• المرقاب

حوار فلسفة الدّولة والمجتمع المدني مع المفكر العماني صادق جواد



بدر العبري: يسر قناة (أُنْس) اليوتيوبيّة أن تستضيف المفكر العماني صادق جواد، ضمن برنامج حوارات الحلقة (107)، ومع الحلقة السّابعة ضمن مشروع صادق جواد، واليوم نتحدّث فلسفة الدّولة والمجتمع المدني، في البداية كيف تطورت من المواطنة إلى الدّولة، وهكذا فيما يتعلّق بمؤسسات المجتمع المدني؟

صادق جواد: يمكننا أن نتخيل مساحة من الأرض استوطنها مجموعة من النّاس، وألفوا بعضهم، وكوّنوا مجتمعا خاصّا بهم، لهم عاداتهم وتقاليدهم وما يتعلّق بأمور الحياة، وسرعان ما تنشأ ثقافة خاصّة بهم، وبمرور الزّمن يشعرون بنوع من الانتماء المشترك بينهم، وأنّهم مواطنون في بقعة معينة، وهنا نشأ مفهوم المواطنة.

وبعد فكرة الوطن والمواطنة؛ تأتي فكرة أنّ هذا الوطن يحتاج إلى تنظيم، من هنا تأتي فكرة الدّولة، فهي تأتي كإطار منظم لهذا الوطن، وإدارة شؤونه، ورعاية مواطنيه.

والسّؤال هنا على ماذا تنشأ الدّولة؟ ابتداء تنشأ على أفكار مشتركة بين المواطنين، وعلى رأسها المبادئ والقيم، فهذه تتبلور في أذهانهم، ثمّ يؤطرون هذا كلّه في وثيقة تثبّت هذه المبادئ والقيم، وتوجد لهم البنية الّتي تقوم عليها الدّولة، فهنا ظهر الدّستور، أو القانون الأساسي لتشكيلها، وهما ينصان على المبادئ والقيم، وعلى تركيبة الدّولة، ومنها يمكن أن تكون ملكيّة أو جمهوريّة أو إمارة أو نحوها.

والملكيّة أو الجمهوريّة تتفرع إلى أنظمة فمنها في الملكيّة هل هي مطلقة أم دستوريّة، وهكذا إذا كانت جمهوريّة، كيف تكون سلطة من يرأس الدّولة، وهذه تدخل في أولويات صياغة دستور الدّولة وما تسير عليه.

وهنا تأتي الأفكار المعاصرة للدّولة، وهي الّتي نشأت في عصر التّنوير في أوروبا، منها فصل السّلطات، والمساواة بين النّاس وهكذا.

والدّساتير هي المرجعيّة الأخيرة للدّولة، فلا تستطيع التّصرف خارج ما سنّته من دستور، ويتطور الأمر إلى العلاقة بين السّلطات التّشريعيّة والتّنفيذيّة والقضائيّة، فهي سلطات متكافئة ومنفصلة عن بعضها في الوقت نفسه، وبينها قنوات للتّعاون والتّشارك في تقرير شؤون المجتمع.

والسّلطة التّشريعيّة هي الّتي ترسم القوانين، وهي منتخبة من النّاس، والتّنفيذيّة تنفذ القوانين، وهي أيضا منتخبة، والقضائيّة في بعض أحوالها منتخبة كما في بعض البلدان، وفي غالب أحوالها معينة من السّلطة التّنفيذيّة، ومعتمدة من السّلطة التّشريعيّة.

ثمّ تأتي المؤسسات لكي تنتظم السّلطة التّنفيذيّة، حيث تتشكل في شكل وزارات، وهي تختلف من مكان لآخر، وهناك مجالس خارج الوزارات، والسّلطة التّشريعيّة ممكن أن تكون في مجلس أو مجلسين، والعادة تكون في المجلسين منتخبة من الشّعب، والسّلطة القضائيّة تتفرع من محاكم ابتدائيّة واستئنافيّة، وأخيرا المحكمة العليا أو المحكمة الدّستوريّة.

