• المرقاب

علم الكلام والعلاقة بين الجبر في تخيل الله عند الأمويين ومشيئة الإنسان في تخيل الله عند القدرية

Updated: Mar 10



وبكى الحسن البصري ر. (21 - 110 هـ) بعد مذبحة المتكلم الأول والأهم "معبد" ر. قائلا:

يا ليتنا كنا أطعنا معبد الجهني القدري (ت. بعد 80/90 هـ) وقاتلنا معه!

الذهبي، ميزان الإعتدال، ( ج 4 - الصفحة 141 ).


قبل الإسلام، عرف العرب ثلاثة أنظمة حكم ملكية والتي دامت لعدة قرون.

مملكة المناذرة وقصبة حكمهما الحيرة-العراق (النعمان بن المنذر آخر من ملك الحيرة في زمن الرسول ص)،

مملكة الغساسنة وقصبة حكمها في الجّابية-سوريا (جبلة بن الأيهم آخر من ملك الجابية في زمن عمر بن الخطاب ر.)، ومملكة كندة وقصبة حكمها في اليمامة ثم انتقلت الى حضرموت قبيل زمن الرسول ص وكان الصحابي الأشعث (معد يكرب) بن قيس الكندي ر. آخر ملوك كندة.


ففكرة إدارة العرب من خلال دولة ملكيّة كانت قضية مقبولة ولعدة قرون وكانت جزء من الهوية العربية التي سبقت الإسلام. انتهجت هذه الممالك العربية نهج حكم قريب من الفهم القبلي لإدارة القبيلة. لذلك ارتكزت هذه الممالك في ثبات حكمها على قوة قبيلة واحدة أجادت خلق شبكة من التحالفات مع القبائل والقوى الفارسية والبيزنطية المحيطة بها.


عقائد الممالك القديمة التي تحولت الى عقائد الجبر وعقائد القدر الإسلامية


إعتنقت المملكة المنذرية الديانة المسيحية وذلك على نهج يستمد من تفسير نسطوريوس (أحد كبار رجال الدين في القرن الخامس وبطريرك القسطنطينية (428ـ 431م)) للديانة المسيحية مسارا لها. انتشرت النسطورية في مدينة الحيرة ومن ثم في بلاد الرافدين وفي شرق الجزيرة العربية.

كما وجدت المعارضة الفارسية في الأيام الأخيرة من حياة المملكة المنذرية فرصة للتحرك بين المناذرة، خصوصا عندما إشتعلت الحروب بين المناذرة ضد ملوك فارس والتي توجت في معركة ذي قار زمن الرسول ص.

ففي تلك الأزمنة أقبل أباطرة فارس على تحريف الديانة الزرادشتية ومطاردة الذين مازالوا يتبعون النسخة القديمة الأصلية منها. مع انهيار العلاقة بين فارس والعراق وجد الملتزمين بالديانة الزرادشتية الأصيلة والقديمة فرصة باللجوء الى العراق.


التجريد والتنزيه


لعب تواجد العقيدة النّسطورية والزرادشتية القديمة والمانويّة بين العراقيين عند إسلامهم دور مهما في إشعال أعظم الثورات الإسلامية من خلال علم الكلام واللاهوتيات الإسلامية الأولى.

حيث أن النسطورية ديانة تجريدية غير تجسيمية مما يجعل من اعتنق الإسلام منهم ضد التجسيم والتشبيه.

(تريزا هاينتالر، المسيحيون العرب قبل الاسلام، ترجمة الاستاذة لميس الفايد) أيضا (ذو الفقار علي شاه، الأوصاف التجسيدية للخالق في التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي: تمثيل ما لا يمكن تمثيله).


كما أن الزرادشتية القديمة تنزه الرب فلا تنسب الشر الى الإله بل الى الشيطان وتقول ان الشر يتحقق على يد وأفعال وكسب الإنسان، مما يجعل من يعتنق الإسلام منهم أقرب الى الانضواء تحت العقيدة القدرية ضد الجبرية. (خليل عبدالرحمن، أفستا) أيضا (د. الشفيع الماحي أحمد، زرادشت والزرداشتية)


التجسيم ونسب الشر الى الله


إعتنقت المملكة الغسانية الديانة المسيحية الأرثوذكسية المونوفيزية/اليعقوبية. اليعاقبة من أكثر الديانات المسيحية القديمة تجسيما في فهم طبيعة المسيح عيسى عليه السلام. كما أن لليعاقبة فهم صارم لمعنى القضاء. عقيدة تقلص دور الإنسان وتضخم دور الإله في تسير حياة المؤمن. لم يتقبل أهل الشام الإسلام. واستغرق الأمر ثلاثة قرون لكي يعتنق نصف مسيحي بلاد الشام الإسلام. مما مدد عمر ثقافة التجسيم والجبر بين المسلمين. وفي صدر الإسلام عندما اعتنق بعض أهل الشام الإسلام جلبوا معهم التجسيم والعقيدة الجبرية. (تريزا هاينتالر، المسيحيون العرب قبل الاسلام، للكاتبة ترجمة الاستاذة لميس الفايد) أيضا (ذو الفقار علي شاه، الأوصاف التجسيدية للخالق في التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي: تمثيل ما لا يمكن تمثيله).


