• المرقاب

حوار فلسفة الأديان مع المفكر العماني صادق جواد







بدر العبري: يسر قناة (أُنْس) اليوتيوبيّة أن تستضيف المفكر العماني صادق جواد، ضمن برنامج حوارات الحلقة (104)،


ومع الحلقة السّادسة ضمن مشروع صادق جواد، واليوم نتحدّث عن فلسفة الأديان، ومسألة الأديان من المسائل المعقدة، ابتداء من قضيّة وجود الإله وتعدّدها، مرورا بصفات الآلهة وتفسيراتها، ثمّ قضايا الماورائيات والشّعائر والطّقوس الدّينيّة، وحتى الخرافات المرتبطة بالأديان وصراعها مع الفلسفة التّجريبيّة والعلمويّة، وأخيرا بنظريّة موت الإله كما عند نيتشه [ت 1900م]، واليوم تناقش قضايا فلسفة وحوار الأديان في عالم العولمة والكوكبة.


والأستاذ صادق جواد عاش مع الأديان في شبه القارة الهنديّة مع الهندوس والبوذيّة والجينيّة والسّيخيّة والزّرادشت، بجانب الجماعات والمدارس الإسلاميّة، والطّرق الصّوفيّة والعرفانيّة، وعاش في أمريكا متأملا المسيحيّة بمذاهبها، والبروتستانتية بكنائسها، واليهوديّة بتوجهاتها، وأديان هنود الحمر والسّكان الأصليين، بجانب الاطّلاع الفلسفي العميق، فما نهاية خلاصة صادق حول الأديان وفلسفتها؟


صادق جواد: نحن هنا بصدد النّظر إلى طبيعة الدّين نفسه، ويقابل هذا ماذا نقصد بالفلسفة، بداية الفلسفة والدّين يختلفان جذريّا في المرجعيّة المعرفيّة، بالفلسفة أقصد الفكر الحر المسند بالمعرفة العلميّة، بالدّين أقصد الأديان عامّة.

في الفلسفة المرجعيّة المعرفية الرّئيسة إنسانيّة، أي أنّها العقل، وفي الدّين هي الوحي أو الإلهام، ومصدر الكتب المنزلة أو الملهمة، ومعطى العقل متطوّر بتطور المعرفة، وأمّا معطى الوحي أو الإلهام مقدّس لا يمس، هذا عن طبيعة الدّين وعن طبيعة الفكر الفلسفي.

ومع هذا لا نعدم في البحث الفلسفي سعة للمقاربة بين الفلسفة والدّين، حيث يمكننا النّظر إلى الدّين من منظور فلسفي، وإلى الفلسفة من منظور ديني، المقاربة تبدي أنّه رغم التّباين الجذري بينهما في المرجعيّة المعرفيّة، إلا أنّ هنالك تلاق بين الاثنين عند مقاصد إصلاح الإنسان وإنمائه وإسعاده.

أضف إلى ذلك أنّ الفلسفة والدّين توازيا تاريخيّا في ترشيد حياة الجماعات، وتهذيب أخلاق الأفراد.

الفلسفة من منظورها ترى الدّين نتاجا إنسانيّا، وإن كان مؤسسوا الأديان قديما عزوها لمصدر إلهي، ومن ثمّ درج العوام على قبول كونها كذلك حتى يومنا هذا.

الفلسفة تفهم الدّين وتتفهم محتوياته من معتقدات غيبيّة، وتخمينات طبيعيّة، وشعائر تعبديّة، وشرائع حياتيّة، ومنظومات أخلاقيّة.

أمّا الدّين من منظوره فيرى الفلسفة خصما متحديّا لأطروحاته، لذا يتعامل معها بارتياب، كمثل ما نجده في أدبياتنا عند الإمام الغزالي [ت 505هـ] في كتابه الشّهير تهافت الفلاسفة.

النّقطة الثّانية هنالك صلة تسلسليّة بين الثّقافة والدّين والحضارة، الثّقافة هي الأصل، تنشأ تلقائيّا في كلّ مجتمع صغير أو كبير، ومن رحم الثّقافة يولد الدّين، ومن توسع الدّين تنبثق الحضارة، وفي خبرتنا الحضارة الإسلاميّة انبثقت من ترافد وتمازج معطى الإسلام كدين، ومعطى الفلسفة كفكر حر، ومن المسلمين وأنا أحدهم من يرى الانتماء للحضارة الإسلاميّة أوسع أفقا، وأشرح نفسا من الانتماء إلى الإسلام كمحض دين.