وفي المقابل هناك المجتمع المدني، ونشأ بصورة أوليّة في أوروبا، وارتبط بنظريّة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وفيه هل السّيادة للدّولة أم للمجتمع المدني، فيختلف من مكان لآخر، وفكرة المجتمع المدني عموما تلغي السّلطة الدّينيّة، وتمهد لظهور الدّيمقراطيّة، وسلطتها تختلف عن سلطة الدّولة الرّسميّة، ويدخل فيها نظام الجمعيات والمؤسسات والأحزاب والنّقابات والنّوادي وغيرها، وهي لا تكون ربحيّة، وتقوم على التّطوع، وبهذا تتكامل الدّولة والمجتمع المدني.

بدر العبري: ماذا تقصد أنّ المجتمع المدني يلغي السّلطة الدّينيّة؟

صادق جواد: السّلطة الدّينيّة لا توجد في النّظام العام للدّولة، ولكن توجد عندنا بشكل خافت مثل المفتي، وهو جزء من السّلطة، ولكن في المجتمعات المعاصرة الّتي أوجدت نظاما متباعدا عن السّلطة الدّينيّة ألغت هذه السّلطة، فلا توجد سلطة للكنيسة، ولا يوجد فيها مفتي، ولا من يرشّد الحكومة، فهي تلغي السّلطة، ولكن لا تلغي الكيان، فالمؤسسة الدّينيّة موجودة في المجتمع المدني، ولكن لا سلطة لها في شأن الدّولة نفسها.

بدر العبري: هل يوجد تعارض بين الدّولة الدّينيّة والدّولة المدنيّة؟

صادق جواد: نعم، يوجد تعارض، ففي أوروبا والعديد من العالم رأوا أن يبنوا أنفسهم بشيء من الفاصل بينهم وبين المؤسسات والمعطيات الدّينيّة، فهي لا تحتكم إلى المرجعيّة الدّينيّة، بل إلى ما تسنّه في مؤسساتها الدّستوريّة، أي البرلمان والمجالس التّشريعيّة بشكل عام.

بدر العبري: ظهر سابقا مفهوم الرّعيّة، واليوم ظهر مفهوم المواطنة، هل المواطنة مرتبطة بالماهيّة، لا بالهوّيات، وهل يتناسق هذا مع مفهوم الرّعيّة؟

صادق جواد: نعم، في السّابق كان مصطلح الرّعيّة، وشاع هذا حتى في الغرب، ولم يكن هناك مصطلح المواطنة، ومصطلح المواطنة ظهر بقوة في الثّورة الفرنسيّة، حيث ألغيت كلّ الألقاب، وسميّ الفرد باسم المواطن، وعليه تكون المشاركة في الوطن.

وبالنّسبة للحقوق هناك منظومتان: منظومة حقوق الإنسان، ومنظومة حقوق المواطنة، وبالنّسبة للأولى ليست لأيّ دولة معينة، فهي عالميّة لها مواثيقها وأدبياتها، ولا يصح لأيّ دولة التّدخل فيها، وإنّما عليها الموائمة من خلال المرجعيّة العالميّة، وأمّا حقوق المواطنة فيدخل في هذه الدّولة، ولهذا نجد حقوق المواطنة تختلف من دولة إلى دولة، عكس حقوق الإنسان، والمعادلة كلّما كانت حقوق المواطنة وافية من حيث تلائمها مع حقوق الإنسان كلّما كانت أقرب إلى الإنسان وحقوقه وكرامته، فعلى الدّول أن تنظّم حقوق المواطنة في تلائم مع حقوق الإنسان؛ لأنّ حقوق الإنسان أكثر سعة.

بدر العبري: كيف تقرأ مؤسسات العمل المدني في عمان ودول الخليج بشكل عام، وما قراءتك لمشاركتك في ساحة الشّعب في أحداث 2011م؟ هل كانت نتاج تضييق السّلطة على مؤسسات العمل المدني؟

صادق جواد: فكرة مؤسسات العمل المدني عندنا لم تتبلور كثيرا، ولمّا كنّا في 2011م حاولنا تقريب فكرة المجتمع المدني للنّاس، بمعنى للمجتمع المدني اهتمامات خاصّة به، ويعنى بها مباشرة، كأن ينظّم نفسه في جمعيات مهنية أو فكرية ونحوها، وتضمّ أشخاصا يتشاركون في نفس الخطوط، ففي المهنيّة مثلا يشترك الأطباء والمهندسون وغيرهم، وكذا النّوادي مثلا.