مع الرسول ص نزل القران، رسخ القران معاني العدالة السماوية.


بعد ذلك ولمدة ثلاثين عاما تمتع العربي بهامش من الحرية والقدرة على التعبير بآرائه بدون مشاكل بضمان الخلفاء الممثلين للإرث النبوي. فدول الخلافة الراشدة الأربع وفرت أوسع المساحات الممكنة للعربي في التاريخ الإسلامي إلا أن هذا لم يدم.


تصدعت الأمور في فترة خلافة عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية الأموي ر. سليل أمية بن عبد الشمس.

علينا التذكر أن أمية بن عبد شمس نفي إلى الشام لعشر سنوات. ففي تلك المدة توطدت علاقات أمية (وبنيه لاحقا) مع رجالات الساسة والديانات في الشام.

فيُنْسَبُ الى عثمان رضي الله عنه أنه وصف الله تعالى الكبير المتعال بأنه من ألبسه قميص الخلافة:

" لا اخلعن قميصاً قمصنيه الله" البداية والنهاية.


في حين أنه ورد في كتب السير والتاريخ أن أهل الحل والعقد في المدينة المنورة من خلال مبدأ الشورى القرآني ومن خلال آلية الفاعلية الإنسانية هي التي رشحته وصوتت له وأوصلته الى كرسي الحكم.

أمام هذا الفهم الجبري لللاهوت وأمام هذا الفهم لمعنى وطبيعة مشيئة الله التي تصور أن الله تعالى يتدخل في تفاصيل الحياة اليومية والإجتماعية والسياسية الإنسانية دون مشيئة بشرية هكذا يكون عثمان رضي الله عنه عبدا مطيعا لهذه المشيئة الإلهية. فلن يعارض مشيئة الله الراغبة باستمراره في الحكم وعليه أن لا يتطوع بالاستقالة عن الحكم إذعانا لتذمر أهل الحل والعقد في المدينة المنورة من أداء حكومته في الأمصار.


خلافا لسنة عمر بن الخطاب ر. قام عثمان ر. بتوسيع إمارة معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي من مجرد مدينة واحدة (دمشق) لتشمل كافة ديار الشام مع جزيرة الفرات مع أطراف فارس مع أذربيجان مع أطراف أرمينيا مما كدس تحت يدية ثروات طائلة وجيوش كبيرة. كما أنه دربه على الحكم عندما أمر كل من لدية مشكلة مع نهج إدارة عثمان الأموي ر. للحكم من المرور على معاوية الأموي ليبت له في الأمر. من المهم أن نعلم أن عمر بن الخطاب دحر المملكة الغسانية وسلمها كاملة بكل مؤسساتها وأطقم دواوينها ورجالاتها وجيوشها وكافة قدراتها كمملكة لمعاوية بن أبي سفيان. اجتماع الأمور بهذه الصورة أحيت المملكة الغسانية تحت إمرة معاوية وعادت قياداتها المسيحية اليعقوبية الى البروز مجددا من خلال شخص يوحنا الدمشقي وإبنه. الذي جلب العقائد التجسيمية ونسبة الشر الى الله بالقول أن كل أفعال الإنسان الشرية حصلت بقدر الله ليس بقدر الإنسان. مما مهد للعقيدة الجبرية بولادتها في النسخة الإسلامية. (كتاب منصور بن سرجون المعروف بالقديس يوحنا الدمشقي عصره حياته مؤلفاته – المكتبة البولسية).


