• المرقاب

لماذا نُكفِّر؟..


صدر عن دار التنوير البيروتية كتاب بعنوان


" لماذا نكفر ؟ ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن" من تأليف الدكتور البحريني علي أحمد الديري.

قدم لهذا الكتاب المتميز الأستاذ عبدالجبار الرفاعي:


لم تكن الإضافة النوعية التي تحققتْ عندي بعد قراءة كتاب الدكتور علي الديري من النوع التأسيسي لطريقة النظر والتعاطي في ومعَ فهم الدين، إنما كانتْ إضافةً تعزيزيةً لخيارٍ بدأ تشكله منذ أواخر مرحلة المراهقة في حياتي..

كانت معايشة اللحظات العصيبة للحرب الشعواء ضد مرجعية السيد محمد حسين فضل الله (رضوان الله عليه) لحظةً بلحظة سببًا في نسفِ الصورةِ المثالية عن المكونات البشرية لعالَم المؤسسة الدينية كمجموع مقدّس؛ إذ تركتْ الأساليب اللاأخلاقية في إدارةِ الخلاف، إضافةً إلى الصدع النفسي المؤلِم، قناعةً فكريةً بأنَّ اختلاف منهجية قراءة الدين ليس مجرد تنوّعٍ ثقافي، بل هو قواعد نظرية لشرعنة السلوك العملي..


فلا غرابةَ أنْ تتولّد عن منهجيةٍ معينةٍ سلوكيات رحمانية، وعن أخرى سلوكيات شيطانية، وكلا النتيجتين تتشبثانِ بالشرعية الدينية..!!

بعد هذه المرحلة، بدأتْ الأفكار تتبلور عبر تراكم التجارب النظرية من خلال المطالعة، والعملية من خلال معايشة الواقع، وكان لثلاث شخصياتٍ فكريةٍ دورها الرئيسي في تعميق القناعة بخيار هذا المسلك، وهم: الشيخ حيدر حب الله، والدكتور عبد الجبار الرفاعي، والسيد كمال الحيدري..


بعيدًا عن هذا.. فإنّ في كتاب الدكتور الديري قدرة فائقة على الإضافة النوعية في هذا المجال، فهو قراءةٌ من زاويةٍ خاصةٍ لجزئيةٍ مهمة من تراث الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي كمقابِل للتراث الفكري لأصحاب المنهجية الرسمية في قراءة الدين، والمتمثلة في الفقهاء وعلماء الكلام، أو كما يسميهم الديري: أهل الفِرَق وأصحاب المِلل، وبتعبير ابن عربي: علماء الرسوم..


في هذه المقابلة يمكن الوقوف على المقدار الواضح من التناقض بين الطرفين في مقاربتهما للمسألة الدينية، ويجعل الديري مُنطلقه للمقارنة موضوع (الأسماء الإلهية)؛ حيث يعتمد ابن عربي منهجيةً صوفيةً ترتكز على التأويل وتؤدي للتمدد في المعاني خارج الحدود الضيقة للألفاظ، وهو ما يقعّد لأخلاقيات قبول الآخر، وشرعنة اختلافه، وتجيير نصوص الدين لصالح الاجتماع معه رغم التباينات النظرية..


أمّا عند الكلاميين وأهل الحدود الضيقة من علماء الدين فإنّ أسماءَ الله تُنتِج مفعولًا معاكسًا يشرعن تجريم الاختلاف، ويبرّرُ نتائج هذا التجريم أيًّا كانت: اتهامًا بالضلال، تكفيرًا، أو حتى استباحةً للدم الحرام..!!

يعتقد الديري، من خلال إشارات عديدة، أنَّ منهجية علماء الفِرَق إنما هي استجابةٌ لمصالح السلطات الحاكمة في زمانها؛ إذ كثيرًا ما أثبتت الوقائع أنَّ اقتصاص الحكّام والسلاطين من بعض المتهمين بالكفر والزندقة من قبل علماء البلاط إنما هو ستارٌ لتغطية حقيقة الانتقام منهم كمعارضين سياسيين، وليس غريبًا على أهل التدبير والاحتيال استدراج بعض المتشنِّجين لإصدار الفتاوى بحق أفرادٍ أو جماعةٍ بعنوان الضلال والانحراف لهدفٍ سياسي يخفى على المفتي.


في هذا السياق تجد صورًا عديدة يعرضها الديري لتكفير قائمة كبيرة من العلماء عبر الزمان لشخصية محيي الدين بن عربي، ودعوتهم لحرق كتبه، ومنع تدريسها أو تداولها بقانونٍ رسمي..