النّقطة الثّالثة الدّيانات والحضارات الرّئيسة الّتي امتدت إلى عصرنا من زمن قديم، فثلاثة منها، اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، تعرف بالسّماوية وأيضا بالإبراهيميّة، منشؤها المشرق العربي، وهي تتماثل في جلّ معتقداتها الغيبيّة، وأطروحاتها حول الكون والحياة والإنسان حيّا، وبعد الموت.

ثلاثة أخرى نشأت في شبه القارة الهنديّة: (الهندوسيّة)، (البوذيّة)، (الجينيّة)، وهذه تتشارك في معتقد (التّقمص) القائل بعودة الإنسان بعد الموت مكررا للحياة، لأجل التّطهر من جميع الأدران قبل الانتقال إلى عالم أرقى، والمعتقد المشترك الآخر الكرما القائل بارتداد ما يصدر من الإنسان إليه، خيرا بخير، وشرّا بشر، في هذه الحياة، أو في حياة قادمة.

ثلاثة أخرى نشأت في الشّرق الأقصى: (الكنغوشيّة) و(الدّاويّة) في الصّين، و(الشّنتوية) في اليابان.

(الكنفوشيّة) تؤكّد تقويم العرف العام لتقويم المسلك الخاص، و(الدّاويّة) عكس ذلك، تؤكد تقويم المسلك الخاص لتقويم العرف العام.

الثّالثة، (الشّنتويّة) اليابانيّة، تعتقد بآلهة تعنى بالشّأن الإنساني، وبكون الامبراطور منحدرا منها، لكنّها تتعبّد بجماليات الطّبيعة على الأرض.

أضف إلى هذه التّسعة (زّرادشتيّة فارس) الّتي ترى حراك العالم صراعا بين الخير والشر.

وديانة أخيرة تسمّى (بوذيّة زين)، الّتي ترى الحقيقة مطويّة في ألغاز معجزة.

أمّا الحضارات فأبرزها في عصرنا: الغربيّة، والإسلاميّة، والصّينيّة، واليابانيّة، والهنديّة.

بدر العبري: هل الحاجة إلى دين جانب غريزي بيلوجي، أم أمر مكتسب؟

صادق جواد: الإنسان في باكورة وعيه على نفسه وجد نفسه في مناخ أرضي معقّد، وشعر بأنّه من دون أن يكون عنده ما يتمسّك به باطمئنان لا يستطيع خوض الحياة، من هنا جاءت فكرة الأديان، حيث نظّمت له فكره، وأوجدت صلة بينه وبين شيء أعظم منه، فهي غيبيّة من هذا الجانب، هنا جاءت فكرة الإله الّذي يتمسّك به، وباعتباره المتحكّم في مصيره في كلّ صغيرة وكبيرة.

بدر العبري: توجد فلسفات في نشأة الدّين، بداية من الرّوحيّة أي حياة الرّوح عند الحيوان، والطّوطميّة أي شعار الحيوان أو النّبات أو الجماد، وحتى الوثنيّة والتّوحيديّة، كيف يقرأ صادق جواد المشترك بين الأديان عموما؟

صادق جواد: هي مساحة موجودة عند جميع الأديان، فهناك مشترك بين الإنسان والحيوان، بل حتى بين الإنسان والنّبات، والإنسان والجماد، ولكن الأديان ركزت على الإنسان بشكل خاص ومركز.

وفي أدبياتنا الإسلاميّة هناك سعة لنرى كلّ شيء يعكس حقيقة ما في الوجود، فلمّا نقرأ في القرآن الكريم: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجمعة/1]، وقوله: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء/ 44]، وهذا يشمل الحيوان والنّبات والجماد وكلّ شيء، ومعنى التّسبيح أي كلّ شيء خاضع للمشيئة الإلهيّة الّتي تسير في الكون بما هو عليه.

وبالتّالي التّركيز على الآراء الميتافيزيقيّة والشّعائر والأخلاق جاءت من خلال التّركيز على الإنسان نفسه، وإن اشتملت بنسبة ما على الحيوان والنّبات.

والدّيانات الأخرى كالهندوسيّة مثلا، بل حتى الوثنيّة قبل الإسلام تدرك أنّ الكون لا يدار بهذا الجماد، وإنّما له صلة بشيء أكبر، وهذه تتمثل في القوّة الكبرى في الكون الّتي تسيّر كلّ شيء حتى في الأشياء الصّغيرة.

بدر العبريّ: فكرة وحدة الوجود عند الهندوسيّة، وعند بعض المتصوّفة، كيف تقرأ حضور وحدة الوجود في الأديان، وكيف تقرأ نظريّة تطور الأديان، هل كانت ثمّة أديان مع البشريّة ابتداء، وتطورت بتطّورها إلى الإنسان العاقل، أم ابتدأت توحيديّة ابتداء مع آدم – عليه السّلام -؟

صادق جواد: الدّين المنظم شيء، والإحساس بجوهر الدّين أقدم من الدّين المنظم نفسه، فالإنسان أول ما أفاق على نفسه كان في استشعاره للوجود بعد دينيّ، لهذا كان يلتفت ويتأمل في الكون، لكي يكون له نوعا من التّوائم مع هذا الموجود.