ما كان لمشهد إعداد عثمان الأموي ر. لتوريث حكم الدولة الإسلامية إلى بني أمية ليغيب عن بصيرة علي بن أبي طالب ع.س. وعندما وصل الى دفة الخلافة وطد علي بن أبي طالب علاقته مع ما تبقى من مملكة كندة ومملكة المناذرة. فقرب آخر ملوك كندة الصحابي الأشعث (معد يكرب) بن قيس الكندي ر. ونقل قصبة حكمه الى الكوفة وهي مدينة تبعد فقط ٥ كليومترات عن الحيرة عاصمة المناذرة. وقرب القبائل النسطورية من رجالات تنوخ وقبيلة عبد القيس خصوصا من أسلم منهم. هذا التوطيد يفسح المجال لتحول العقيدة اللاهوتية النسطورية التجريدية ولعقيدة تنزيه الله الزرادشتية من فعل الشر ونسبتها الى الشيطان والإنسان من التبلور إسلاميا.


الإصطفاف الغساني الشامي التجسيمي الجبري خلف بني أمية من جهة

والإصطفاف المناذري التجريدي التنزيهي القدري خلف علي بن أبي طالب

رسم ملامح الأمة في ضحاها ومازال الى اليوم له تأثيراته المباشرة وغير المباشرة.

العقيدة الجبرية قاعدة العقيدة السياسية الأموية



مع إنطلاق الحكم الأموي تشكلت رؤية مغايرة لمفهوم الدولة وسيادتها يختلف عن ذلك الذي كان سائدا في عهد دول النبوة والخلافات الراشدة الأربع.



خذ مثلا في محض حديثه الى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ردد يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فكرة أن الله تعالى الذي قتل الحسين وليس جيشه وأن الله تعالى الذي أوصله الى الحكم وليس الشروط العسكرية والغلبة المادية وتجمع الأسباب لصالحه التي أوصلته الى الحكم.

"يا علي، أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت"

(الطبري، تاريخ الطبري: 3/339)


وسارت الدولة الأمية من خلال عقيدة مفادها:


و الله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه


و أخرج بإسناد فيه الكديمي و هو متهم بالكذب عن ابن جريج عن أبيه قال : خطبنا عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزبير عام حج سنة خمس و سبعين فقال بعد حمد الله و الثناء عليه : أما بعد فلست بالخليفة المستضعف ـ يعني عثمان و لا الخليفة المداهن ـ يعني معاوية و لا الخليفة المأفون ـ يعني يزيد ألا و إن من كان قلبي من الخلفاء كانوا يأكلون و يطعمون من هذه الأموال ألا و إني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم تكلفوننا أعمال المهاجرين و لا تعملون مثل أعمالهم ؟ فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا و بينكم هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته و موضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا ألا و إنا نحمل لكم كل شيء إلا وثوبا على أمير أو نصب راية ألا و إن الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي و الله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه و الله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ثم نزل.


[ تاريخ الخلفاء – السيوطي، 190 ]



لقد شمل بني أمية لعقيدة الجبر بعطفهم وسمحوا لها بالتمدد والتوسع في أرجاء الدولة الأموية.

وتقوم هذه العقيدة على أنه لا شريك لله في فعله، متجاهلين كل الأيات القرآنية التي تثبت أن للإنسان إزرا يكسبه ومشيئة الكفر والإيمان يفعلها ويمارسها. وفسروا الآية "أن الله يهدي من يشاء" بنسبة المشيئة الى الله تعالى في حين أن الله يقول في هذه الآية إنه يترك لمن يشاء من بني البشر السبيل لتحقيق مشيئته من هداية أو غواية.

فنفى الجبرية، رعاية لمورثاتهم القديمة، أن يكون لغير الله فعلا أصلا، بل كل ما في الكون هو فعل الله تعالى، والعباد مجبرون على أعمالهم ليس لهم فيها اختيار ولا قدرة عليها، ويعرف هؤلاء بالجبرية (البيهقي ،الَإعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد).


إستغل بني أمية العقيدة الجبرية المتطرفة وقام بني أمية على قتل الناس على الظن بدون محاكمة على أساس: إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأرى الدم يترقرق بين العمائم واللحى.


والأسوأ أن بني أمية كانوا يقولون للناس بما معناه:


لا تزعلوا علينا لأننا قتلناكم على الظن. فنحن مجرد أدوات في يد الله. والله الذي كتب قتلكم. فنسبوا فعل الإنسان الى الله تعالى. ونسبوا اليه تعالى وتمجدت أقداسه فعل الشر من خلال العقيدة الجبرية.


ومصداق ذلك ما رواه المقريزي عن غيره أن التابعين قدموا الى الحسن البصري يشتكون اليه قائلين:

إنّ هؤلاء يسفكون الدّماء ويقولون إنّما تجري أعمالنا على قدر الله.


