• المرقاب

عندما يعشق مصري مدينة أصفهان


هاني بكري الشاب المصري المتميز يفاجئنا بهذا النص الإبداعي حول مكان سياحي روحاني أثري تاريخي لمدينة أصفهان الإيرانية ... دعونا نتمتع بهذا النص .....:





أصفهان يا أصفهان.. يا مدينة طالما تمنيت رؤيتها، وفض مغاليقها، والسهر تحت أشجارها الباسقة الغناء. كثيرا ما تخيلت مدينة، فلما زرتها كانت أصغر من خيالي، إلا أنت، حين دخلتك عرفت كم كان خيالي متواضعا فقدمت اعتذاري على أبوابك. ليل يتعشقه قمر أخضر، هكذا ليلك يا مدينة الحرير، ليل يدفع للاعتراف بأن المدن كلها مخاتلة، وكاذبه يا أصفهان إلا أنت. ليل يهديني كل هذا الجمال الهارب من كتاب الأساطير، ويهيئني لأن تضرب قلبي عاصفة خضراء، ويسلمني إلى شجر، يسلمني إلى ماء، يسلمني إلى ضوء قمر ينير المكان. مسحورا بالضوء كنت أسير باتجاه (نقش جهان) نصف العالم، حين عبرت عتباته هالتني مساحة البهو الشاسعة، توقف الوقت، ودار الجميع عكس عقارب الساعة. أكان عليّ أن استنطق الحجر، والخشب المعشق؟ أجبني قل للغريب العابر: كم تهاوت ممالك، وقامت أخرى على هذه الأعتاب؟ كم خرجت من هذه الأبواب جيوش، وكم استباحت تلك الساحة جيوش؟ وأي عاشقة ألقت بمنديلها المطرز لفارسها المستهام من خلف هذه الحجب العالية؟ فتجيب الريح؛ أنصت يا فتى؛ فثمة رائحة غابرة في المكان لليل شتوي، وعزف عود، ورقص شبقي. وصوت أجش نادى: افتحوا الأبواب يا حراس. فملئت الساحة وقضي الأمر. أمراء مترفون، وجوار يلعبن في الأفنية. حاشية تحاول ضبط إيقاع الوقت على الساعة المعلقة فوق العرش، تجار على طريق الحرير، خدم وحشم، وأم ثكلى تبكي ابنها المعلق على القوس الأمامي للبوابة. ويمر الغريب بجانبي يحادثني بلكنة غريبة من أين العابر؟ من بعيد.. بعيد جدا، وأنا الليلة على موعد مع الخيام، كي نشرب على ذكر الحبيب مدامة، فدلني على الطريق إليه. يصيح الغريب للعابر، خبء الراح يا صاح، فبلادي مضروبة بعاصفة من رمل، والسماء مختطفة. وكنت وحيدا في الساحة، أحاول الولوج إلى قلب الدائرة ويردني وترها المشدود.

(2)

على أطراف المدينة، كان الجبل عاليا جدا، وغير معد للصعود، على قمة الجبل العالية يقبع معبد النار، بقايا مهدمة، وأخرى تقاوم عوامل التعرية. معبد النار، كان المعبد الأساس للمجوس، فيه كانوا يقدون النار فتضيء فارس كلها. قيل لنا من أراد الصعود فليرتق، والجبل صعب المرتقى وغير ممهد، لكنها المغامرة ورحلة البحث عن الحقيقة، رحلة الطائر الأسطوري السميذع الذي طار باتجاه الشمس. بدأت بالصعود، وبدا الطريق إلى القمة بعيدا، شمس حارقة تصب فوق رأسي نارها، وقمة عنيدة تخرج لسانها لي وتدعوني للصعود، غير عابئ أنا من أن الحذاء الذي ارتديه غير معد لذلك، وأنه ناعم جدا بحيث يدفعك للهاوية، لكن الرحلة لا بد أن تبلغ منتهاها، صعدت، وصعدت، والمعبد عال وبعيد، والطريق شديدة الانحدار. قبل القمة بقليل، تدحرج الحصى تحت حذائي الناعم، وقعت، وصرت أنزلق، تشبثت بما تبقى تحت يدي من حجارة رخوة فهوت. إذا أنا أهوي أيضا نحو السفح، أسقط، ألامس الأبدية، وأقارب الخروج إلى النهار، يا لها من مفارقة مضحكة، أنا القادم من مدينة ريفية في أعماق الدلتا المصرية، مدينة هادئة ووديعة، وتنام كحيوان مستأنس في حضن النيل، أموت هنا على جبل النار في أصفهان. ورأيت في ما يرى المشرف على الأبد رؤيته الأخيرة. رأيت نيتشة فيلسوف العدم يكتب آخر وصاياه.. «على المرء أن يعانق الموت حين يأتيه، فنحن لا شيء، لا شيء، نحن عابرون، وعالقون كذرة معلقة بين شعرتين في ريشة طائر يحلق في سماء عنيدة» ورأيت ابن عربي يدون آخر ما تلقى من فتح «أقيانوس العدم على مرمى البصر، فارفع قلبك من تحت قدميك وسر» وتلاشى في الصمت. في لحظة فارقه تشبثت بحجر، قاومت بكل ما أوتيت من قوة ظننتها يوما خارت وكرهت الحياة، فمنحتني بعثا جديد. استويت قائما، ونزلت من الجبل حافيا. جلست بجانب النهر محدقا باتجاه الجبل، ومنتظرا التلقي.




هاني بكري

إعلامي مصري

إشترك بمجلتك "المرقاب" .....من أجل  أن تصلك المعلومات

.أول بأول رجاءا إكتب بريدك الإلكتروني في الصندق السفلي واضغط  Subscribe 

Subscribe to Our Newsletter

  • White Facebook Icon

 2020 © alMirqab.Das.Monokel 

almirqab.das.monokel@gmail.com