• المرقاب

عباس خضر الألماني-العراقي في الأسر فمن يسعى لإطلاق سراحه؟


الروائي‮ ‬الألماني‮ ‬العراقي‮ ‬عباس خضر‮: ‬نضجتُ‮ ‬في‮ ‬المنفى وكُتّابنا أسرى آلام الماضي فمالذي يحررنا؟ حاوره‮ :‬حسن عبد راضي


عباس خضر‮ ..‬اسم لا‮ ‬يتردد كثيراً‮ ‬في‮ ‬الأوساط الثقافية العراقية،‮ ‬ليس لأنه‮ ‬غير معروف،‮ ‬ولكن لأنه مغترب منذ ربع قرن،‮ ‬ولأن نتاجه في‮ ‬العقد الأخير كُتب بلغة أخرى‮ ‬غير العربية هي‮ ‬اللغة الألمانية،‮ ‬لكنه معروف في‮ ‬بلاد المهجر حيث‮ ‬يعيش‮. ‬عباس خضر المولود في‮ ‬بغداد عام‮ ‬1973 كاتب وشاعر عراقي‮ ‬غادر العراق بعد أن اجتاز تجربة سجن مريرة دامت سنتين،‮ ‬استقر في‮ ‬ألمانيا منذ عام‮ ‬2000 بعد ترحال طويل بين بلدان عدة،‮ ‬له من الكتب بالعربية ديوانا شعر وكتاب نقدي،‮ ‬وله من الأعمال المكتوبة بالألمانية‮ "‬الهندي‮ ‬المزيف‮" ‬2008 و‮ " ‬برتقالات الرئيس‮" ‬2011 و‮ "‬رسالة إلى جمهورية الباذنجان‮ " ‬2013 التي‮ ‬توجت بجوائز ومنح أدبية‮.‬


التقيته في‮ ‬برلين حيث‮ ‬يقيم،‮ ‬فكان هذا الحوار‮:‬

‮{ ‬أنت روائي‮ ‬ألماني‮ ‬عراقي،‮ ‬نتحدث هنا عن هويتين؛ هوية الجذور العراقية،‮ ‬وهوية الإقامة والحياة الألمانية،‮ ‬وعن ثقافتين؛ ثقافة نشأت فيها،‮ ‬وثقافة ستكمل حياتك فيها،‮ ‬هل تجد نفسك في‮ ‬الضفتين؟

‮- ‬خرجت من العراق وأنا أبلغ‮ ‬من العمر ثلاثاً‮ ‬وعشرين عاماً،‮ ‬قبلها أضعت عامين من حياتي‮ ‬ولا أعدها حياة لأنني‮ ‬قضيتها تحت الأرض في‮ ‬السجون العراقية،‮ ‬لقد جاوزت الأربعين الآن،‮ ‬معنى هذا أن نصف حياتي‮ ‬قضيته في‮ ‬العراق والنصف الآخر خارجه،‮ ‬وأنا في‮ ‬ألمانيا منذ عام‮ ‬2000 ‮ ‬اكتمل وعيي‮ ‬ونضجت في‮ ‬المنفى،‮ ‬فحين أفكر بحياتي‮ ‬استنتج انني‮ ‬ابن المنفى،‮ ‬هذا واقع اصبحت رجلًا في‮ ‬المنافي‮ ‬وليس في‮ ‬بلدي،‮ ‬ووحيدَا في‮ ‬الخريطة،‮ ‬ولذا فحين أفكر أي‮ ‬هوية أنا احمل؟ أجده سؤالاً‮ ‬بالغ‮ ‬الصعوبة ولا استطيع الاجابة عليه ببساطة،‮ ‬وإذا أجبتُ‮ ‬الآن فقد‮ ‬يتغير جوابي‮ ‬بعد عام‮. ‬أنا أكتب بالألمانية،‮ ‬وأقرأ بالألمانية،‮ ‬ودرست بالألمانية‮. ‬ولديّ‮ ‬جمهور ألماني‮ ‬كبير‮. ‬وليس لدي‮ ‬ارتباط بالعرب لسببٍ‮ ‬معين،‮ ‬لعدم توفر كتبي‮ ‬باللغة العربية‮. ‬فكتبي‮ ‬تُرجمت لأكثر من لغة عالمية لكن لم تترجم إلى هذه اللحظة من التاريخ إلى العربية‮. ‬الناس تسمع عني‮ ‬في‮ ‬العالم العربي‮ ‬حينما‮ ‬يحدث لي‮ ‬شيء في‮ ‬أوروبا أو في‮ ‬ألمانيا،‮ ‬لكنني‮ ‬مجرد اسم بعيد وغريب عن المجتمع العربي‮. ‬الشيء الحقيقي‮ ‬الذي‮ ‬أعادني‮ ‬إلى العالم العربي‮ ‬بعد سنوات طويلة هو الربيع العربي،‮ ‬فقد أعادني‮ ‬بقوة إلى الثقافة العربية،‮ ‬كانت مرحلة جميلة من تاريخنا فلأول مرة تخرج مجتمعاتنا إلى الشوارع،‮ ‬وأنا واكبت هذه المرحلة وسافرت إلى مصر وعشت هذه اللحظات‮.‬