وكان معنا وأتصوّر لا يزال قانون الجمعيات، وكانت الجمعيات تمشي عليه، وتطبق نشاطاتها بتوائم مع هذا القانون، ولكن طبيعة المجتمع عندنا لم تتعود على هذا العمل وبلورته كالمجتمعات الأخرى، وبالتّالي لا أتصور أنّه حصل عندنا نوع من التّوسع في جانب المجتمع المدني، ولا يزال في القانون الأساسي من القيد على بعض الحريات الّتي عرفت أنّها تمت لحقوق الإنسان، وهي خارج حقوق المواطنة، كحق التّعبير عن الرّأي، وحق التّجمع، وحق تبادل المعرفة في المؤتمرات، ولهذا لم تنضج عندنا كتجربة حتى الآن، ولهذا لم تتطور.

بدر العبري: هل يوجد فرق بين النّظام الأساسي وبين الدّستور، وهل قاعدة الدّستور قاعدة شعبيّة وليست علويّة؟ وماذا يقصد بالدّستور التّعاقدي؟

صادق جواد: كلمة الدّستور كلمة فارسيّة وليست عربيّة، وترجمتها القانون الأساسي، أي الأساس لبنية الدّولة، وكلّ الدّول لها دساتير، ولكن تختلف بينها في أمور معينة، ولكن الفهم العام من الدّستور أنّ منشأه من الشّعب وليس من الحاكم، بمعنى بعد أن تضع من عندك في الدّستور؛ يستفتى عليه، وبعد الاستفتاء يصبح مرجعيّة لا يعلو عليه مرجعيّة أخرى.

أمّا الدّستور التّعاقدي فيختلف عن الدّستور الّذي مرجعيته الشّعب فقط، فالأول تعاقد بين الحاكم والمحكوم، أي فيه مرجعيتان، مرجعيّة الحاكم، ومرجعيّة المحكوم، ولكن لكون الحاكم عادة يمتلك من أسباب القوة والتّأثير فيعلو صوته على الصّوت الآخر أي المجتمع المدني، ولهذا يكون التّعاقد، ونشأت فكرته في بريطانيا في ماجنا كارتا 1215م، وكان تعاقدا بين النّاس وبين الملك، وفيه قيود على بعض صلاحيات الملك.

وشخصيّا لا أميل إلى الدّستور التّعاقدي لإشكاليّة المرجعيتين حيث يحدث الشّد والجذب، وأرى المرجعيّة واحدة أي القاعدة وهي الشّعب أو الأمّة ككل، فهو أصلب عودا، وأجدر أن يعتمد عليه لاستدامة الدّولة.

بدر العبري: في قانون النّظام العام أو الدّستور مادّة المصدر هو الشّريعة الإسلاميّة، فهل يعني هذا وجود مرجعيّة لاهوتيّة أخرى تزاحم مرجعيّة الحاكم أو الشّعب؟

صادق جواد: في جزئيّة من الحراك الاجتماعي العام نعم توجد مرجعيّة لاهوتيّة تزاحم، ففي البلاد العربيّة تنص دستوريّا أنّها دول إسلاميّة، وبعضها تنصّ أنّ المصدر الرّئيسي فيها الشّريعة الإسلاميّة، وبالتالي هذا يوجد قيدا على الدّولة، لكي تتصرف بشكل لا يتعارض مع المسلمات الإسلاميّة، اعتقادا أو تشريعا، لكننا نجد على مستوى التّطبيق ولو ادّعت أنّها إسلاميّة بالمعنى الصّميم، إلّا أنّها تجاوزت ذلك، وتراعي أن لا يصدر منها شيء يتعارض مع المسلمات، خصوصا في الأحوال الشّخصيّة كالميراث والشّهادة والمرأة، إلّا أنّ بنائها عصريّ، وليس إسلاميّا، فهي ابتداء تقوم على التّوريث في الحكم، وهذا يتفاوت من دولة عربيّة لأخرى، كالتّفاوت بين تونس مثلا وما عندنا.

