء شرعاً، لكن لا يأتي بمقتضاها الإنسان، حينها يحاسب القضاء هذا الإنسان على جرمه في الدنيا ويوفيه الله جزاءه في الآخرة. مثل هذا الفهم للإرادة الشرعية لم يضع له الجبريون أي حساب. وللمتشرب من ثقافة الفكر الجبري طول بال و قدرة بالغة على تحمل ما يقع عليه من جناية أو أخطاء بقصد أو بدونه. فتجد إن للجبري صبر وجلد معتقدي يسهل عليه تحمل بغي من بغى عليه بحجة أن الباغي غير ملام فهو مجبور جبرا كونيا على ارتكاب بغيه، أي أن الجبري لا يخرج على الأمويين مهما بلغ ظلمهم. لاأدريـّة المرجئة وتعطيل مؤسسات ومحاكم القضاء في قضية العدل المجتمعي: كما ظهر الفكر “المرجئي” في البصرة وسواها. وهو فكر يرجىء إطلاق الحكم على مرتكب المعصية من طبقة الحكام الأمويين وولاتهم ويرجئون أمرهم لله على أساس “لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع في الكفر طاعة”. ومن خلال أدوات بث مبادئ العفو والتنازل عن حقوقه بين معتنقيه، يحط الفكر المرجئي من دور تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع. تعمل البنية الإرجائيـّة على تطعيم هوية المسلم بخصال اللاتواجهيـّة مع الجاني (السلطة) وعلى تأصيل طباع اللا أدريـّة واللا موقفيـّة بين عامة الناس من قضية العدل. علينا الانتباه فالإرجاء لا يبث خصلة اللامسئولية فهذا مناف للشرع ويتعارض مع حديث “كلكم راعي وكلكم مسئول عن رعيته”. بل يسوّق أفكاره على أنها خصال حميدة تدعم السِلم المجتمعي لا من باب إقامة العدل بل من باب التغاضي النابع من فضيلة النفس المحسنة والمتجاوزة عن أخطاء مرتكب المعصية من ظلم الأمويين على أساس أن المعصية مهما بشعت لا تجرح أو تنقص من إيمان المتنفذ أو المتسلط. وعلى ما يبدو اجتمعت أبعاد الفكر الجبري والمرجئي (1) السياسية لإفادة الأمويين وولاتهم، دون قصد. فقد مكنت صدفة التوافق الزمني لخطابهم الديني من أن توفر لهم النجاة من التأثيم والمقاضاة الدنيوية على الرغم من مغالاتهم في القتل ومجاهرتهم بالمعاصي. سياسياً واجتماعيا أفسح الحكام الأمويون والولاة للفكر الجبري والمرجئي (2) مجال عطفهم وسكوتهم عليه فانتشرت وتمددت في شتى مناطق نفوذ حكمهم ومن ضمنها مدينة البصرة (د. علي شلق، ص. 91-99 في “العقل الفلسفي في الإسلام”، 1985، ومحمد عمارة، ص. 27-42 في “المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية”، 1972). الخوارج والتنظير المتوازي مع الدموية: برزت فصائل “الخوارج” على الساحة الإسلامية مبكرا وكان لها تأثير بارز على تاريخ البصرة. وأهم معالم البنى الثقافية لهذه الفرق تعلقهم بخطاب شاحن يدفع الناس بالخروج والتصادم عسكرياً ضد المنحرفين عن الدين الإسلامي “القويم” على حسب نظرهم. وإذا استثنينا الخارجي المعتدل عبد الله بن أباض(ت86هـ)، أحد المنظـّرين للإرادة الكونية، فإن بقية فرق الخوارج (خصوصا الأزارقة) تؤمن بنقيضه أي بحرية الإرادة الإنسانية ولكن بتطرف لأنهم يعملون بقاعدة ترى بمسئولية الإنسان المطلقة لأن “الأفعال جزء من الإيمان”. ففعل الحسنات يعكس قلبا مؤمنا مثلما أن فعل المعاصي ينفي حضور الإيمان في قلب العاصي فتسقط عصمته ويباح سفك دمه. باستثناء الأباضيين، تعمل البنية الأصولية الخارجية على توطيد الاعتقاد بأن الأمويين وولاتهم وعساكرهم خارجون من الملة، لقتلهم المسلمين بلا حق، فجاز قتالهم. خرجت حركة الخوارج كردة فعل على فشل التحكيم بين علي ومعاوية مما جرهم إلى طرح تساؤلهم المثير حول “من هو المؤمن؟”