‮{ ‬متى كان ذلك؟ هل تزامن مع أيام دراستك اللغة الألمانية في‮ ‬معهد‮ ‬غوته؟

‮- ‬لا أيام كورس معهد‮ ‬غوته كانت في‮ ‬عام‮ ‬2014 و2015 اما أنا فقد ذهبت إلى مصر لأول مرة في‮ ‬عام‮ ‬2011 أيام الثورة،‮ ‬تلك اللحظات أعادتني‮ ‬وشعرت لأول مرة ان الشعب العربي‮ ‬يستطيع ان‮ ‬يكتب قصته بنفسه،‮ ‬لا‮ ‬يكتبها الرئيس ولا سلطة خارجية ولا أمريكا ولا الحركات الإسلامية،‮ ‬بل‮ ‬يكتبها الناس البسطاء الذين‮ ‬يخرجون إلى الشارع ويشعلون ثورة‮. ‬هذا أعادني‮ ‬كثيراً‮ ‬للمجتمع العربي‮ ‬لكن حتى اللحظة لم أحاول أن استفيد من هذه المرحلة أدبياً،‮ ‬وذلك لقناعتي‮ ‬بأن الاحداث إذا لم تتحول إلى ماضٍ‮ ‬لا‮ ‬يمكن ان نكتب عنها بطريقة موضوعية‮.‬

‮{ ‬هل كنت موجوداً‮ ‬طوال مدة احتجاجات‮ ‬25 ‮ ‬يناير؟

‮- ‬نعم كنتُ‮ ‬موجوداً‮ ‬في‮ ‬الساحات لحين سقوط مبارك،‮ ‬بعدها عدت إلى ألمانيا‮.‬

‮{ ‬ماذا كان شعورك حينها،‮ ‬أكنت مواطناً‮ ‬عربياً‮ ‬أم مصرياً،‮ ‬أم لعلك عراقي‮ ‬شارك إخوته المصريين،‮ ‬وربما ألماني‮ ‬يحاول ان‮ ‬ينسخ تجربة‮ ‬غيفارا؟

‮- ‬لقد عشتُ‮ ‬ثورات كثيرة وحركات معارضة تحررية في‮ ‬العالم العربي،‮ ‬في‮ ‬عام‮ ‬1991 كنت ابن جيل ثورة‮ ‬1991 في‮ ‬العراق،‮ ‬عشت ثورة الجياع‮ "‬ثورة الخبز‮" ‬في‮ ‬الأردن،‮ ‬عشت انتفاضة البيضاء على معمر القذافي‮ ‬في‮ ‬ليبيا التي‮ ‬فشلت أيضاً،‮ ‬وقمعها معمر القذافي،‮ ‬هذه الثورات فشلت كلها،‮ ‬فأن تعيش لأول مرة ثورة ناجحة هو شعور رائع لا‮ ‬يمكن وصفه،‮ ‬وعندما قال مبارك أن‮ "‬أجندة أجنبية‮" ‬وراء ما‮ ‬يجري،‮ ‬حملني‮ ‬أصدقائي‮ ‬المصريون على اكتافهم هاتفين‮: "‬الأجندة الاجنبية‮...‬الأجندة الاجنبية‮". ‬في‮ ‬ساحة التحرير شعرت بأن الثقافة العربية ولدت من جديد،‮ ‬ولذا لم أكن ألمانياً‮ ‬ولا عراقياً،‮ ‬بل عربي‮ ‬إنساني‮ ‬يعيش الثورة‮.‬