أمام تطور العقيدة الجبرية كحليف لسياسة الدولة الظالمة تشكلت المعارضة تحت لواء العقيدة القدرية


يونس الأسواري أو سيسويه الأسواري رضي الله عنه


أمام هذا الظلم الهائل ظهر رجل في البصرة يقال تارة أن إسمه يونس الأسواري ومن أنه مسيحي (نسطوري) أسلم وتارة يقال أن إسمه سيسويه وأن ديانته مجوسية زرادشتيه وثم أسلم (ابن حجر لسان الميزان).

وسبب هذا الإلتباس في فهمنا أنهم نسبوه تارة الى النسطورية وتارة الى الزرادشتية في آن واحد لأنه إجتمعت في مقالته أمر نسطوري وأمر زرادشتي:


حيث أن النسطورية ديانة تجريدية غير تجسيمية مما يجعل من اعتنق الإسلام منهم ضد التجسيم والتشبيه.

كما أن الزرادشتية القديمة تنزه الرب فلا تنسب الشر الى الإله بل الى الشيطان وتقول ان الشر يتحقق على يد وأفعال وكسب الإنسان، مما يجعل من يعتنق الإسلام منهم أقرب الى الانضواء تحت العقيدة القدرية ضد الجبرية.


فكان لهذا الرجل البصري الصالح يونس/ سيسويه أن تعرف على تابعي صالح إسمه معبد بن عبدالله الجهني البصري. فكأنما قام المدرس ر. بتوسيع مدارك معبد الجهني رضي الله عنه في فهم معنى وأبعاد وخلفية المعتقد الجبري وبعدها الأرثدكسي اليعقوبي الغساني.


تأثر بأفكار معبد الجهني (ت. بعد 80/90 هـ) رجال بنسبة وتناسب متفاوتة منهم:

1 القاضي عطاء بن يسار (29 هـ - 103 هـ) أحد فقهاء المدينة السبعة.

2 الحسن البصري (ت. 110 هـ) .

3 واصل بن عطاء (ت. 131 هـ).

4 معاوية (ر.) بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (ت. 64 هـ) (تاريخ مختصر الدول بن العبري).

5 عمر المقصوص (ت. 64 هـ) (تاريخ مختصر الدول بن العبري).

6 غيلان بن يونس القبطي الدمشقي الأسكندري (ت. 106هـ).

7 الزاهد عمرو بن عبيد (ت 143 هـ).



(https://research.rafed.net/الفرق-والمذاهب/509-السنة/القدريّة/علماء-القدرية/2316-دعاة-الحرية)

أنظر أيضا ( يوسف زيدان، اللاهوت العربي، ص:161-164) وغيره.


تشويه مقالات معبد الجهني وأهل القدر


إنّ نضال اهل القدر في العهد الأموي كان ضدّ ولاة الجور الّذين كانوا يسفكون الدماء وينسبونه إلى قضاء الله وقدره، فهؤلاء الأحرار قاموا في وجههم وأنكروا القدر بالمعنى الّذي استغلّته السلطة وبرّرت به أعمالها الشنيعة ضد المعارضة.

لكن بني أمية قاموا بتشويه سمعة أهل القدر. حيث روجوا أن أهل القدر ينكرون جملة وتفصيلا القضاء والقدر وليس فقط ينكرون أن ينسب الشر الى الله تعالى. علما أنه من البعيد جدّاً من مسلم واع أن ينكر القضاء والقدر الواردين في الكتاب والسنّة على وجه لا يسلب الحريّة من الإنسان ولا يجعله مكتوف الأيدي.


https://research.rafed.net/الفرق-والمذاهب/509-السنة/القدريّة/علماء-القدرية/2316-دعاة-الحرية


خذ مثلا ما ورد في صحيح مسلم ضد معبد الجهني ر.:


جاء في صحيح مسلم: «عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَال: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَداً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ (ص) فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّـقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْـنُ عُمَـرَ بْنِ الْخَطَّاب [ت: 73] دَاخِلاً الْمَسْجِدَ... فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ، يقرؤون الْقُرْآنَ... وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، لَـوْ أَنَّ لِأَحَدِهِـمْ مِثْـلَ أُحُـدٍ ذَهَـباً فَأَنْفَقَهُ، مَـا قَبِلَ اللهُ مِنْـهُ حَـتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ».

فهذا النص شاهد على كيف قام يحيى بن يعمر ر. وحميد بن عبدالرحمن الحميري ر. بنقل صورة مختزلة مقصودة ربما عن مقالة معبد الجهني بحيث لا يمكن لأحد بعد هذا الوصف من أن يتعاطف معه.

بمعنى آخر بمثل تلك المقدمة هما جعلا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما من خلال هذا الإختزال المغتضب أن يقف ضد معبد وينكر عليه مقالته.


