• المرقاب

قراءة في كتاب: "الصراطات المستقيمة: قراءة جديدة لنظرية التعددية الدينية" لعبد الكريم سروش

بقلم عصام بوشربة




التعددية الدينية: أبعادها المعرفية والقيمية

قراءة في كتاب: "الصراطات المستقيمة: قراءة جديدة لنظرية التعددية الدينية" لعبد الكريم سروش



بقلم: عصام بوشربة




سروش عبد الكريم، الصراطات المستقيمة: قراءة جديدة لنظرية التعددية الدينية، ترجمة: أحمد القبانجي، منشورات الجمل، بيروت، الطبعة الأولى، 2009، 288 صفحة.


عبد الكريم سروش من مواليد 1945 بطهران، زاول دراسته في إيران إلى غاية إنهائه المرحلة الثانوية، لينتقل بعدها لدراسة الصيدلة، ثم المغادرة إلى لندن لمواصلة دراسته، وفيها درس الكيمياء التحليلية بكلية الدراسات العليا، وأمضى خمس سنوات ونصف لدراسة تاريخ وفلسفة العلوم في كلية تشيلسي، ليعود إلى إيران بعد الثورة، ويتقلد خلالها منصباً سياسياً انتهى باستقالته. اشتغل سروش أستاذاً زائراً بجامعة هارفارد بداية من عام 2000، ثم باحثاً مقيماً في جامعة ييل[1].


للكاتب العديد من المؤلفات منها: فلسفة التاريخ (باللغة الفارسية)، طهران 1978 - ما هو العلم، ما هي الفلسفة (باللغة الفارسية)، طهران 1992 - المعرفة والقيمة (باللغة الفارسية) - القبض والبسط في الشريعة: دار الجديد 2002 - نظرة على مقالة القبض والبسط في الشريعة: دار المحجة البيضاء، 2003 - بسط التجربة النبوية: منشورات الجمل 2009 - التراث والعلمانية: مؤسسة الانتشار2009 - التدين والسياسة: مؤسسة الانتشار العربي2009 - الدين العلماني: مؤسسة الانتشار العربي، 2010 - العقل والحرية مؤسسة الانتشار العربي، 2010 - أرحب من الإيديولوجيا: مؤسسة الانتشار العربي، 2014 - الصراطات المستقيمة: وهو الكتاب الذي يطرح فيه سروش فكرة التعددية الدينية من منظور تأسيسي، ويحاول بناء رؤية لنظريته، وقد عرف هذا جدلاً وسجالاً فكرياً واسعاً بين موافق ومعارض. وفي هذا السياق، تأتي قراءتنا لتحاول أن تكشف عن ملامح هذه النظرية وتسلط الضوء على أبعادها المعرفية والقيمية، مستهلين القراءة بملاحظة عامة حول الكتاب تتجلى في:


أولاً: المكون الثقافي المتنوع والمتعدد لعبد الكريم سروش، وتجسيد ذلك في بلورة نظريته في التعددية الدينية.


ثانياً: البناء المنهجي الذي أسّس عليه نظريته في التعددية الدينية، والذي تشكل فيه الرؤية العرفانية الأساس الأول إلى جانب الدرس الألسني (الهرمنيوطيقا) ودرس علم الاجتماع.


يبحث الكتاب نظرية التعددية الدينية، وهي في منظور سروش: "نظرية معرفية في باب حقانية الأديان والمتدينين تكشف الستار عن هذه الحقيقة، وهي أنّ الكثرة في عالم الأديان حادثة طبيعية تعكس في طياتها حقانية كثير من الأديان، وأن كثيراً من المتدينين محقون في اعتناقهم لدينهم، وأنّ ذلك مقتضى الجهاز الإدراكي للبشر، وتعدد أبعاد الواقع ومقتضى كون الله هادياً ويريد الخير والسعادة للبشر".[2]