‮{ ‬هل تشعر أن الحبل السري‮ ‬بينك وبين العراق مقطوع،‮ ‬أم هو قائم لكنهُ‮ ‬ضعيف ولا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون حبل تواصل كاملًا حقيقيًا؟

‮- ‬بكل صراحة ودون أي‮ ‬مجاملة،‮ ‬لا‮ ‬يوجد شعور بالوطن بدون شغف،‮ ‬بدون شغف لشيءٍ‮ ‬ما‮. ‬وأنا لدي‮ ‬مشكلة بعد كل هذه السنين،‮ ‬أنا فقدت الشغف بالعراق لا‮ ‬يوجد لدي‮ ‬شيء أسمه شغف‮. ‬لدي‮ ‬شغف لذكريات الطفولة أو العائلة،‮ ‬لكن ما هي‮ ‬ذكرياتي؟،‮ ‬ذكريات الحرب،‮ ‬ذكريات المعتقل،‮ ‬وما بعدها‮ ‬2003 ذكريات الموت والانفجارات والقتل العشوائي‮ ‬و و و‮... ‬والخراب‮. ‬فلذلك أشعر بأنني‮ ‬أحتاج إلى شيء‮ ‬يجعلني‮ ‬أشغف أو أشعر بالحنين إلى مكان أو إلى حالة أو شيء،‮ ‬هذا فقدته حقيقةً‮ ‬في‮ ‬علاقتي‮ ‬بالعراق وهذا واقع لا أريد أن اكذب به‮. ‬الشيء الذي‮ ‬يُرجعني‮ ‬إلى العراق أو‮ ‬يجعلني‮ ‬أحياناً‮ ‬أقترب أنه عالم الثقافة،‮ ‬أفرح عندما‮ ‬يحصل عراقي‮ ‬على جائزة أو‮ ‬يُكتب عمل شعري‮ ‬أو أدبي‮ ‬يُمدح،‮ ‬حتى الرياضة عندما فاز منتخب الناشئين أنا رقصت في‮ ‬البيت‮. ‬مثل هذه الأشياء أنتظر أشياء جميلة من بلدي،‮ ‬واحتاج أشياء جميلة تُرجع إليّ‮ ‬الحنين،‮ ‬فحقيقةً‮ ‬الحنين أنتهى لدي‮ ‬منذ سنوات طويلة‮. ‬

‮{ ‬لنعد إلى أعمالك،‮ ‬التي‮ ‬كان أولها بالألمانية‮ "‬الهندي‮ ‬المزيف‮" ‬فهل لاقى نجاحاً‮ ‬لدى القراء الألمان؟؟

‮- ‬نعم هو أول عمل لي‮ ‬بالألمانية‮. ‬كانت البداية صعبة كثيراً‮ ‬مع الكتاب الأول،‮ ‬فأنا أولاً‮ ‬مهاجر لم أولد في‮ ‬ألمانيا ولم تكن الألمانية لغتي‮ ‬الأُم،‮ ‬لقد جئتها وعمري‮ ‬سبعة وعشرون عاماً،‮ ‬ورغم ذلك تعلمت اللغة ودرست بها‮. ‬وثانياً‮ ‬ناشر الرواية كانت دار نشر صغيرة في‮ ‬هامبورغ‮ ‬وليست من تلك الدور الكبيرة الشبيهة بالمؤسسات الاعلامية الضخمة،‮ ‬ولم‮ ‬يكن هناك أي‮ ‬صدى في‮ ‬الشارع الألماني‮ ‬أو الصحافة الألمانية عن الكتاب‮.‬