وكتبتُ سابقا من خلال تصوري لقصّة آدم وحواء، كنت أتخيل ماذا كان عليه آدم وحواء عندما أول ما وطئت أقدامهم الأرض، الفكرة الأولى في تصوّري كانت أول ما وجدوا أنفسهم في هذه الأرض الكبيرة، وهما مجرد اثنين، أن يرتبطوا بشيء من وراء وجودهم، من هنا كان الإحساس بجوهر الدّين أقدم من الدّين المنظم من طقوس وشعائر.

وفكرة وحدة الوجود عند المدرسة العرفانيّة وليس الصّوفيّة هناك ملامسة واسعة في فكرة وحدة الوجود، وليست في كلّ الأحوال واضحة ومحددة، ولكنّها ملامسة من حيث التّخيل والتّصور والتّماهي مع هذه الفكرة.

وابن عربيّ [ت 638هـ] شخص تصدّر هذه الفئة من العرفانيين، ولمّا كنت في دمشق مع محمّد شحرور [ت 2019م] صاحب كتاب الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة؛ مررنا بمزار ابن عربي، فلمّا سألته: هل هذا مزار ابن عربي؟ قال: نعم، فقلت له: دعني ادخل لزيارته، قال لي: لماذا تريد الدّخول؟ قلت له: مجرد تخيّل للمكان الّذي له أثر فيه، قال: كان والدي يحذّرني كثيرا من الاقتراب من فكره، وهذا يدل على أنّ الفكر التّقليدي في الإسلام كان كثير النّفرة ممّا جاء به ابن عربي.

ولابن عربي جملتان من كلّ ما نظرت ما جاء من قلمه في الفتوحات المكيّة وفصوص الحكم وغيرها، الأولى توجز فكره بدقّة بالغة، يقول فيها شعريّا أو نظما وهو ينظر إلى الحراك الإنساني، وما يدخل فيه من حالات كالغضب والامتعاض وغيرها فيقول: تمهل وانظر أنّه ما هو موجود هذا الّذي ظهر به العالم، فلا يكن عندك نوع من الاعتراض عليه، حيث يقول:

فقل ما تشاء على من تشاء فإنّ الوجود بهذا ظهر

ومن رجال العرفان عندنا ممّن قال: ليس في الإمكان أبدع ممّا كان.

والجملة الثّانية بقدر ما هي وجيزة بقدر ما هي ما تنطوي على معنى عرضه السّماوات والأرض، ويقول فيها: "سبحان الّذي أظهر الأشياء كلّها وهو عينها"، وهذا هو منتهى وحدة الوجود.

بدر العبري: هل نظريّة وحدة الوجود عند العرفانيين المسلمين تأثرت بالهندوسيّة مثلا؟

صادق جواد: وحدة الوجود موجودة عند الجميع، ولكن الدّيانة التّقليديّة تحيد عن هذا؛ لأنّ الأديان التّقليديّة لها الجماهير المتبعة لها، ووحدة الوجود هي تجرّد في الفكر لا يتأتى على جميع مستويات الوعي عند النّاس.

ولهذا في الإسلام مثلا ملامسة وحدة الوجود واسعة عرفانيّا، وكذلك عند الأديان الأخرى، ولكنّه ليس محددا ومفصّلا، وليس مكتوبا في قوالب محددة، فهي تأتي في ألغاز، كما عند ابن الفارض [ت 632هـ] مثلا عندما يقول في إحدى قصائده مخاطبا الله:

ته جلالا فأنت أهل لذاكا وتحكّم فالحسن قد أعطاكا

ولك الأمر فاقض ما أنت قاض فعليّ الجمال قد ولّاكا

وتلافي إن كان فيه ائتلافي بك عجّل به جعلْتُ فداكا

فهذه ملامسات يأخذ بها العرفانيون، ولكن ابن عربي [ت 638هـ] افصح بما لا يجوز له أن يفصح عنه.

بدر العبري: هل كان الأنبياء فلاسفة متأملين، أم فعلا وجدت طاقة خارجيّة أوحت لهم من الخارج؟

صادق جواد: الكلام يفهم على مستوى المستقبل للكلام، والأديان في جوهرها إصلاحيّة، وجاءت لتقويم مسلك الإنسان، وفي الإسلام المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

فلمّا تتجاوز المهمة الإصلاحيّة وتذهب إلى ما وراء ذلك، وندخل في مجال الإيمان؛ هنا نجد المسألة الإيمانيّة تأتي لاحقا، ولا تأتي أولا؛ لأنّ الابتداء كما أسلفت الإصلاح والتّقويم، ونحن نقرأ في القرآن الكريم مثلا: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات/ 14].