وهذه الرؤية لها علاقة بما تناوله سروش في القبض والبسط في الشريعة في كون أنّ المعرفة الدينية تخضع لقانون الذاتي والعرضي؛ فهي تحافظ على انسجامها الداخلي المتمثل في علاقتها بالنص الديني من جهة، وتنفتح في الجهة المقابلة، لتدخل في علاقة مع شتى حقول المعرفة الإنسانية، وكذلك ترتبط بما أشار إليه في بسط التجربة النبوية، حول تمظهر الجانب العرفاني الذي ينطلق منه سروش في نوع من الربط بين كون النبي يعيش تجربة دينية وفي نفس مفسر ومبلغ لها للناس، وهو المنحى الذي يطالب به سروش، وينسج عليه فهمه للدين والإيمان.


إذا سلمنا بأنّ أصول الرؤية الكونية تتشكل من (الله) و(الإنسان) و(العالم)، فسروش وهو يقدم لنا نظريته في التعددية الدينية يضعنا في مواجهة هذا المفهوم؛ فالرؤية للتعدد هي حتمية وجودية بالدرجة الأولى، فكيف لنا أن ندفعها أو ندخل في جدل معها؟ وفي درجة ثانية ينتقل هذا الحتم للواقع في تجلياته المختلفة، فالواقع يشهد هذا النوع من التعدد والتنوع، فكيف لنا أن نفكر ونعمل جاهدين على القضاء عليه، ونسعى للترسيم الأحادي للفكر والتدين؟ وفي درجة ثالثة نرى أنّ إنسانية الإنسان كعامل بين الوجود والواقع تخضع لهذا القانون، فلماذا يعمل هذا الإنسان على قهر ومحو ما هو متأصل فيه على الإيجاب، ويرجح الأنانية التي تأخذ معنى السلب، فيعمل على تنميتها وتطويرها إلى الفرقة والطائفية التي ترى خلوص الحق فيها، ثم تنتقل هذه النزعة إلى الأديان، فأي معنى للحقانية يصدق هنا؟


يسعى سروش لمعالجة هذا الإشكال، ولكن من منطلق عكسي يبدأ من (الواقع/الحياة) إلى (الإنسان/ النبي) إلى (الوحي/الله)، فهو بحث في حقانية الأديان من خارج الدين، أي من عدم اعتقاد (الحقانية) وعدم التسليم بها، بل هو انطلاق من الواقع والإنسان أولاً، ثم يحاول إيجاد أساس عقدي يؤكده، يكون مؤسساً على تجربة دينية حية لا تعرف اضطراباً أو تشتتاً، بل انسجاماً وتوافقاً بينها وبين المعتقدات والأخلاق.


أولاً: ماهية البلورالية الدينية


يقدم سروش مفهوماً للتعددية أو البلورالية على أنها "الاعتراف برسمية التعدد والتنوع في الثقافات والأديان واللغات والتجارب البشرية"[3]. أمّا عن مجال بحثها، فهو الأديان والثقافات والمجال الاجتماعي، وهناك ارتباط وثيق بين المجالين ولا انفصال بينهما، يقول سروش: "فهناك بلورالية في المعرفة الدينية وبلورالية في المجتمع؛ أي الدين البلورالي والمجتمع البلورالي، كما أنه يوجد هناك ارتباط وثيق بينهما؛ بمعنى أنّ الأشخاص الذين ينسبون إلى القول بالتعددية على المستوى الثقافي والديني لا يمكنهم التنكر لمقولة التعددية الاجتماعية"[4].