‮{ ‬هل بيعت أي‮ ‬نسخ من الرواية؟‮ ‬

‮- ‬في‮ ‬العام الأول من صدورها بيع منها ألفا نسخة،‮ ‬وهذا العدد من النسخ‮ ‬يُعدّ‮ ‬لا شيء في‮ ‬ألمانيا،‮ ‬فهذه كانت البداية‮.‬

‮{ ‬هل صدمك هذا الموضوع حينها؟

‮- ‬نعم طبعاً،‮ ‬لأنّي‮ ‬كنت أتصور أنني‮ ‬ابتكرت كتاباً‮ ‬جديداً،‮ ‬لكن الشيء الذي‮ ‬خدمني‮ ‬كثيراً‮ ‬هو أن ناقداً‮ ‬ألمانياً‮ ‬كتب عن الكتاب وأشاد به كثيراً‮. ‬فانتبهت عليّ‮ ‬مؤسسة ألمانية تمنح جائزة أدبية باسم‮ "‬شاميسو‮" ‬ ‮ ‬وعند حصولي‮ ‬على هذه الجائزة،‮ ‬بدأ النقاد والصحفيون‮ ‬يتساءلون‮: ‬من هذا الذي‮ ‬حصل على الجائزة؟ فانفتحت لي‮ ‬الأبواب وانتعش بيع الكتاب مع الوقت‮. ‬ورغم تعثره في‮ ‬البيع في‮ ‬البداية،‮ ‬لكنه ترجم إلى أكثر من إحدى عشرة لغة،‮ ‬وما زال‮ "‬الهندي‮ ‬المزيف‮" ‬يُباع في‮ ‬السوق حتى اليوم‮. ‬

‮{ ‬بما أن‮ "‬الهندي‮ ‬المزيف‮" ‬مكتوبة بالألمانية ولم تتُرجم إلى العربية ولا سبيل إلى معرفة شيء عنها،‮ ‬فهل لك أن توضح فكرتها؟ هل كانت تتكلم عن محنة الأنسان بين ثقافتين؟

‮- ‬لا،‮ ‬لم تتناول‮ "‬الهندي‮ ‬المزيف‮" ‬هذه القضية،‮ ‬بل كانت تتناول حياة المهاجرين بين الشرق والغرب،‮ ‬فموضوعها الأساسي‮ ‬كان طُرق التهريب،‮ ‬كيف‮ ‬يعيش المهاجرون أيام التهريب،‮ ‬وكيف‮ ‬يتعامل المهربون،‮ ‬وكيف تكون الحياة وأسعار التهريب،‮ ‬والمشاكل التي‮ ‬يواجهها المهاجرون‮.‬

‮{ ‬هل‮ ‬يمكننا أن نقول إنها كانت رواية تسجيلية؟

‮- ‬نعم نستطيع القول بأنها كانت رواية تسجيلية،‮ ‬لكن أنا في‮ ‬وقتها كنت أُريد أن أبدأ الكتابة باللغة الألمانية،‮ ‬فكانت فكرتي‮ ‬أن أبتكر شيئاً‮ ‬جديداً،‮ ‬والشيء الجديد الذي‮ ‬ابتكرته كان‮ ‬يتعلق بالجانب الفني‮ ‬فيها،‮ ‬كانت ثمة قصة واحدة رُويت ثماني‮ ‬مرات،‮ ‬روتها الشخصية ذاتها من زوايا مختلفة،‮ ‬عن رحلة تبدأ من بغداد وتنتهي‮ ‬في‮ ‬ميونخ في‮ ‬بافاريا‮ ‬– ألمانيا،‮ ‬لكن البطل‮ ‬يرويها مرة عن طريق علاقته بالكتب مثلاً،‮ ‬ومرة أخرى‮ ‬يرويها عن طريق علاقته بالجنس وعلاقات الجنس عبر الدول،‮ ‬ومرة‮ ‬يرويها من خلال علاقته بفقدان الأصدقاء والأحباب والعائلة وما شابه ذلك, هي‮ ‬محاولة في‮ ‬الربط بين المقامات العربية والرومانسية الألمانية‮. ‬أن تكتب بالألمانية في‮ ‬بلد كافكا وغوته وشيلر فعليك ان تثبت نفسك أدبياً‮ ‬وتنافس‮. ‬