بدر العبري: هل يوجد فرق بين فلسفة الدّين والفلسفة الدّينيّة؟

صادق جواد: الفلسفة فكر حر، فإذا نظرت إلى الدّين من خلال الفلسفة أي بمعنى الفكر الحر غير المتأثر بالدّين نفسه، وإنّما تنظر إليه من الخارج؛ قد تصل إلى قناعات متفاوتة، ولكن الّذي تلمسه أنّ الدّين مع اختلاف منهجه عن الفلسفة؛ لكن مقاصده لا تختلف كثيرا عن مقاصد الفلسفة، فهناك ثلاثة أشياء مهمة للاثنين معا أهمها إصلاح الإنسان، فعندما يولد الإنسان يولد غضّا بحاجة إلى تقويم في قوله وسلوكه ومعشر ونحو ذلك، فهنا الفلسفة لا تخاصم الدّين، ولكن تقوم بفهم الدّين من خلال الفكر الحر، ماذا فيه، ولماذا هو، ولماذا تعلّق النّاس به، وهذا لا يستهان به؛ لأنّ باكورة الفكر الإنساني صيغ صياغة دينيّة؛ لأنّها تهدف ابتداء إلى التّقويم وليس لتعميق فهمه عن الوجود، فهذا أتى لاحقا.

بدر العبري: ما يتعلّق بالإله وطبيعته وصفاته وتعدّده وواحديته، ثمّ ما يرتبط به من قضايا ماورائيّة، هناك صراع وجدل كبير، من الماضي وحتى اليوم، كيف يقرأ صادق جواد هذه الجدليات، ونحن نعيش اليوم نظريات تاريخيّة الأديان، وتاريخانيّة الأديان، وأنسنة الأديان؟

صادق جواد: لست معنيا بتأريخ الأديان، أنا معني أنّ للدّين وظيفة أساسيّة نشأت تلقائيّا من خلال وعي النّاس من خلال تقويم وتهذيب المجتمعات، وهذا يحتاج إلى شيء منظم، ولهذا كما أسلفت أنّ الحضارات الأولى للشّعوب كانت صياغة دينيّة.

ما بعد ذلك من قضايا عرفانيّة وماورائيّة وإيمانيّة هذه لا تنحصر في دين، وإنّما ينحصر في الدّين هو نظامه وخصوصياته التّشريعيّة والطّقسيّة، لا في الأفكار الفلسفيّة.

ففي القرآن الكريم نفسه يقول: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة/ 3]، والغيب لا تسطيع إثباته حسيّا، إلا أنّ هذا الغيب موجود عند كلّ الأديان، والعرفان أعلى مراتب المعرفة، وهو ليس موقعا جامدا؛ وإنّما موقع يرتقي فيه الإنسان بتوسع على شكل نحو مستمر.

فخلاصة الأديان كانت لها وظيفة، ولا تزال لها وظيفة، لكنّها لا تستوعب جميع وجود الإنسان، وهي لا تخلو منه عموما.

بدر العبريّ: ما خلاصة فكر صادق جواد حول الإله، من هو وما صفاته؟

صادق جواد: هذه أسئلة لا تسؤل عن الذّات الإلهيّة، فأنت لا تتكلم عن كيان مشخصن، وفي القرآن لم يوجد الله في صفات، وإنّما أوجده في أسماء، {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف/ 180]، والصّفات كما قال الإمام عليّ [ت 40هـ] في خطاب بليغ له: "من وصف الله فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه"، ولا يحوز وصف الإله لشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصّفة، وشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، فإذا أضفت صفة إلى الإله كأنّك أحدثت تخيلا لهذا الإله.

والنّاس حول الله على قسمين: أكثر النّاس ومنهم المسلمون يشخصنون الله، وهذا لا يجوز، وهناك من العلماء لا ينفي وجود الله، لكنّهم لا يشخصنونه.

بدر العبري: ما يتعلّق بالحقيقة والخاتميّة والمخلّص في الأديان، هل هناك حقيقة واحدة، أم لكلّ دين حقيقة، وهل يوجد دين هو الخاتم، وكيف تنظر إلى المخلص المنتظر؟

صادق جواد: في الحقيقة عندنا لفظتان: الحقّ والحقيقة، فالحقيقة هي الواقع، وممكن تكون حميدة وغير حميدة، والحقّ حقيقة بإيجابيات كثيرة، فلمّا تقول هذا حقّ، هنا لا تتحدّث عن الحقيقة فقط، ولكن الحقيقة الّتي لها سياق إيجابي، وقد لا تكون الحقيقة هي الحق، والقرآن يقول: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج/ 6].