وتعتمد التعددية الدينية على دعامتين:


الأولى: التنوع في الفهم بالنسبة للمتن الديني


الثانية: التنوع في تفسير التجارب الدينية


فالرجوع إلى الكتب المقدسة يحتاج إلى تفسير وإيضاح فيما يحمله النص الذي يُعدّ صامتاً، كما أنّ التجربة الدينية هي الأخرى تتطلب تعبيراً وبياناً، فهذا التفسير المتعلق بالمتن أو التجربة الدينية لا يسير في صراط واحد، بل يخضع للتعدد والتنوع تبعاً لاختلاف الفهم ومبنى القراءة، وهنا علة تولد البلورالية من داخل الدين وخارجه.[5]


من هذا المنطلق، يبين سروش الأسس التي تنبني عليها نظرية التعددية في الشكل الآتي:


المبنى الأول:


إنّ فهمنا للنصوص الدينية فهم متنوع وسيّال لا يقبل الاختزال، وهذا راجع لرجوعنا للنص بما نحمله من معارف متغيرة وسيّالة، وعلى هذا فالقرآن والأحاديث تحتمل تفسيراً متعدداً بالتبع، وهي صفة إيجابية للنص الخالد ومعانيه الخالدة اللا متناهية، "فرأسمال الأديان يتمثل في هذه العبارات النافذة إلى القلب والعميقة في المعنى والأبدية على مستوى الزمان؛ بحيث إنها تمنح كل شخص يقرأها مضموناً جديداً، ولولا ذلك لفرغت من محتواها وتلاشت".[6]


وهذا المعنى كما أنه ينطبق على الإسلام ينطبق على الأديان الأخرى؛ فهو أمر تقتضيه طبيعة الدين وطبيعة الفهم البشري. وعليه، فالبلورالية وفق هذا المبنى تقضي بعدم وجود تفسير رسمي للدين، وأنّ المعرفة الدينية هي الأخرى تسحب منها الرسمية، فهي معرفة بشرية تخضع للنقد والتصحيح.[7]


المبنى الثاني:


التجربة الدينية قوامها الاتصال المباشر مع المطلق، فهي مشترك إنساني نجده في جميع الأديان، وهي تنوع من حيث إنها تجليات في انقباضها وانبساطها؛ فهي: أشكال تتمثل في الرؤيا وسماع الصوت، ورؤية ملامح وألوان، والشعور باتصال النفس بعظمة عالم الوجود، كما أنها متنوعة في طريقة التعبير عنها من خلال صياغتها اللفظية أو في قالبها المفاهيمي.


هذه الحالة يربطها سروش بالنبوة؛ فالأنبياء يعيشون تجارب سابقة على الأديان، ولعل أقواها المعراج التي عاشها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم[8]، وعاشها العرفاء من أتباع الأنبياء بعدهم، ومتعلقها بالدين وبالخصوص في الإسلام، نجد مصداقه في وحي الله إلى النحل (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)[9] فكيف بالإنسان المكرم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَآدَمَ وَحَمَلْنَهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنهُم مِّنَ الطَّيِّبَـتِ وَفَضَّلْنَـهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)[10] أن يكون وحي الله له أدنى من وحيه للنحل، ولهذا جاء إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأنّ الرؤيا الصالحة تمثل جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، هذا على المستوى النص الديني، أمّا استقراء الواقع المحيط بهذا النص فنجد نماذج عديدة: كجريج وابن الصياد، والعرفاء المسلمين.


هذا المنحى يستخلص منه سروش معنى آخر يرجع لبنية النص الديني في حد ذاته، فهو ذو بطون، وحامل أوجه، وأنّ الله تعالى هو من غرس في أنبيائه بذور التعددية من خلال إرساله لرسل وأنبياء مختلفين، وإلى أقوام مختلفين[11].