بدر العبري: هل النّظام الجمهوري ردّة فعل للملكيّة وشموليتها؟

صادق جواد: أول جمهوريّة في العهد الحديث نشأت في أمريكا عام 1776م، ثمّ كتابتها للدّستور بعد ثلاث سنوات، ولم يكن قبل هذا جمهوريّة في العالم، وجمهوريّة اليونان جمهوريّة منقوصة، وبعد زوال دولة أثينا قامت الدّولة الرّومانيّة وهي امبراطوريّة ملكيّة.

ونشأة الجمهوريّة الأمريكيّة يعتبر انعتاقا من سيطرة الملكيّة البريطانيّة، فلمّا كتب الدّستور أرادوا به الانفصال عن الملكيّة، وأن يكون تأسيسهم على أساس جمهوريّ، ووجدت معارضة لكن استقر الوضع على قيامها.

ثمّ لمّا قامت الثّورة الفرنسيّة بسنوات بسيطة حيث أزاحت الملكيّة إزاحة كاملة، وأنشأت الجمهوريّة الأولى في فرنسا، وهذه افترقت كثيرا عن النّظام الملكي، فألغت الألقاب والامتيازات وأودعت ذلك في الشّعب، وحدثت تجاوزات ولكن صمدت الجمهوريّة ولم تعد الملكيّة بعدها حتى اليوم، وانتقلت ذاتها الجمهوريّة من حالة إلى أخرى حتى وصلت الجمهورية الخامسة الآن.

من بعدها نشأت الجمهوريات في أوروبا حيث كانت جميعا في السّابق ملكيّة أو أميريّة، واليوم في العالم يوجد تقريبا ستة وثلاثون أو ثمانية وثلاثون ملكيّة فقط، وهذه الملكيات في غالبها ملكيات دستوريّة، أي أنّ الملك لا يمتلك فيها سلطة مطلقة، وبقت الملكيات المطلقة في عدد قليل من الدّول، منها بعض الدّول العربيّة، ومعنى الملكيات المطلقة أي تمتلك السّلطات الثّلاثة على بعضها على تفاوت بينها أيضا.

بدر العبري: كيف تقرأ تجربة الجمهوريات في العالم العربي؟ وهل فشلت الجمهوريات حتى أصبحت أقرب إلى الملكيات في بعض الدّول العربيّة؟

صادق جواد: اتّفق معاك أنّ الجمهوريات في العالم العربي يكاد تشبه الملكيات، ففيها ظهر التّوريث، والعالم العربي أمضى فترة طويلة تحت الحكم العثماني، ولم يكن يحكم نفسه، ثمّ جاء الاستعمار البريطاني، فتجربته على سيادة الأعلى، ولهذا لمّا تحوّل إلى الجمهوريّة ظلّ أثر ذلك باقيا، فيعيدها إلى سمات الملكيّة مع كون اسمها جمهوريّة.

بدر العبري: الهند أيضا تعرضت لدول وراثيّة ولاستعمار بريطاني، بينما نجحت، ألا ترى في هذا تعارضا في كلامك؟

صادق جواد: هذه مفارقة بلا شك تؤخذ بالملاحظة، وتجربة الهند تجري لنا ظاهرة أخرى، فهذا البلد لم يمارس الدّيمقراطيّة إطلاقا، فحكمهم المغول وهكذا حتى البريطانيين، وكان لديهم ملوك وأمراء، ووقت الاستقلال كان فيها أربعمائة أميرا أو حاكما كبيرا، ولمّا استقلت رفضت أن يبقى عندها هذا الإرث، ووضعته جانبا، وأحدثت نظاما جمهوريّا برلمانيّا لا رئاسيّا، ونظرت في عموم دساتير العالم فاستفادت من دساتير بريطانيا وأمريكا وإيرلندا، ولم تتردد في الأخذ بالنّظام الدّيمقراطي مع عدم وجود لها تجربه حوله سابقا، ولم تتنصل بدعوى جهل وفقر الشّعب، وأعلنت بذلك في الدّستور أنّها جمهوريّة وليست ملكيّة، وأنّها ديمقراطيّة ليس فيها امتيازات لبعض النّاس، وحددت قضيّة المساواة ووضع المرأة، وأنّها اشتراكيّة في الجانب الاقتصادي، وأخيرا أنّها دولة علمانيّة لا مرجعية لها في النّظر والتّقرير في الشّأن العام إلا من خلال اجتهاد الإنسان نفسه من خلال المؤسسات الدّستوريّة المنتخبة، مع اعطاء الأديان حريتها في ممارسة طقوسها.