وهنا من يعرف ما هي الحقيقة؟ فإذا نظرت إلى حراك النّاس، واختلاف أفكارهم وفهمهم للأمور، فهنا لا يمكن أن تدركها بمجرد ما يخطر في النّاس، ولكن يمكن إدراكها بما هو واقع في الطّبيعة، فإذا ليس له واقع في الطّبيعة فليس بحقيقة.

فإذا جئنا مثلا إلى المخلص في المسيحيّة؛ فهذه ممّا أفرزتها المجتمعات السّابقة، من يخلّصك؟ وممّا يخلّصك؟ ولماذا هو المخلِّص وأنت المخلَّص؟ أليس مثلك بشرا؟ فهذا الوجود ليس ظالما لك، ولا متعسّفا بك، لا في الحياة، ولا بعد الموت، وفي القرآن: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس/ 44]، فأنت في بيئتك ووجودك كما أنت، فقط أوجد الاطمئنان في نفسك.

ولما نظروا إلى حراك الإنسان وجدوا أنّ هذا الحراك فيه تخبّط وشطط كبير، وهذا لن ينتهي إلا أن يأتي شيء حاسم ينهيه وينقلنا إلى شيء آخر، فتصوّروا أنّ للكون نهاية، ونهايته تكون عندما يأتي مخلص كمسيح أو مهدي أو نحوه، وهذا كلّه من قبيل كما يقول الطّغرائي [ت 513هـ]:

أعلل النّفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

من هنا تعلّقوا بهذا الأمر، وإلا فلك شرعيّة في الوجود كما لأيّ شخص آخر، كان نبيّا أو حكيما أو أيّ إنسان آخر، فلمّا تنفتح على الكون بشكل واسع ترى الأمور بطريقة مختلفة.

ومن تجربة النّبيّ كما في القرآن: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشّرح/ 1] بمعنى أنّك كنت في ضيق وتخبّط من قبل هذا، {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} [الشّرح/ 2] لأنّك كنت حامل همّ هذه الدّنيا، وماذا سيحصل له فيها، فما بعد هذه المرحلة تجد الكون فسيحا، ولو لم يكن ملائما معك لما أنتجك، فتوسّع في ذاتك لتتوسع لك الدّنيا.

والخاتميّة وردت في القرآن، وهناك من فسّرها أنّ النّاس ظلّوا في الأرض يحتاجون إلى من يوجد لهم الطّريق الصّحيح للاهتداء به، فكان الأنبياء عندما يشطّ النّاس عن الطّريق يأتي نبي ليرجعهم إلى الطّريق الصّحيح، إلى أن جاء خاتم الأنبياء، ونقل ما عنده من رسالة، وعليه لم تعد الإنسانيّة في حاجة إلى نبي، فما احتواه من خبرة ومن رشد فلم يعد في حاجة إلى من يهديه.

خليفة الحوسني: أشار صادق جواد أنّ الفلسفة والدّين تلتقيان في فكرة شموليّة جوهريّة تتمثل في إصلاح الإنسان ومحيطه وإسعاده، وخلق بيئة أخلاقيّة حاضنة تتسع للجميع، كيف يمكن الاستفادة من الفلسفة بعيدا عن الجدليات المعقدة، مع تقريب الصّورة للآخر بأنّ الفلسفة والدّين وجهتان لعملة واحدة، وكيف للفلسفة أن تعالج قضايا النّاس كالقضايا الأخلاقيّة والاقتصاديّة؟

صادق جواد: الفلسفة تعني الفكر الحر، أي الاجتهاد الإنساني في صيانة نفسه وإنمائه وإسعاده، والأديان لها المقصد نفسه، ومحاولات الإنسان لا تتوقف، وفي هذا يسلك مسالك متعددة، أحيانا يشطّ عن الطّريق الصّحيح فيدخل في مجال أسود، كالغش والغدر والحقد والكراهيّة مثلا، وفي معظم الحالات يترشد، وهذا هو الاجتهاد الإنساني.

وهناك فرق عندما تأخذ هذا الاجتهاد كفرد، وعندما تأخذه كجماعة، كفرد عليك أن تعنى بنفسك، وكجماعة عليك أن تسهم بما يرشد هذه الجماعة، فلا نيأس من حراك الإنسان واجتهاده، وأغلب اجتهاد الإنسان كما أسلفت إيجابي، نعم تشوبه التّصرفات السّيئة، ولكن بالشّكل العام لا يعدّ كبيرا.