وعليه، فالبلورالية وفق هذا المبنى هي تجاوز للتصور الكلاسيكي الذي يرى الحقانية منحصرة في دين من الأديان، بل هي تمنع هذه الأفضلية وهذا الاصطفاء لترى في الأديان تجليات لوحي إلهي في أشكال وظروف زمانية ومكانية مختلفة، حمل التدين خلالها وجهاً مشرقاً وآخر مظلماً.[12]


المبنى الثالث:


انعكاس التجربة الدينية وتجلياتها من المطلق إلى المقيد، ويستشهد سروش هنا بأبيات المولوي التي تسرد قصة موسى مع الراعي، وقراءة جون هيك لها، وفهم أهل الباطن لهذا الحدث، فلم يكن الفهم عندهم هو النزاع (بين إيمان وكفر)، وإنما هو تقابل لتجربتين اختلفت لغة التعبير عنهما، فظهرت مشوشة عند الراعي، مما دفع بموسى إلى الإنكار عليه، فكان عتاب الله لموسى، فهذا البيان الرباني جاء ليبين لموسى أنّ مهمته هي تصحيح، وليس تغييراً أو إبطالاً لما عبر به الراعي عن تجربته.[13]


المبنى الرابع:


التعددية الإيجابية مبنية على الاقتدار الفكري لدى الإنسان، فهو لا يمتلك الكثير من المعارف أمام احتمال تفاسير للمتون الدينية والتجارب، وعلى هذا يجد الإنسان نفسه حيالها في موقف اختيار وانتخاب بين حقائق متعددة وليس بين حق وباطل.[14]


المبنى الخامس:


السلوك المعنوي والمعراج الروحي يبنى على الاختيار، ويحتمل معنى المجازفة. ولهذا، فهو يحتاج إلى ميزان الصدق والخطأ يكون بملازمة خبير (شيخ) قد عاش وعاين التجربة حقيقة، فالتنوع هنا بين صحة وكذب، ونورانية إلهية وتلبيسات شيطانية.[15]


المبنى السادس:


الهداية الإلهية وما يستشف من اسم الله الهادي هو أنّ الهداية تعم كافة البشر في مختلف مسالكهم وتجاربهم، ولا يمكن فهمها خارج هذا المعنى، فلا يعقل أن تخصّ الهداية فئة قليلة من البشر تنحصر فيها الخيرية، وما عداها الذي هو الكثرة يعمهم الضلال.[16]


المبنى السابع:


ليس هناك معنى للخلوص خارج الأديان، فلا وجود لحق خالص ولا لباطل خالص في تدين الناس وتمذهبهم، ولا يفهم هذا على أنه مدعاة للتخلص من المذهب، ولا إلى نسبية الحق والباطل، بقدر ما يعبر هذا عن بشرية المعرفة الدينية، فالأمر سيان سواء تعلق بالشريعة أو الطبيعة.[17]


المبنى الثامن:


شيوعية الحق وتقابل الحقائق، فلا يرتبط الحق بالتقدمية أو الرجعية، أو الشرق والغرب، بل يتمظهر في طرق، يطرق طلابه أبواباً عديدة ومسالك مختلفة لكي ينالوه، وليتمكنوا في الوقت نفسه من وزن ما توصلوا إليه من حقانية، وذلك بعرضها على الحقائق الأخرى باستمرار، وهكذا يبنى صرح المعرفة الشامخ بفعل هذا التشارك وفي ظل هذا التنوع.[18]


المبنى التاسع:


إنّ التعدد والكثرة في مجال الأخلاق والقيم متجذر في واقع الإنسانية، فهو اختلاف جميع التجارب البشرية، ولا وجود لبرهان يقرر هذا التعارض والتباين، بل الحاكمية هنا للعلة والسبب الذي يفتح مجالاً للاختيار، وعليه فالبلورالية القيمية تقدم لنا كل فرد خاص من الإنسان، ولا يتعلق كمال نوع بنوع آخر، أو مثال وقدوة له، فهي تحقيق لنوع من التوحد يسعى لاكتشاف الذات الأصلية والحرية الخاصة، وهو ما يؤدي إلى تعددية واقعية.