‮{ ‬في‮ "‬موسم الهجرة إلى الشمال‮" ‬طرح الطيب صالح صراع الحضارات وأزمة انشطار الهوية عبر شخصية‮ "‬مصطفى سعيد‮" ‬هل تعتقد أن شخصيات رواياتك‮ ‬يعانون المشكلات ذاتها؟

‮- ‬كلا‮ ..‬لم‮ ‬يكن هذا وارداً‮ ‬في‮ ‬روايتي‮ ‬الأولى،‮ ‬لكنني‮ ‬تناولتها في‮ ‬رواية‮ "‬صفعة‮" ‬التي‮ ‬تدور احداثها في‮ ‬بيوت اللاجئين في‮ ‬ألمانيا،‮ ‬وتروي‮ ‬حياة المهاجرين وطبيعة علاقتهم بالألمان وبالمجتمع الألماني‮ ‬وبدوائر الدولة الألمانية،‮ ‬وكيف تلعب السياسة بحياة هؤلاء‮. ‬كان الكتاب إشكالياً‮ ‬لأنه انتقد المجتمع الالماني‮ ‬كثيراً،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن نقد المهاجرين أنفسهم،‮ ‬والحياة التي‮ ‬يعيشونها في‮ ‬ألمانيا‮. ‬

‮{ ‬عباس خضر لست العربي‮ ‬الوحيد الذي‮ ‬يكتب بالألمانية،‮ ‬هُنالك السوري‮ ‬رفيق شامي،‮ ‬أأنتما فقط من استطاع عبور حاجز اللغة الألمانية الصعبة أم هُنالك من‮ ‬يُحاول بهذا الموضوع؟

‮-‬ للآن رفيق شامي‮ ‬وأنا من الأصول العربية نكتب بالألمانية،‮ ‬وهنالك تجارب أخرى،‮ ‬بعضهم بدأ وتوقف عن الكتابة مثل العراقي‮ ‬حسين الموزاني‮ ‬،‮ ‬إذ كتب روايات بالألمانية وترجمها إلى العربية بعد ذلك بنفسه،‮ ‬بعدها توقف وبدأ‮ ‬ينشر باللغة العربية‮. ‬

‮{ ‬هل كانت ناجحة رواياته بالألمانية؟

‮- ‬نعم إحدى رواياته كانت ناجحة بشكل جيد،‮ ‬رغم ذلك لا أعرف لماذا توقف فترة طويلة من الزمن‮. ‬ثمة مثقفون عرب آخرون‮ ‬يعيشون هنا مثل فاضل العزاوي،‮ ‬لكنه‮ ‬يكتب بالعربية فقط‮.‬

‮{ ‬رغم أنه‮ ‬يتقن الألمانية‮.‬

‮- ‬نعم فاضل ألمانيته جيدة،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يجرب أبداً‮ ‬الكتابة بالألمانية‮.‬

‮{ ‬طيب،‮ ‬على‮ ‬غرار الفرانكفونية،‮ ‬هل تعتقد أنه من الممكن ولو في‮ ‬المستقبل المتوسط أو القريب،‮ ‬أن‮ ‬يكون هنالك تيار ثقافي‮ ‬يمكن أن نسميه تيار الدُويِتشفونية؟‮ ‬

‮- ‬أنا أتصور أن ذلك ممكن،‮ ‬قد‮ ‬يكون المصطلح مختلفاً،‮ ‬لكن لا تنسَ‮ ‬أنه ليس المهاجرون العرب وحدهم من‮ ‬يعيشون في‮ ‬ألمانيا،‮ ‬ثمة مهاجرون أتراك مثلاً‮ ‬اندمجوا كثيراً‮ ‬في‮ ‬المجتمع،‮ ‬وجيل واسع منهم ولدوا في‮ ‬ألمانيا واصبحوا جزءاً‮ ‬لا‮ ‬يتجزأ من الثقافة الألمانية،‮ ‬وثمة جاليات من إسبانيا وروسيا وحتى أمريكا،‮ ‬ويكتبون باللغة الفرنسية أو الألمانية‮. ‬