بنت هلال: "من يقرأ القليل من الفلسفة سيتجه في أغلب الأحوال إلى الإلحاد، ومن يقرأ الكثير منها سيتجه إلى الإيمان في كلّ حال"، [مقتبس من ابن خلدون] ما العلاقة بين الإلحاد والفلسفة؟

صادق جواد: ابن خلدون كان معنيا بالمجتمع أكثر من الفكر العرفاني، والفلسفة فكر حر، فهي لا تتقيد بأفكار نمطيّة مثل الأديان، وما قالته صحيح، واشتهر سابقا: "من تمنطق فقد تزندق"، والمنطق باب واسع في الفلسفة.

وقضايا الفكر إذا أخذت بشيء من السّطحيّة هنا يحدث الاضطراب، حيث يتوه في نواحي كثيرة، أمّا إذا أوجدت في نفسك استقرارا نفسيّا، واستقامة تلزم نفسك بها؛ ستجد الفكر مهما تنوّع سيظلّ ارتكازك في نفسك يمكنك من التّعامل مع المسائل الفكريّة بكلّ يسر.

نصرة المعمريّة: هل انقطعت صلة السّماء بالأرض بعد موت النّبيّ محمّد – صلّى الله عليه وسلّم -، [حيث ظهرت ديانات ومذاهب جديدة بعد النّبيّ محمّد كالسّيخيّة والبهائيّة والمورمون وشهود يهوه وغيرها]؟

صادق جواد: هذه ليست ديانات، هذه مذاهب، فهذه ليست من الأديان الرّئيسة، وإنّما تفرعت كمذاهب، وفي صدر الإسلام مثلا ظهر المعتزلة، حيث ظهر الاعتزال لأنّهم وجدوا العديد ألغى العقل وتمسّكوا بالنّقل، فضاقت عليهم الدّنيا، فجاؤوا لتثبيت دور العقل في فهم الشّرع، فلا يفهم الشّرع إلا بالعقل، لهذا قدّموا العقل على النّقل، وبقوا في إطار الإسلام، ووجدت أبياتا جميلة للأستاذ جواد الخابوري [معاصر] بعد تفكر وتأمل:

إذا ما فقدت العقل فالدّين التمس ..... لكي لا تكن يوما فريسة شهوة

فإنّ عقال المرء دين من الهوى ..... وإنّي أرى الإسلام خير ديانة

فعش دينا تسلم وإن كنت ذا نهى ..... ففي العقل ينبوع لكلّ حقيقة

وفي الإسلام اهتمام بالعقل، لكنّه مؤطر وليس حرا، أمّا في الفكر الحر فلا تنظر إلى من قال وإنّما إلى ما قيل، فإذا قلت هذا صحيح لوروده في نصّ ما؛ هذا منهج، أمّا منهج العقلاء النّظر في فحوى ما قيل، لملكة العقل الّتي عندهم، وهناك أمور يشعرها الإنسان وجدانيّا وليس بالتّعقل، من المحيط الّذي يعيش فيه، ومن الكون الّذي يتأمل حوله، وفي القرآن: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصّلت/ 53]، فبعد التّعقل يستطيع النّظر في الخارج والاطمئنان حوله.

أبو عبد الله: تأملتُ الأديان ووجدتها تشوّه الإله الّذي تدعو إليه، وتتناقض في ذلك، مثلا قولهم الله ليس كمثله شيء وفي المقابل هو إله يتكلّم ويغضب ويتأثر بفعل النّاس، فهل فكرة التّنزيه جاءت لاحقا؟

صادق جواد: نعم نحن نقرأ في القرآن إنسانيّة الخالق، فهو يغضب ويرضى ويقرّب البعض ويصطفيهم وهكذا، وفي المقابل نجد التّنزيه كما في الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشّورى/11]، وهي آية بليغة جدّا، وأذكر أننا كنّا في النّادي الثّقافي، حيث كانت ندوة، وكان من المحاضرين خميس العدوي [معاصر]، وفي كلمة له قال: الله شيء مجهول، فأنا امتعضت لهذا التّعبير، فسألني فقلت له: شيء ومجهول ما هذا الّذي نتكلّم عنه، فهو ليس شيئا وليس مجهولا، فنحن نعرف الله، والمعرفة ليست العلم؛ وإنّما إحاطة بعموم الشّيء، وفي القرآن {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة/ 146]، فنحن نعرف الله ولكن لا نعلم عنه شيئا إلا من خلال الأسماء، وفي خطبة للإمام عليّ [ت 40هـ]: "أول الدّين معرفته"، وهو أيضا ليس بشيء، واعترض عليّ شخص آخر فقال: كيف تقول هذا؟ الله يقول إنّه شيء، وساق الآية: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام/ 19]، ووجدت لاحقا الآية لا تقول هكذا، والسّؤال في الآية: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً}، والجواب: {قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}، فهنا لم يصف نفسه بشيء، ولهذا هو ليس كمثله شيء، فالإنسان يُبقي هذا في معرفته الوجدانيّة للوجود، ولا يحصرها في عبارات محددة.