المبنى العاشر:


الفرق بين التعددية السلبية والتعددية الإيجابية يكمن في أنّ الأولى طريق للثانية، فالتعددية الإيجابية تقوم على عنصر حاسم مبني على التحقق والاختيار الناتج عن دليل، بينما التعددية السلبية تقوم على العلة والسبب، فأكثر المتدينين في جميع الأديان اعتنقوا دياناتهم عن علة وليس عن دليل، فالغالب في إيمانهم الوراثة والتقليد، ولهذا يعيش هؤلاء في ظل أسر الدوغمائية والتعصب، عكس الذي يكسر هذا فيعيش السكينة واليقين في ظل التعددية الإيجابية.[19]


ثانياً: تمظهرات الرؤية البلورالية


يشير سروش إلى أنّ بحث قضية التعددية من خارج الدين يكمن في النظر إلى الأديان من زاوية عقلانية، وليس من موقع حقانيتها الذي يمثله الناظر من داخل الدين. وعليه، فالحديث عن التعددية يتعلق بنوع من الرجوع إلى الدين بمعارف خارجية تخضع لتمحيص وتحقيق وفق منظور بلورالي يبدأ من كثرة الأدلة، وفي حالة تكافئها يحتكم لكثرة العلل في الترجيح، وأخيراً يلجأ إلى الكثرة المؤولة المستوحاة من درس التأويل والفهم الهرمنيوطيقي.


وهي رؤية تنظر للمعتقد نظرة تمييز بين الحق لذاته والحق الإشاري، وتنظر إلى النبي الخاتم على أنه أضاف ديناً آخر على الأديان الموجودة، فهو تفعيل تنور وليس تصادم أو نقض لما سبق، كما تنظر للتدين على أنه: مصلحي تقليدي مبني على العلة، وتدين كلامي تحقيقي، وتدين عرفاني قائم على التجربة المعنوية دون أن يعرف هذا تناقضاً، كما لا يعرف تطابقاً، وإنما اختلاف وتعدد.[20]


ثالثاً: فعل التجدد الإيماني


يذهب سروش في قضية الإيمان مذهباً عرفانياً، يجعل من الإيمان مؤسساً على الإرادة الإنسانية، فليس هناك تطابق بين الإيمان واليقين كما هو في الدرس الكلامي، لأنّ الإيمان المؤسس على الإرادة يخضع للتحول وقابل للانفعال، الشيء الذي يجعل اليقين منفعلاً بالتالي يفقد الإيمان معناه الحقيقي، وعلى هذا فمقتضى الفعل التجديدي للإيمان يقضي بتحويله من حالة الانفعال إلى الفعل، ومعه يصبح الإيمان خاضعاً للقوة والفعل، للزيادة والنقص، ليتطلب معنى آخر بحسب سروش، وهو معنى التوكل الذي يحركه في عمل واع وفي رغبة وميول تجاه المعبود.[21]


رابعاً: جدل النص والواقع في المعرفة الدينية


ينطلق سروش من مسلمة مفادها ثبات الوحي وخلوه من التناقض، وإمكانية التغير واحتمال التناقض على مستوى معرفتنا الدينية، لكن الملاحظ على هذه المعرفة أنها تعيش انجذاباً نحو النص، ونحو الثبات تاركة فراغاً رهيباً من جهة الواقع السيّال والمتغير، وهذا التصور صيغ في شكل قاعدة النهي عن التفسير بالرأي، وهذه إشكالية يحاول سروش أن يقدم حلاً بصددها عن طريق محاولة رسم ذلك الجسر الرابط بين النص وأبعاده من جهة، والتفكير الحاكم على أجواء العصر المستمد من الفلسفة والسياسة وعلم الاجتماع والتاريخ من جهة أخرى، فثبات المعرفة الدنية وركودها سببه عدم تماهي الفقه مع حركة الفروع العلمية المولدة لهذه العلوم والمعارف، فحصر التفسير في قواعد اللغة أهمل القراءة الفلسفية والعرفانية للنص، وهما اللتان تمثلان خلفيتين فكريتين في تاريخ الدين، وعلى هذا فالتصالح بين الفلسفة والدين، والدين والعرفان، يولد لنا صياغة أخرى للدين تتم وفق مقولات الفلسفة والعرفان؛ فكلاهما ينمي المعرفة العلمية، وينفخ روح الحركة التكاملية داخلها. وهذا الإحياء الديني - بحسب سروش - يتم وفق منحيين:


- الأول: تطهيري: عن طريق تطهير الفهم الديني السائد من العناصر الأجنبية، واستحضار الجوانب الخفية والمهملة من الدين، والذي يمثل نموذج هذا المنحى في نظر سروش هو "أبو حامد الغزالي".


