• المرقاب

عيد البحرين الوطني وسؤال الهوية والتاريخ، قضية الوجود والحب، مشاعر العزّة والكرامة





عندما أكتب عن البحرين أكتب عن سيرتي وهويتي عن تاريخ وجودي، أيامي، فرحي و زعلي، إنجازي و إخفاقي. فكلمة البحرين مفردة كبيرة صعب علي أن أختزلها في قصة وخبر، في رواية وسردية واحدة.

لكن لعيد البحرين الوطني ذكريات جميلة. فأنا لا أنسى مجالس آل خليفة الكرام في الستينيات والسبعينيات وأبنآء القبائل الذين كانوا يعجون في المجالس وأحاديثهم وسواليفهم. ذكريات عبق البن وقرع الفانجين بالدلال واصوات سواليف الرجال لا تمسحها السنون من ذاكرتي.


العاهل البحريني الملك حمد، حفظه الله، مع الراحل حاكم البحرين السابق الشيخ عيسى طيب الله ثراه.



في ذكرى العيد الوطني لمملكة البحرين العزيزة سأكتب عن أيام الطفولة والحس العروبي الذي كان ينعش أجواء البحرين في السبعينيات ويطيّب هواءها نتيجة الإستقلال.



العاهل البحرين الملك حمد ، ورئيس الوزرآء و ولي العهد الأمير الشاب سلمان، حفظهما المولى عز وجل.



ما زالت ذاكرتي تتذكر مشهد عربات الجيش البريطاني التي كانت تجوب شوارع العاصمة. كيف لي أن أنسى الريش الحمراء على قبعات جند الإنكليز وشواربهم المائلة إلى الشقار. ألوان لم تألفها عيناي عند رؤيتي لرجال عربنا من أهل البحرين والسعودية. لا أنسى محاولة العسكر البريطاني في أواخر شهور تواجدهم في مملكة البحرين بكسب ود قلوب الأطفال كآخر ذكريات لتواجدهم قبل رحيلهم النهائي. فمن حين لآخر تتوقف عرباتهم ليخرج منها جنودهم ليتوددوا ويتحدثون مع الأطفال ولإعطائنا الحلوى على الرغم من أننا حينها لم نعرف من الإنكليزية غير هللو و نو و يس.

رحل الإنكليز في 15 أغسطس من عام 1971. واجتمع العرب مع الأسرة الطيبة الحكيمة من آل خليفة واتفقوا على دمج فرحتين في يوم واحد ليكون يوم 16 ديسمبر عيد أعياد أهل البحرين. ففي هذا اليوم نحتفل بعيدين، عيد رحيل عسكر الإنكليز (وليس الإنكليز فبيننا وبينهم علاقات جيدة وقديمة وما زلنا نحافظ عليها)، وعيد اعتلاء حاكم البحرين المحبوب عيسى بن سلمان الخليفة، رحمه الله تعالى، كرسي الحكم ( 1961-1999 )

الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة الذي إستقلت المملكة أبان حكمه رحمه الله تعالى

لحداثة سني لم أكن أعلم أن البحرين استقلت فوعيي السياسي لم يفطن حينها لمثل هذه الأمور، لكنه فطن إلى تلك النشوة التي كانت تحركني أيضا وإن كنت طفلا. فذاكرتي رصدت تغير من نوع آخر في الشارع البحريني تغير طرأ مباشرة بعد رحيل الإنكليز. فذاكرتي خزّنت ما رأته من أحاسيس العزة والافتخار بين العرب التي إنعكست على سلوكياتهم العامة نتيجة إستقلالهم. كما أن ذاكرتي لمحت عودة انتشار لبس الثوب العربي وغطاء الرأس (الغترة) والعقال الأسود بين البحرينيين. ولكن أهم من كل ذلك هو ما جسده عرب البحرين من مشاعر العزة والنخوة بالاستقلال وعودة السيادة كاملة الى شيوخهم من خلال أشعارهم. فقرحت إكنّة أبناء الضاد بقصائد أمسكت على وجدان البحرين الجمعي الفياضة في كلمات موزونة أرّخت لتلك المشاعر المباركة. من الشعراء الذين أرخت قصائدهم ودونت لهذه المشاعر العروبية هو الشيخ عيسى بن راشد الخليفة رحمه الله تعالى ت. 2020.