علي اللّواتي: مفهوم وحدة الوجود يختلف عند العديد من العرفانيين عن غيرهم، فالمجودات تختلف بحسب ماهياتها، ومكترثة بحسب وجوداتها، والاتّحاد والاشتراك في الوجود يحصل فقط في معنى الوجود المصدري، وكذا مفهوم الوجود الإثباتي، أليس هذا مرتضيا في الإسلام؛ لأنّ الأمر المشترك خارج عن حقائق الموجودات؟

صادق جواد: الكلام هذا فيه شيء من التّعقيد، ولكن منتهى الأمر الكلّ من طلعة واحدة، فنحن فينا ما في النّجوم والبحر والحيوان، فهي ذرات تتجمّع وتتفكك وتعمّ العالم، فهو وجود واحد، كلّ يخضع لنفس السّنن والقوانين، فتكوننا جميعا واحد؛ وإنّما تختلف الأشكال والأحجام، ولمّا نموت هذه الذّرات تنتثر، لكنّها لا تفنى في الكون، وإنّما تتشكل في مخلوقات أخرى كقطة أو كلب أو بقرة أو إنسان آخر وهكذا، ونحن أيضا من غبار النّجوم وفضاءات أخرى.

نصرة المعمريّة: ما رأيكم في تناسخ الأرواح؟

صادق جواد: لا أرى تناسخ الأرواح كالّتي وصفت في الأدبيات الهندوسيّة، فليس بالصّورة الكبيرة، نعم لا شيء يفنى، فلمّا أموت يحيى في شيء آخر، وفي كتاب النّبيّ لجبران خليل جبران [ت 1931م] عندما يغادر الطّفل القرية، والمرأة الّتي لقطته وهو طفل صغير من الشّاطئ، حيث تنظر إليه وتسأله متى ستعود لنا؟ فيقول: عندما تحملني امرأة أخرى، في هذا ايحاء أنّ المادّة لا تغيب، وإنّما تتناثر بشكل ما، وتخرج بأشكال وأحجام أخرى، فلا أرى أنّ الإنسان عندما يموت يحتفظ بشخصيّته كما هو، فهو موجود قبل الولادة وبعد الولادة، لكن ليس بشكل مشخصن.

ماجد العماني: ما رأيكم أنّه اليوم لا توجد حدود أو معايير للفكر، بل نعيش اليوم عالم السّيولة وأن لا مركزي؟

ويضيف أحمد الكلباني: هل تراجعت الفلسفة لحساب العلم التّجريبي؟

صادق جواد: نعم، تراجعت الفلسفة، فقد كانت أقرب إلى التّخمين، واليوم قيّدت بالمعرفة العلميّة، فلا نستطيع التّفلسف بمعزل عن المعرفة العلميّة.

[وبالنّسبة للسّؤال الأول نجد سابقا] يضيق بما يحصل في عالم الإنسان، لهذا كانت هناك أفكار غير موجودة مسبقا لأنّ الإنسان يتطور، وبالتّالي الأفكار تتطوّر وتتشعب، ففي الماضي يعيشون على نفس الأفكار من جيل إلى جيل آخر، واليوم تتطور الأفكار من جيل لآخر بشكل كبير، فلا نضيق به؛ لأنّه حراك إنساني، ومن طبيعة الأمر.

عليّ اللّواتي: ما تعليق صادق جواد على نظريّة موت الإله؟

صادق جواد: موت الإله حالة رمزية، فنيتشه [ت 1900م] لمّا قال بهذا كان يرمز إلى مرحلة يعبر منها الإنسان من مرحلة كان متمسكا فيها بإله المسيطر على كلّ الكون، إلى مرحلة يخلو فيها الكون من إله، فيكون فيها الإنسان وكيلا لنفسه، فهذه رمزية للإله التّقليدي، أي الّذي جاء رسمه في الكتب المقدّسة، وليس بالمعنى العرفاني، فانقضت تلك المرحلة الّتي تقيّد الإنسان؛ فهو الآن حر كما يريد، وأن يرتقي متى يريد.