‮{ ‬حدثنا عن عمليك الآخرين،‮ ‬برتقالات الرئيس،‮ ‬ورسالة إلى جمهورية الباذنجان؟‮ ‬

‮- ‬برتقالات الرئيس هي‮ ‬رواية تدور أحداثها من بداية الثمانينيات حتى انتفاضة عام‮ ‬1991 مرحلة الحرب الأولى بين العراق وإيران والثانية بين العراق والكويت‮. ‬تدور أحداثها في‮ ‬المعتقل وتنتهي‮ ‬مع انتفاضة‮ ‬1991‮.‬ ‮ ‬ هي‮ ‬محاولة لسرد تاريخ العراق من الثمانينيات إلى‮ ‬1991 وما حدث في‮ ‬العراق،‮ ‬عن طريق حكاية شاب صغير عمره تسعة عشر عاماً‮ ‬يُحب الطيور‮ "‬مطيرجي‮" ‬كما‮ ‬يسميه العراقيون،‮ ‬ثم في‮ ‬لحظة ثمانينية من لحظات الفاشست المرعبة‮ ‬يلقى القبض عليه،‮ ‬فيقضي‮ ‬قرابة سنتين في‮ ‬السجن ويطلق سراحه في‮ ‬1991 إبان الانتفاضة،‮ ‬وأحداثها تجري‮ ‬كلها بين الحلة والناصرية‮. ‬لقد تحدثت عن القيم التي‮ ‬كانت موجودة بداية الثمانينيات،‮ ‬وكيف أثرت فيها الدكتاتورية فاندثرت،‮ ‬كما رويت حياة المعتقل العراقي،‮ ‬كيف‮ ‬يعيش وماذا‮ ‬يحدث له في‮ ‬المعتقل وطرق التعذيب‮.‬

‮{ ‬أفترض أنك وظفت خبرتك التي‮ ‬عشتها أنت في‮ ‬سنتين،‮ ‬في‮ ‬صياغة حياة المعتقل‮.‬

‮- ‬نعم صحيح،‮ ‬قضيت سنتي‮ ‬سجن وكانت لي‮ ‬تجربة كبيرة مع أناس كثيرين،‮ ‬محاولة أقرب إلى رواية تاريخية تسرد تاريخ العراق من‮ ‬1980 إلى‮ ‬1991 مروراً‮ ‬بانتفاضة آذار وفشلها ايضاً‮.‬ إنها رواية أدب سجون في‮ ‬بلد لم‮ ‬يعرف شيئا من هذا الأدب بعد الحرب العالمية الثانية،‮ ‬وهي‮ ‬حقاً‮ ‬الرواية التي‮ ‬صنعت لي‮ ‬اسماً‮ ‬في‮ ‬ألمانيا‮.‬

‮{ ‬أأنت معروف في‮ ‬كل العالم الناطق بالألمانية،‮ ‬مثلاً‮ ‬في‮ ‬النمسا وسويسرا وبلجيكا أم في‮ ‬ألمانيا فقط؟

‮- ‬ألمانيا مهمة كثيراً‮ ‬لي‮ ‬لأنني‮ ‬أعيش وأكتب فيها،‮ ‬وكتبي‮ ‬موجودة بقوة فيها أيضاً،‮ ‬وفي‮ ‬سويسرا أيضاً‮ ‬لأنني‮ ‬أقيم أمسيات هناك،‮ ‬والسويسريون‮ ‬يهتمون بالأدب بطريقةٍ‮ ‬ما،‮ ‬كذلك في‮ ‬النمسا،‮ ‬لكن بصورة عامة الدول التي‮ ‬تتكلم بالألمانية لي‮ ‬فيها حضور كبير‮.‬