خليفة الحوسني: هل ابن خلدون [ت 808هـ] أول من قام بعقلنة التّأريخ، وكيف ينظر صادق جواد لما طرحه ابن خلدون من مقاربات حول مفهوم الإنسان من كونه مدنيا بطبعه، والغرب استقوا ممّا طرحه ابن خلدون وأسسوا عليه؟

صادق جواد: يعتبر ابن خلدون باعتراف العرب مرجعا في مثل هذه الأمور، واستوعب فكره في الغرب، وابتدأ فكره من سمات المجتمع من حيث قيامه، ومن الأمور المهمة الّتي أسسها في مقدّمته قضيّة العصبيّة بمعنى كيف تتكون السّلطة، أي هل تتكون من عصبة من النّاس كالقبليّة، أم تتكون من مجتمع مدني واع على نفسه، وأنّه بهذا يفرز ما يريد أن يكون عليه في حياته، وبهذا يكون لابن خلدون السّبق في العديد من الأفكار، والعالم يقتبس من بعضه، وهذا لا يمنع أن يكون الغرب اقتبس من ابن خلدون كما اقتبس العرب من غيرهم، وهذا جميعه اجتهاد إنسانيّ.

فيصل.ع.: الدّكتور سعود الزّدجالي فرّق بين الانتماء والمواطنة، ما رأي صادق جواد؟

صادق جواد: في نظري لا يوجد فرق، فالمواطنة صيغة اشتراك في وطن واحد، والانتماء لا يعني أنّك توافق على جميع ما في وطنك، ولكن تعني مع هذا أنّك تنتمي إلى هذا المجتمع، حيث لك فيه إقامة دائمة، وسكن دائم، وتاريخ مرتبط بالآباء والأجداد، فالوطن أنت جزء منه، وأنت تنتمي إليه بغثه وسمينه، والانتماء تعاقدي، فممكن أن تكون اليوم منتميا إلى عمان لتكون مواطنا عمانيا، وغدا قد تسكن في بريطانيا وتنتمي إليها لتكون مواطنا بريطانيا.

نعم يمكن التّفريق بين الوطنيّة والمواطنة، فليس كلّ مواطن وطنيا، فالوطني لديه إحساس عميق، وأكثر جذرية وأصالة من المواطن العادي.

الدّكتور جعفر الحكيم (العراق): في نظري لا يوجد في المنظور القريب ملامح لتشكل الدّولة الحديثة في العالم العربي بسبب القبليّة والطّائفيّة والتّحيز الحزبي، ما رأي صادق جواد؟

صادق جواد: نعم، التّحيز الحزبي أصبح عاملا مؤثرا، ولكن الدّولة العربيّة المعاصرة ليست نموذجا مكتملا؛ لأنّها لا زالت تنمو وتتطور.

كاظم العصفور (البحرين): دساتير الدّول الإسلاميّة تحدّد الدّين الإسلامي مصدرا أساسيّا للتّشريع، هل يؤدي هذا إلى تعميق السّلطة الدّينيّة؟

صادق جواد: السّلطة الدّينيّة في البلاد العربيّة ليست بتلك السّطوة، لكنّها موجودة، وهي جزء من المجتمع، صحيح أنّه في الدّستور لا يوجد سلطة دينيّة.

وهناك تمايز بين السّلطة والصّلاحيّة، السّلطة ملاصقة للمؤسسة، والصّلاحيّة تعطى وتسحب، فلمّا نقول السّلطة التّنفيذيّة أي في ذاتها سلطة لا تعتمد على سلطة أخرى، وهذا عكس المؤسسات والوزارات فهذه لها صلاحيات وليست سلطة.