- الثاني: منحى تجميلي: ويتعلق بالعوامل والمباني الخارجية بشكل أوسع، حيث تحتاج هذه العملية إلى فهم عصري للنص، والشخصية البارزة في هذا الميدان "إقبال اللاهوري"، الذي كان يرى أنّ أهم نقيصة وإشكالية في الفكر الديني في عصره هي غلبة التفكير اليوناني على التعاليم والثقافة الإسلامية.


فكلا المنحيين يتجهان إلى هدف واحد، وهو تحقيق الفعالية والدينامية في الخطاب الديني، غير أنهما يختلفان في كون المنحى التطهيري يتعامل مع القضية من منظور منطقي وإبستمولوجي للدين في مرحلة أولى، بينما المنحى التجميلي يمثل مرحلة ثانية[22].


خامساً: معطيات الدين


يحاول سروش في هذه النقطة أن يبرز الوجه الاجتماعي للدين، من خلال المعاني الإيجابية التي يضفيها الدين على الحياة، ومن جملة هذه المعاني:


1 - يجعل الحياة مستساغة: فالإنسان يعيش حالة يحاول فيها إيجاد التوافق والانسجام بين معتقده والواقع الذي يعيشه، فيسعى من خلال هذا التجاذب إلى تغير المعتقد تارة بما يوافق واقعه، وتارة أخرى يعمل على تغيير الواقع بما يتطابق مع معتقده، وهذا ما يجعل حياته مستساغة، فهو نوع من المصالحة بين العالم الصغير(الإنسان) والعالم الكبير.[23]


2 - الدين هو المحرك في الإنسان الباعث على التجربة الدينية: فهو يفتح المجال للروح والباطن لمشاهدة أسرار العالم العلوي وأسرار الخلق وجمال الخالق، وهو ما يستفاد من تجارب الأنبياء.[24]


3 - تعليم الإنسان التفسير الصحيح للتجربة الدينية: فالحكمة من قصة موسى مع الراعي مبناها تصحيح موسى عليه السلام لتجربة الراعي، بعد أن جاء التنبيه الإلهي؛ فالنبوة ليست حاجزاً أو عارضاً بين تدين الإنسان أمام خالقه، وإنما هي تصحيح وتوجيه لهذه التجربة، وليس تسويتها وتوحيدها بين البشر[25].


4 - الدين منح المعنى للحياة: من خلال تقديمه الإجابة عن الأسئلة الوجودية التي يطرحها الإنسان حول كينونته، والغرض من خلقه، ومصيره.


5 - الدين دعامة الأخلاق: وإلا حكم عليه بالفشل والفناء، فالدين بتأييده للقيم الأخلاقية السامية كالعدل والإحسان يؤكد على قوته وصحته وحقانيته[26]. فالسعي إلى مغالبة الأنانية هو مبعث أخلاقي داخلي قبل أن يكون خارجياً يحدده القانون، ويقدم سروش نموذجين في التصوف أو تجربتين اتخذت من معنى الذكر علاجاً للأنانية من خلال: تصوف أبي حامد الغزالي الذي يمثل تجربة الخوف، ونموذج المولوي الذي يمثل تجربة العشق، فكلا المنحيين كان هدفهما تحقيق العبودية عن طريق كسر الإنية، وبيان لمكانة الإنسان الحقيقية والواقعية التي لا تخرج عن معنى العبودية، فهو إنسان عبد.[27]


6 - الدين يمنح الإنسان مقولات عن السعادة: فعرض الأديان للمقولات العقائدية والقيم في صورة بسيطة وواضحة يعتبر من حسنات الدين، فهو يعرفهم بالإله بصورة محببة ومأنوسة، عكس صورة الإله في المقولات الفلسفية التي تقدم صورة غير جذابة عنه، وهذا ما يسلب عن الإنسان ذوقه الإيماني، وحالة عشقه للفضيلة والخير.