‮{ ‬هل‮ ‬يقاطعك العالم العربي؟ لماذا لا‮ ‬يعرف عنك كثيراً‮. ‬

‮- ‬لأني‮ ‬أكتب بالألمانية،‮ ‬وجمهوري‮ ‬ألماني،‮ ‬فالإشكالية هي‮ ‬إشكالية ترجمة،‮ ‬تُترجم كتبي‮ ‬إلى لغات أخرى،‮ ‬والمشكلة التي‮ ‬أعاني‮ ‬منها للآن تتعلق بالترجمة إلى اللغة العربية،‮ ‬أي‮ ‬مُترجم‮ ‬يشرع في‮ ‬ترجمة كتبي‮ ‬تصدمه إشكالية شخصيات كتبي،‮ ‬فهم‮ ‬يتكلمون بحرية مُطلقة،‮ ‬قد تمس بعض التابوهات التي‮ ‬لا‮ ‬يتقبلها القارئ العربي‮.‬

‮{ ‬هل لأنك تعامل ككاتب ألماني،‮ ‬يغيب اسمك عن الجوائز العربية؟

‮ - ‬طبعاً‮ ‬أنا كاتب ألماني،‮ ‬فأنا لا أكتب بالعربية،‮ ‬والجوائز العربية تتوجه للكاتب العربي‮ ‬الذي‮ ‬يكتب بالعربية،‮ ‬فلا أعرف ان كان هُنالك جوائز عربية تمنح لمن‮ ‬يكتب بلغات أخرى‮. ‬لكن في‮ ‬ألمانيا ثمة جوائز للألمان وجوائز عالمية‮. ‬ ‮{ ‬برغم إنك كاتب ألماني‮ ‬تكتب بالألمانية،‮ ‬لكن إشكاليات رواياتك ما زالت إشكاليات شرقية عربية‮.‬ ‮- ‬نعم في‮ ‬كتبي‮ ‬الثلاثة الاولى‮.‬

‮{ ‬إذن هل ستغادر هذه المنطقة؟‮ ‬

‮- ‬أنا حقيقة أعتقد أن الكاتب لا‮ ‬يختار موضوعاته،‮ ‬بل هي‮ ‬تختار كاتبها،‮ ‬لا‮ ‬يعنيني‮ ‬إن كانت المواضيع شرقية أو‮ ‬غربية،‮ ‬المهم أن اكتب عن موضوع‮ ‬يثيرني،‮ ‬أحس أن روحي‮ ‬فيه،‮ ‬أحس فيه شغفاً‮ ‬ورغبة‮. ‬حينما أشعر بهذا سأكتب‮.‬

‮{ ‬إلى أي‮ ‬اتجاه تنتمي‮ ‬أعمالك،‮ ‬أهي‮ ‬واقعية مثلاً‮ ‬أم ماذا تصنفها‮. ‬

‮- ‬في‮ ‬البداية حاول بعض النقاد أن‮ ‬يصنفوا أعمالي‮ ‬تحت‮ "‬الرواية الوثائقية أو التسجيلية‮"‬،‮ ‬أنا كنت أرفض هذا الموضوع،‮ ‬أنا أعمل على الجانب التوثيقي‮ ‬في‮ ‬العمل الروائي،‮ ‬أي‮ ‬القضايا التاريخية والوقائع،‮ ‬تكون حقيقية بالتأكيد‮. ‬لكن محاولتي‮ ‬الابتعاد عن التوثيقي‮ ‬ومحاولة صنع مسار خاص بي،‮ ‬نقاد آخرون أدخلوني‮ ‬في‮ ‬أطار الأدب الجديد،‮ ‬أدب المهاجرين في‮ ‬العالم،‮ ‬قد‮ ‬يذكرون فلادمير نابوكوف فيما كتب عني،‮ ‬فهو أيضاً‮ ‬روسي‮ ‬كتب بالإنجليزية على سبيل المثال،‮ ‬لكن حقيقةً‮ ‬أنا لا أستطيع أن أصنف نفسي،‮ ‬لكني‮ ‬أحاول أن أجعل الوثائقي‮ ‬والحدث التاريخي‮ ‬والواقعي‮ ‬خادماً‮ ‬للعمل الروائي،‮ ‬وليس العكس‮. ‬