الدّكتورة شمسة الحارثيّة: ما مدى تقييمكم لوعي الشّعب في فهم سلطة المجتمع لنقول إنّ رفع القيود في القانون أصبح مطلبا؟

صادق جواد: القانون إذا كان يستمدّ رشده من الشّعب عموما، وهم الّذين يصنعون القانون، فعليهم أن يبقوا عند القانون، ولكن عندما القانون لا يرسم ويصاغ بهذه الطّريقة، وإنّما مجرد مجالس استشاريّة وليست تشريعيّة [فيؤخر في وعي الشّعب].

مبارك بن عليّ الصّوافي: متى ظهر مفهوم تقسيم الإسلام إلى سياسي وعقائدي، أليس الإسلام منظومة واحدة لا تقبل التّقسيم، وإنّما جاء من الغرب؟

صادق جواد: لا، لم يأت من الغرب، الإسلام بنفسه تفرّق إلى فرق عديدة، فهي مسألة داخليّة وليست خارجيّة، وفي الرّواية: ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، إحداها ناجية، والباقي في النّار.

ولمّا نأتي إلى الإسلام نعم هو منظومة من عدّة أشياء منها العقائد الغيبيّة، والعبادات المنصوصة، والأحكام المتفرعة من المبادئ.

واليوم لم نعد نعتدّ بالمعارف الإسلاميّة في نشأة الكون وتطور الحياة والإنسان، وقضايا الذّرة وما دونها، وتركيب جسم الإنسان وما يؤثر فيه، فهذه معارف اليوم.

وأمّا العبادات فالنّاس حافظوا على طقوسهم من صلاة وصيام ونحوها، وبهذه تتشكل هويّة المسلم بعد الشّهادتين، وهذا حدّ كاف ليكون في إطار الإسلام.

والإيمان في نظري لا علاقة له بالإسلام، وإنّما بالوجدان الإنساني، ينشأ في الإنسان ليوجد فيه النّقاء والصّفاء والوعي والتّنوير والرّشد، ليكون أنفع للنّاس، وأقل ضررا بهم، ومثل هذا رواية: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

أبو عبد الله: هل التّجربة السّياسيّة في إيران تجربة فريدة في المنطقة من حيث الإسلام السّياسي، وهل نجحت في تطبيق نظريّة ولاية الفقيه، أم هي دولة علمانيّة بلباس دينيّ؟

صادق جواد: جاءت الثّورة الإسلاميّة الإيرانيّة كردّة فعل لما كان في عهد الشّاه، حيث كان يريد أن يبعد إيران عن المنظومة الإسلاميّة، لتصل إلى شيء من عصرنة الدّول الغربيّة، بحيث تكون دولة قويّة منيعة ومنتجة.

ولكن كان هناك في إيران شعور بالامتعاض، وهذا ما حصل عند الخميني [ت 1989م]، وقد نفي إلى العراق ثمّ إلى فرنسا، وكانت فكرته قلب ما كان يريده الشّاه للدّولة الإيرانيّة، فكانت الثّورة لإعادة إيران إلى حظيرة الإسلام أو الدّين.

واليوم يسأل النّاس: ما الّذي يحرك إيران؟ هل الإسلام أم الوطنيّة الفارسيّة، فهي دولة عريقة، وكانوا على ديانة المجوس، ولمّا جاء الإسلام غيّر الطّابع الثّقافي في إيران، ولمّا قامت الثّورة حيث كانت في رؤية الخميني أن يعيدها إلى الدّين والمذهب قبل مجيء الشّاه، فأوجد نظريّة في الحكم تقوم على رفض التّوريث، ومع كامل الصّلاحيات له ليفعل ما يشاء بعد الثّورة؛ إلا أنّه آثر أن يكون لإيران قاعدة إسلاميّة مذهبيّة، ولهذا صاغوا الدّستور الجديد، وهذا الدّستور حصر الحكم في ولاية الفقيه، بمعنى أنّ المرجع الأخير ليس رئيس الجمهوريّة وإنّما الفقيه المرجع.