لكن الذي ينظر إلى الواقع الذي نشأ فيه القول بالقدر يجد أن المسألة كان ينظر إليها من الناحية الأخلاقية، لا من الناحية الفلسفية، فالبُعد الأخلاقي كان حاضراً ومؤثراً في نشوء القول بالقدر، وهذا البُعد الأخلاقي ـ الذي كان باعثاً على بروز هذه القضية ـ

مثلا يُفهم من مجيء معبد الجهني [ت: 80] وعطاء بن يسار [ت: 103] إلى الحسن البصري [ت: 110] قائلين له:


«يا أبا سعيد إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون الأموال، ويفعلون ويفعلون، ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله، فقال: كَذَبَ أعداءُ الله».


(حسن الخطاف)

https://shababtafahom.om/post/2031/القدرية-الأوائل-فكرهم-العقدي-وتوجههم-السياسي

(ابن قتيبة، المعارف: 441).


هنا نشاهد كيف أن حسن البصري ر. فهم أبعاد مقالة معبد الجهني ووافقه عليها.


القدرية نِسْبَةٌ إلى القول بالقدر، والمراد به هنا إنكار إضافة الخير والشر إلى الله، والمراد بالخير والشر هنا أفعال العباد وتصرفاتهم؛ أي إن الإنسان مسؤول عن تصرفاته؛ لأنه هو المحْدث لها، وأن هذه التصرفات لا تسند إلى الله تعالى لِما فيها من قبحٍ وشرور؛ يقول الإيجي [ت: 756]: «ويلقبون بالقدرية لإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم». (الإيجي، المواقف: 3/652 )


ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي


الروح الثورية كانت غالبة في ضمير معبد الجهني. وخرج مع ابن الأشعث في ثورته على الحجّاج بن يوسف، فخرج وأقام معبد الجهني بمكّة فقتله الحجّاج صبراً بعد أن عذّبه، وقيل صلبه عبد الملك بن مروان في دمشق على القول بالقدر ثمّ قتله.

وقال المقريزي في خططه: «أوّل من قال بالقدر في الإسلام معبد بن خالد الجهني وكان يجالس الحسن بن الحسين البصري، فتكلّم بالقدر في البصرة، وسلك أهل البصرة مسلكه لمّا رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، وأخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له أبو يونس سنسويه ويعرف بالأسواري، فلمّا عظمت الفتنة به عذّبه الحجّاج وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان، سنة ثمانين من الهجرة


وذكر الذهبي


معبد الجهني تابعي. صدوق وثقه ابن معين. وقال جعفر بن سليمان: حدثنا مالك بن دينار، قال:

لقيت معبدا الجهني بمكة بعد قتاله ابن الأشعث، وهو جريح، وكان أي معبد قد قاتل الحجاج في المواطن كلها،

قال (غير واضح من قال): لقيت الفقهاء والناس فإذا كلام نادم على قتاله مع الحجاج، (يعني أن الناس الذين قاتلوا مع الحجاج نادمون)

فلم أر مثل الحسن (يعني مثل ندم الحسن البصري) قال: يا ليتنا كنا أطعناه يعني أطاعوا معبد الجهني في قتاله ضد الحجاج.

الذهبي، ميزان الإعتدال، ( ج 4 - الصفحة 141 ).


خاتمة


حروب علم الكلام أو اللاهوتيات كانت وقود الحروب الأولى في صدر الإسلام. ففي تلك الفترات دخلت المعتقدات اليعقوبية الأرثوذكسية في مواجهة مع المعتقدات النسطورية و المعتقدات الزرادشتية. دخلت باسم الجبرية الأموية ودخلت باسم القدرية الثورية المعارضة.


ذلك الرعيل الإسلامي القديم حاولوا أن يرسموا الحدود بين مشيئة الإنسان ومشيئة الله. بين إدعاء الإنسان أنه ممثل الله وسيفه وأسده الغالب وقوته القاهرة وبين أن الله منزه وأن أفعال الإنسان من مكاسبه وأوزاره التي يحاكم عليها في الدنيا عبر القضاء النزيه العادل وفي الآخرة عند الملك العدل القسط.



د. محمد الزّكري القضاعي

دراسات إسلامية

جامعة إكستر البريطانية

إشترك بمجلتك "المرقاب" .....من أجل  أن تصلك المعلومات

.أول بأول رجاءا إكتب بريدك الإلكتروني في الصندق السفلي واضغط  Subscribe 

Subscribe to Our Newsletter

  • White Facebook Icon

 2020 © alMirqab.Das.Monokel 

almirqab.das.monokel@gmail.com