نصرة المعمريّة: هل نحن نخلق ونكوّن ما حولنا من موجودات من خلال أفكارنا؟

صادق جواد: لمّا نبحث من أين تأتي الأفكار، فهي تأتي من المحيط الّذي نعيش فيه، والفكرة الّتي تأتي عندنا تأتي من شيء نلحظه في الخارج فتتولد لدينا الأفكار، فلو وجدنا شخصا يصعد سلّما هذه فكرة، فلمّا يأخذها يبلورها ويصنع سلّما أفضل، أو يجد طريقة أحسن للصّعود، فأصل الفكرة موحاة ممّا هو فيه.

أحمد الإسماعيلي: كيف يقرأ صادق جواد تاريخيّة الأديان؟

صادق جواد: فكرة التّعلّق بالدّين من خلال العالم الخارجي هذه وجدت عند الإنسان ابتداء، لكن تنظّمت وخرجت كأنظمة دينيّة، والتّاريخ الدّيني ليس موثقا، والتّاريخ التّوراتي لا يعتدّ به، لكن يؤخذ كقياس عام، واليوم يعتمد في استنباط التّاريخ على الآثار، فتاريخيّة الأديان نأخذها كنتاج إنسانيّ ليس مطلقا.

محمّد بو شيخي (المغرب): ما دور فلسفة الأديان في تعزيز حوار الأديان، وكيف تؤدّي مهامّها في عصر تردي العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وانتشار التّطرف والعنف؟

صادق جواد: حوار الأديان يبدو لي أنّه مصطلح لا يستقيم، فالأديان لا تتحاور، فهي في أطر حديديّة، والّذي يتحاور أهل الأديان، فعليهم هنا أن يخرجوا منها إلى فضاء الحضارة، مثلا: عندنا مسلم ومسيحيّ ويهوديّ، فإذا تحاوروا عمّا عندهم من أديان سوف ينفرون عمّا عندهم، وقلت مرة أنّ موضوع تقريب الأديان أو المذاهب هي تباعد بين الأديان والمذاهب أكثر ممّا تجمع، ولكن الحوار حول الحضارة كالحوار حول العدالة، وكلّ يدلو بدلوه حتى من خلال دينه.

خليفة الحوسني: هناك من يقول بأنّ الفلسفة لم تستطع التّعرف على نفسها من خلال الطّبيعة فحسب؛ بل بحاجة إلى الدّين للإجابة على أسئلة وجوده، وتطمئن نفسه، من هنا قيل الدّين أفيون الشّعوب؟

صادق جواد: الدّين أفيون الشّعوب هذا الكلام في جزئه صحيح عندما تكون الأفكار الدّينيّة ضيقة، فتسير الإنسان وتضيّق عليه، ولكن الفلسفة لا تأتي بمسلمات، وإنّما يتبع المنهج المنطقي في باقي الأمور، ولهذا الدّين أيضا لمّا ينضج يولّد فكرا حضاريّا، ولكن يصبح محدودا وضيّقا إذا بقي في إطاره ولم يتطور.

بدر العبري: الأستاذ صادق، هل لديك كلمة أخيرة؟

صادق جواد: أكبر نعمة هي الحياة نفسها، فعلى الإنسان أن يَعنى بثلاثة أمور أساسيّة قبل الاعتناء بالأمور الكليّة والسّياسيّة، ابتداء أن يصون نفسه أي صحة بدنه، ثمّ أن يوسّع من معارفه، والاستعانة من أفكار الآخرين وبحوثهم، والثّالث الاستقامة، {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} [هود/112].

والاستقامة لا تعني البحث عن فلان وعلان ماذا فعلوا وقالوا، وإنّما أوجد في ذاتك إلزاما لنفسك بعد صيانة البدن، وتوسيع المعرفة وفهم الوجود، على أن تكون ملتزما بالاستقامة.

ولمّا تباحثنا أنا وأنت أخي بدر حول إصلاح الإنسان وإسعاده، أنت قلت لي: هما يلتقيان، وجاء في بالي أنّ الإسعاد بمعنى راحة الذّات والنّفس، لكن فكرت فيما بعد وقلت: بدر في صواب؛ لأنّه إصلاح الإنسان يؤدي إلى إسعاده.

في نهاية اللّقاء نشكر الأستاذ صادق جواد وجميع المتداخلين والمشاركين من عمان وخارجها، وإلى لقاء آخر حول فلسفة الأديان.


*تمّ التّسجيل على برنامج zoom، الأربعاء 4 ربيع الأول 1441هـ/ 21 أكتوبر2020م.


بدر العبري

سلطنة عمان


إشترك بمجلتك "المرقاب" .....من أجل  أن تصلك المعلومات

.أول بأول رجاءا إكتب بريدك الإلكتروني في الصندق السفلي واضغط  Subscribe 

Subscribe to Our Newsletter

  • White Facebook Icon

 2020 © alMirqab.Das.Monokel 

almirqab.das.monokel@gmail.com