7 - الدين يجيب عن بعض الأسئلة في الموقع المناسب: كالحياة بعد الموت، وهي من الأسئلة التي لا يستطيع الإنسان الإجابة عنها في هذه الحياة، وقد يتوصل إلى الإجابة عنها بعد فوات الأوان، لكن الدين يمنح هذه الإجابة في موقعها المناسب، ويقدم سروش مثالاً عن الرؤيا الصادقة في كونها تمثل هذا الارتباط بين الحياة الدنيا والعالم الآخر.[28]


8 - خلود الإنسان هو السر في حاجته للدين: فالقول إنّ هدف الدين هو التركيز على الحياة الأخروية ليس معناه أنه لا ينفع الإنسان في الدنيا؛ فالدين له معطيات في هذه الدنيا كما أشرنا، ولكن ما ينبغي إدراجه هنا هو الجانب التخطيطي ووضع برنامج لهذه الحياة، وهو ما لا يستطيع أن يقوم به الفقه وحده، فالتخطيط هو من مهام العلم، ولن يتم هذا إلا وفق منظومة متكاملة تجمع بين المعتقد: الذي يمثل رؤية كونية شاملة تلقي بظلها على الحياة دون أن تنزل إلى الأرض، والفقه: يساهم في إغناء الجانب الحقوقي، والأخلاق: تخلق نوعاً من التفاعل لدى المتدين مع الحياة، وشعوره بأنّ للعالم خالقاً ومدبراً تجعله يتطلع إلى الحياة بعد الموت بشكل مختلف ومتفاوت من إنسان لآخر.[29]


سادساً: مستقبل الدين في ظل المجتمع الليبرالي


يحاول سروش أن يدرس العلاقة بين الدين والليبرالية، وهو يرى أنه يمكن أن نجد نوعاً من التقاطع والتلاقي من جهة أنّ الليبرالية لا تقبل تعدد النظام السياسي والاقتصادي، وعدم اعتبارها للدين مصدراً وحيداً للمعرفة، ومن ثم فرضه على المجتمع، فالإنسان في ظل الحكم الليبرالي حر في اختيار الدين والعقيدة. كما أنّ في حياد السلطة تجاه الأديان المختلفة والقراءات المتنوعة للدين الواحد يُعدّ من لوازم البلورالية المعرفية التي تُعدّ بدورها من أركان الليبرالية[30].


وهذا التلاقي يقابله افتراق بين الدين والليبرالية في الوقت نفسه، كون الدين له صلة وثيقة بالأحكام المسبقة، بينما الليبرالية لها صلة وثيقة بالأحكام البعدية؛ ففي الليبرالية والتيار التجريبي لا شيء مقدّساً فوق التجربة والاختبار، بينما في الدين لا تجد الكثير من الأعمال والنشاطات اللازمة للاختبار والتجربة.


ولا يوافق سروش على القول بقراءة ليبرالية للدين، بحيث لا يكون للدين أي جواب محدد وموقف معين للأسئلة التي تهم الإنسان، أو أننا نبادر للإجابة عن أسئلتنا من منطلق حر دون اعتبار للكتاب والسنّة فهذا أيضاً يعتبر موقفاً سلبياً[31].


فما يقترحه سروش هو "اعتبار فهمنا للقرآن والسنّة مرحلياً ومحدوداً، وفي الوقت نفسه نظل نطرح أسئلتنا على النص ونمارس في الوقت ذاته الترجمة الثقافية، فلن نبقى مقلدين للموروث الديني"[32].