وأعني تحديدا قصيدة ” من خلقت الدنيا “


من خلقت الدنيا واحنا هل البحرين بالجود ويا الكرم والعز معروفين احنا اللي في أرضنا كل الحلا والزين واحنا اللي في بحرنا دانات منثورين يمضي العمر عندنا ما تذكره السنين بالجود ويا الكرم والعز معروفين احنا القمر لي ظهر وقف ينادينا حتى القمر عندنا يحب غناوينا والعود ما قط سكت يحيى ليالينا بالجود ويا الكرم والعز معروفين


لا توجد قصيدة استطاعت أن تجسد كلماتها مشاعر نشوة الاستقلال والفرحة الجارفة بين عوائل البحرين بالاستقلال مثل هذه القصيدة. رصدت هذه القصيدة ما كانت عليه أيام السبعينيات. رصدت الأمال والطموح ورغبتنا العارمة بالبناء من خلال الاعتماد على سواعد الأبناء ومن خلال إدارة عقول الأبناء.

في تلك الفترة كان مغني بحريني رائع يبرز بشكل تدريجي الى السطح المحلي والعربي وأقصد تحديدا المغني البحريني الرائع والمتميز أحمد الجميري. فهذا هو المغني يعبر بكلماته الشخصية عن بلوغه خبر تَقَصَّدْ الشيخ عيسى بقصيدته ” من خلقت الدنيا ” في أحد اللقاءات الصحفية قائلا : انا احساسي عاطفي جداً لذلك حتى الاغاني الوطنية التي غنيتها عن البحرين هي اغاني عاطفية مثل من خلقت الدنيا واحنا هل البحرين ، تلاقي فيها الحماس، تلاقي فيها الهدوء فيها العاطفة والحنان.

رابط الأغنية




والأغنية المهمة الأخرى قصيدة ” يا الزينه ذكريني”. وهي أيضا قصيدة للشاعر عيسى بن راشد رحمه الله تعالىومن غناء أحمد الجميري.


أجادت هذه القصيدة في الحديث نيابة عن مشاعر ذلك البحريني المتواجد في كل الأماكن يعمل بكد طالبا الرزق الحلال. ولكن كدح البحريني في هذه الحياة لا يكون أبدا سببا ينسيه أجمل شيء في وجوده الوطني “البحرين”. نجح الشاعر في جعل “الزينة” الإسم الرمزي للمعشوقة الكبرى البحرين. ” يا الزينه ذكريني” قصيدة رفعت همة الذين شاهدتهم من الرجال الكادحين في كل مكان من أن يرددوا بحماس مع أحمد الجميري عند سماعهم له وهو يغنيها. شعرت حينها بحجم أحاسيس العرب المكتنزة لقيم الحب والوفاء للوطن. ففي هذه القصيدة الوطن هو الحب والعشق والهمّة والعمل والبناء.


يا الزينه ذكريني يا الزينة ذكريني لي غيبتني بحور وبشوق ناديني يمكن الدنيا اتدور وآرد ويا الصيف ولا الشتا لي رد ولا مع الأشواق وقت الربيع والورد وأنا بعيد بعيد ما عندي غير الآه حملت نجم السما شوقي لكم وياه وصيت طير الفلا ولا حمل لوصاه حملت موج البحرسلامي ما وداه

بارد ويا الصيف ولا الشتا لي رد ولا مع الأشواق وقت الربيع والورد حلفت يا الزينة ما فارق البحرين في قلبي مزروعة ومحفوظة وسط العين اشتاق اشم العود واوله على الطيبين والحنا لي خطوه وساود على الكفين

بارد ويا الصيف ولا الشتا لي رد والا مع الأشواق وقت الربيع والورد



رابط الأغنية



والأغنية الثالثة التي رصدت مشاعر الاستقلال والفرحة هي قصيدة ” خضر نشلج” للشاعر المتميز عبدالرحمن رفيع رحمه الله تعالى ت. 2015.


خضر نشلج على عودج تزينينه ولا يزينج وأحب هالورد الدايم ربيع أحمر على خدودج وأحب السحر الفتان ينبع نور من عيونج وأحب الحنة لين ينبان ويبرق فوق ظفر ريلج وتقولين يا بعد جبدي وأقول لج يا نظر عيني أعرفج زين أعرفج من المحرق وصيف العين بحريني.



والتي غناها المغني القدير والرائع أحمد الجميري



رابط الأغنية


إن هؤلاء الرجال وهذه القصائد وهذه الأصوات وهذه الأغاني تاريخ يجب أن يعود إليه ليس فقط البحرينيون بل كل العرب.


تاريخ رصد مشاعر الاستقلال لجماهير مخلصة. ذكريات السبعينيات ليست فقط تاريخ صبانا بل تاريخ تكويننا، تاريخ هويتنا، وحسّنا الانتمائي إلى هذه المملكة الجميلة.


إنه تاريخ التحام أبناء العرب مع أبناء آل خليفة في مشوار واحد، في قارب واحد، في بلد واحد، لا لشيء سوى الحب والمحبة والأمل والعمل لبناء شيء جميل اسمه “البحرين”.

فمنذ ما سرد جلجامش، ملك أورك أسطورة البحرين واحنا بالجود ويا الكرم والعز معروفين.


د. محمد الزّكري القضاعي