‮{ ‬كيف تنظر لواقع الرواية العراقية إجمالاً‮ ‬في‮ ‬الفترة الإنتقالية من مناخ الديكتاتورية إلى مناخ الديمقراطية‮.‬

‮- ‬حقيقةً‮ ‬لا أريد أن أقول بأنني‮ ‬خبير بالواقع العراقي،‮ ‬وواقع الرواية العراقية لكن أنا أتابع،‮ ‬كنت أتابع لكني‮ ‬توقفت فترة عن المتابعة،‮ ‬لكن ثمة حركة أدبية في‮ ‬العراق وثمة محاولات،‮ ‬بعض الأدباء حاولوا أن‮ ‬يقدموا شيئاً،‮ ‬وبدأ جيل جديد‮ ‬يظهر لكني‮ ‬أشعر أنه منذ‮ ‬2003 حتى هذه اللحظة من التاريخ،‮ ‬لم تتوفر للأديب العراقي‮ ‬فرصة التوقف والحداد على ما مضى،‮ ‬أي‮ ‬أن تودع الماضي‮ ‬لتبدأ صفحة جديدة،‮ ‬لم نودع كثيراً‮ ‬من الآلام،‮ ‬آلام الماضي‮ ‬ولا آلام الحاضر‮.‬

‮{ ‬وذلك لأن الألم مازال‮ ‬يتشكل ويتجدد‮.‬

‮- ‬أجل أي‮ ‬أن الألم مازال‮ ‬يتشكل كل مرة بشكل جديد،‮ ‬أحس بأن هذه إشكالية،‮ ‬أنا في‮ ‬تصوري‮ ‬أن عالم الأدب وعالم الرواية خاصة،‮ ‬يحتاج إلى نوع من الهدوء والاستقرار ليستطيع المرء كتابة رواية،‮ ‬أنا أستطيع أن أكتب مجموعة شعرية عند السير في‮ ‬الطريق،‮ ‬أسافر إلى أمريكا اللاتينية أو الهند وأكتب‮.‬

‮{ ‬أنت تعيش من كتابتك،‮ ‬وليس كالكاتب في‮ ‬الشرق الذي‮ ‬قد‮ ‬يعمل مدرساً‮ ‬لكنه روائي‮ ‬في‮ ‬الليل،‮ ‬أو سائق تكسي‮ ‬أو أستاذ في‮ ‬الجامعة أو اعلامي‮ ‬أو صحفي،‮ ‬لأن الكتابة لا توفر مصدر للعيش‮.‬

‮- ‬الأدباء الذين‮ ‬يعملون وينتجون‮ ‬يصبح لهم عمل و اسم،‮ ‬لكن طبعا ليس من كتاب أو كتابين‮. ‬ثمة في‮ ‬كل مدينة منحة سنوية أو نصف سنوية لأديب ليتفرغ‮ ‬للكتابة ويكتب كتابًا جديدًا،‮ ‬هنالك أكثر من مئة وعشرين جائزة أدبية مُعتبرة في‮ ‬ألمانيا،‮ ‬ويوجد أكثر من مئة منحة،‮ ‬لهذا أقول إن كل من‮ ‬ينتج في‮ ‬العراق‮ ‬يستحق تمثالاً،‮ ‬فكل الظروف‮ ‬غير ملائمة للإنتاج‮. ‬أنا أعد نفسي‮ ‬في‮ ‬حالة رفاهية مطلقة،‮ ‬لا نستطيع أن نقارن،‮ ‬لدينا بعض الأسماء التي‮ ‬ظهرت كأحمد سعداوي،‮ ‬وقرأت رواية عن مدينة الثورة عنوانها‮ "‬خلف السدة‮" ‬لعبد الله صخي‮ ‬وأعجبتني،‮ ‬ومن القصاصين حسن بلاسم أعجبتني‮ ‬قصصه‮.‬








عباس خضر: "الألمانية هي لساني الجديد"

46 views0 comments