فمستقبل الدين في ظل المجتمع الليبرالي يقتضي تمييزاً بين ثلاثة أشكال من التدين: تدين مصلحي تقليدي، وتدين معرفي تحقيقي، وتدين تجريبي عرفاني.


فالتدين المصلحي قابل للزوال والذبول في ظل هذا النظام. أما التدين المعرفي التحقيقي، فيبقى ويحافظ على صموده، والتدين العرفاني يزيد انتعاشاً وحيوية أفضل من المجتمع الذي يسوده النظام الاستبدادي الذي عاشت في ظله التجارب الصوفية الإسلامية على مر التاريخ.[33]


سابعاً: التجربة الإيمانية الآملة


بعدما أشرنا إلى مضمون الإيمان عند سروش الذي يأخذ منحى عرفانياً مؤسساً على الإرادة، ويأخذ بمعاني التضحية والمخاطرة، ويحمل معنى الفعل لا الانفعال، يربط سروش الإيمان بالتجربة الدينية، هذه الأخيرة التي يعتبرها علة وكشفاً للإيمان، وهنا يمكن تحميل الإيمان معنى آخر، وهو معنى: الأمل، حيث يسير المؤمن في حالة من الانجذاب والتوق والعشق تجاه الخالق.[34]


وهذا ما يراه سروش طريقاً للتدين؛ فالعمل على إحياء التجارب الدينية وفتح المجال أمام كشوفاتها، والاستفادة منها في بناء القول الديني هو ما يحقق استمرار مسار الأنبياء في وقتنا المعاصر، والاهتمام بتعاليمهم في نيل هذه التجارب هو الطريق الوحيد للبشرية الذي يخلصها من أسر الانحصارية.[35]


خاتمة:


في الأخير، نصل من خلال تطوافنا في كتاب "الصراطات المستقيمة" إلى اكتشاف جوانب من تفكير عبد الكريم سروش بخصوص التعددية الدينية وأبعادها المعرفية والقيمية، وعليه يمكن القول إنّ نظرية التعددية الدينية تحتاج إلى تقريب أكثر، وتسخير جهد أكبر لمناقشتها كموضوع ملح ومطلوب يفرضه الراهن الذي يعيش احتقاناً طائفياً لا يستحضر صورة الآخر إلا تحت عناوين الدم والقتل، كما أنّ في التعددية طرحاً مغايراً ومجاوزاً لمقولات "حوار الحضارات" و"التقارب بين الأديان" التي لم تفك شيفرة مأزق التصادم والصراع.


المصدر

مؤمنون بلا حدود

[1] موقع عبد الكريم سروش: www.drsoroush.com


[2] عبد الكريم سروش، الصراطات المستقيمة: قراءة جديدة لنظرية التعددية الدينية، ترجمة: أحمد القبانجي، منشورات الجمل، بيروت، الطبعة الأولى، 2009، ص 5


[3] المصدر نفسه، ص 11


[4] المصدر نفسه، ص 12


[5] المصدر نفسه، ص ص 12ـ13


[6] المصدر نفسه، ص ص 14ـ16


[7] المصدر نفسه، ص ص 17ـ18


[8] النحل، الآية: 86


[9] الإسراء، الآية: 70


[10] المصدر نفسه، ص ص 20 ـ 27


[11] المصدر نفسه، ص ص 29ـ 30


[12] المصدر نفسه، ص 32


[13] المصدر نفسه، ص 34ـ 35


[14] المصدر نفسه، ص 36ـ 39


[15] المصدر نفسه، ص 43


[16] المصدر نفسه، ص ص 43ـ45


[17] المصدر نفسه، ص ص 48ـ49


[18] المصدر نفسه، ص ص 51ـ52


[19] المصدر نفسه، ص ص 53ـ54


[20] المصدر نفسه، ص ص 77ـ231


[21] المصدر نفسه، ص ص 134ـ 144


[22] المصدر نفسه، ص ص 152ـ167