واستفتي على الدّستور، وقبله الإيرانيون، والدّساتير ليست مستدامة، فهي عرضة للتّعديل باستمرار، بينما الدّستور الإيراني صعب التّحديث، وولاية الفقيه مهيمنة على هذا الدّستور، لهذا الإيرانيون اليوم منقسمون، وفي وضع لا يملكون فيه القدرة على الخروج من هذا الإطار الّذي صيغ لهم من بداية الثّورة الإسلاميّة.

والدّولة الإيرانيّة دستورية، وكلّ شيء فيها ضمن الدّستور، ولكن صيغ صياغة دينيّة مذهبيّة يصعب الخروج منه، ولكن في نظري يوجد رافدان في الحراك الإيراني، رافد مذهبيّ إسلاميّ مقنن دستوريا، ورافد ينزع في الإيرانيين أن يعيدوا لأنفسهم شيئا من الأصالة الّتي كانت لهم قبل الإسلام، أي خصوصيات الوطنيّة الإيرانيّة.

خليفة الحوسني: يرى البعض أنّ كثيرا من مؤسسات العمل المدني في مجتمعنا العربي ضعيفة بسبب توقيع الحكومات على اتّفاقيات مع الدّول الكبرى، ما رأي صادق جواد؟

صادق جواد: المجتمع المدني في عالمنا العربي ضعيف أمام الدّولة، وبالتّالي تأثيره على الدّولة وسياستها ليس كالمجتمعات الّتي يحدث فيها تأثيرا سياسيّا وأكاديميّا وإعلاميّا.

وأمّا الاتفاقيات فهذه ليست موكولة إلى المجتمع المدني؛ فالدّولة إذا فوّضت للشّأن الوطني فهي بمؤسساتها التّشريعيّة بدرجة أولى، فهي الّتي تنظر وتبحث وتقرر، ومع أيّ اتفاقات أخرى، ولكن الإشكاليّة أنّ المؤسسات التّشريعيّة في الدّول العربيّة ليست بالقوّة كما في الدّول الأخرى.

يوسف الشّامسي: هل يوجد علاقة بين الدّيمقراطيّة والشّورى، وما مدى التّوافق والتّضاد بينهما؟

صادق جواد: جوهر الشّورى أنّ ما يتم في المجتمع يتمّ في شيء من التّوافق، أي لا يكون مفروضا على المجتمع، ويبعد المجتمع عن أيّ ظرف يستبدّ به، فهي عكس الاستبداد، لكن اعتبرت في الفقه الإسلامي مسألة هامشيّة.

وعليه الشّورى بهذا المعنى بذرة ديمقراطيّة، وليس نظاما ديمقراطيا، ولكن ما حدث في التّأريخ الإسلامي أبعد هذه البذرة، وأصبحت السّلطة في الإسلام وراثيّة مستبدة.

فيصل.ع: هل يشترك تفعيل دور المواطن عن طريق الانتخابات؟ ويضيف عيسى.ع: إذا جعلنا الانتخابات حرة زدنا في تعصّب وتفرق المجتمع، وإن سلبنا الصّلاحيات وقعنا في الاستبداد، فما الحل في نظر صادق جواد؟

صادق جواد: الانتخاب هو الطّريق المتفق عليه لتفعيل ومشاركة المجتمع، وهي أيضا عرضة للتّلاعب أحيانا، ولكن إذا أتقنتها وصنتها من التّلاعب تبقى وسيلة جديرة بالاتباع.

وأمّا أن يكون النّظام الدّيمقراطي عرضة لأهواء النّاس، أي لا يفون بما تعهدوا به للنّاس بعد الفوز، وهذا يحصل بلا شك، لكن لا نجد نظاما أفضل منه، فأنت هنا أن تحكم بطريقة ديمقراطيّة مع جميع هذه الإشكالات، ولكنّها في المحصلة أوفق للشّعوب من أن تحكم بالاستبداد.

في نهاية اللّقاء نشكر الأستاذ صادق جواد وجميع المتداخلين والمشاركين من عمان وخارجها، وإلى لقاء آخر حول الدّولة العصريّة والدّولة المعاصرة: التّداخل والفروقات.


*تمّ التّسجيل على برنامج zoom، الجمعة 18 ربيع الثّاني 1442هـ/ 4 ديسمبر2020م.


إعداد


بدر العبري







70 views0 comments