. احتك الخوارج بقوة دموية مع كل الفرق المتصارعة دون استثناء من أجل تأسيس نظام حكم لا يشترط القرشية ويسمح بانفصال القبائل عن نفوذ مراكز الحكم ويسمح بنوع من الحكم المحلي ويسمح (كما ورد في بعض آرائهم) أن يكونوا جماعة بلا إمام بشرط أن تتمكن الجماعة من إقامة العدل بينها (د. أحمد معطية، ص13-17، في “الإسلام الخوارجي”، 2000). التشيع وجدلية القيام والقعود: ومن الفرق التي لها أثر في البصرة “الشيعة” وهي على تفرعاتها اتفقت على عدم تكفير العاصي أي الأمويين ولكن نطقت بأحكام متفاوتة على أفعالهم. فالشيعة يقولون بأحقية الحكم لعلي بن أبي طالب من بعد رحيل رسول البشر الأعظم على أساس وصية تعينه بذكر اسمه، ومنهم من قال بذكر وصفه دون اسمه. ومن أبعاد الفكر الزيدي (ت 122هـ) جواز القيام وإعلان الجهاد ضد الأمويين على أساس 1) لا لأن الأمويين كفرة بل لكونهم مغتصبي حق وظلمة، 2) خيرية الإمام القائم على الإمام القاعد. ومنهم من يرى برأي الإمام جعفر الصادق (ت 148هـ) بخيرية القعود لأنها حركة تقدم المقاومة الثقافية على المقاومة العسكرية. فأنشأ الصادق المؤسسة المدرسية لنشر الفقه بين المسلمين بهدف تأسيس مرجعية تطالب بالعدل وبإعادة الحكم إلى أهله تحت راية الإمام المهدي وبذلك، أي من خلال حكم الإمام، سيتم العودة إلى العدل كما كان عليه العهد النبوي الشريف. هكذا أفتى الصادق بوجوب المقاومة الثقافية ولكنه جعلها على عاتق المثقف فحين جعلها زيد على عاتق العسكر (، الرزينة لالاني، ط 2004، الفكر الشيعي المبكر: تعاليم الإمام محمد الباقر). هامش (1) هناك من يرى أن الجبرية لا تعدو كونها الجناح الكلامي ومن أن المرجئة لا تعدو كونها الجناح الشرعي لكتلة حراكيـّة واحدة (أبو البقاء الكفوي(ت1094هـ) ج2,ص173 في كتابه “الكليات”). (2) تتحدث كتابات عدة تارة عن موقف الفرقتين الجبرية والمرجئة المساند في توطيد سلطان بني أمية، وتارة عن خروجهم على بني أمية. آراء مضطربة ومتناقضة، ويرجح المؤلف أن الانشقاقات في صفوف الجبرية والمرجئة طرأ في مرحلة متأخرة من عمر الدولة الأموية. ويمكن القول بأن اصطفاف شرائح مهمة من فرقتي الجبرية والمرجئة مع المعارضة جاء بعد جهود واصل بن عطاء في تغير جزأ من قناعاتهم. للمزيد اطلع على مقالتنا “إستراتيجية الحراك الواصلي بين رهانات المقاومة ودينامكية الأداء”. وعليه تقتصر هذه المقالة على وصف الحركتين الجبرية والمرجئة في مرحلتها الأولى عندما كانتا متعاطفتين مع بني أمية أي قبل الاحتكاك مع واصل.


د. محمد الزّكري

عربي يقيم في ألمانيا




18 views0 comments