ومن الملفت أن تكون انطلاقة سلوك التوحُّش الفكري تجاه صاحب الفتوحات المكية في العالَم الشيخ من الشيخ الأوحد الأحسائي والذي شرب من نفس الكأس التي جرّع مرارتها غريمه؛ حيث صار (أي الأحسائي) بعد ذلك موضوعًا خصبًا للفتاوى التضليلية والتكفيرية..!!

وليست هذه هي المفارقة الوحيدة، حيث تبرز مفارقة التناقض بين واقع فكر ابن عربي الذي يسعى جاهدًا لتقديس الذات الإلهية عن إدارك حقيقتها، وتنزيهها عن الجسمانية وإمكانية الرؤية البصرية، وواقع فكر علماء الرسوم الذينَ يؤكدون على إمكانية رؤية الخالق سبحانه بالبصر في القيامة، ومع ذلك فإن فتاوى التكفير بداعي الإساءة للذات الإلهية تصدر عن الطرف الثاني بحق الأوّل..!!

يتناول ابن عربي موضوع (الأسماء الإلهية) من زوايا متعددة بمجموعها تؤدي إلى نتيجة واحدة في جانب قبول الآخر المختلف؛ إذ استطاع بجعله اسم (الرحمن) مركزًا لهذه الأسماء أن يعمم ثقافة الرحمة في سائر نتاجه الفكري،

فكان بذلكَ ساعيًا لتطبيق الحديث القدسي الذي يشير إلى صيرورة العبد سمعَ الله الذي يسمع به، بعد أن ينجح هذا العبد (الإنسان) في بناء علاقة بينه وبين الله قائمة على مفهوم وحدة الوجود؛

ولأنّ مركز أسماء الله (الرحمن) فإنّه لن يترشّح عن الإنسان إلا الرحمة، وبذلك يكون مصداقًا لتطبيق عنوان خلافة الخالق كما أراد الخالق سبحانه، وهذا يعني أنّ كل سلوكياتِ التوحش الصادرة عن الإنسان بعيدةٌ عن إمكانية تحقيق عنوان أهلية خلافة صاحبها لله في الأرض..

"مؤتمنٌ هذا الإنسان على خزائن الرحمة الإلهية، وحين يضيّع هذه الأمانة، يصاب العالم بالدمار والتوحش، فيفقد هدوءَه وانسجامه".* صفحة:٢٢٥

يذكر الديري في الفصل الأخير مثالًا توضيحيًا جميلًا لمسألة ".. صرتُ سمعهُ الذي يسمعُ به.."، ولكن بشكل معكوس:

".. يكون الله سمعك بالأسماء الإلهية. ولنوضّح ذلك أكثر، حين تتلقى تعليمك وتربيتك على فتاوى التكفير والتقتيل ونصوص التوحش، فإنها تشكّل سمعك وجهاز تلقيك، وحين تسمع أحدًا يتحدث عن الله وصفاته، فإنك لا تسمعه، بل تسمع هذه الفتاوى والنصوص التي فيك وتردُّ عليك، فهي سمعك وبصرك الذي تتلقى به ما يرد عليك."* صفحة: ١٩٥.

قبل الختام، لا ينبغي التغافل عن أنّ فكر ابن عربي فكرٌ مؤهّل لإساءة فهمه، بسبب اللغة الصوفية (العرفانية) الغامضة في كثير من عباراتها؛ لذلك كانت مواقف شُرّاح عباراتهِ متأرجحة بين القبول و الرفض، وهناك من يتوقف.. وهذا ما يدفعني بقوّة لإيراد ملاحظات الدكتور عبد الجبار الرفاعي التي أوردها في مقدمة هذا الكتاب على الخطاب الصوفي كنوعٍ من التنبيه للمتعاطين مع هذه المنهجية قبل الخوض في غمارها؛

إذ يؤكد على أن التراث الصوفي:

١) لا يمكن استئنافه كما هو في عالمنا اليوم، باعتباره منتميًا، كأي تراث بشري آخر، للأفق التاريخي الذي وُلِد فيه، فهو مرآة لعصره..

٢) يتضمن الكثير من المقولات المناهضة للعقل..

٣) يتضمن مفاهيمَ تعطّل إرادة الإنسان، وتقيد حرية التفكير النقدي عنده واستعماله لعقله..

٤) فيه تنكُّرٌ للطبيعة الجسدية البشرية من خلال ممارسة بعض الرياضات القاسية المسرفة في ترويض الجسد كالجوع والسهر والبكاء والعزلة والصمت.. وهذا يؤدي بطبيعته لآثار نفسية واجتماعية سلبية كالعزلة والانطواء وبعض الأمراض النفسية..

"..لذلك _يقول الرفاعي_ ينبغي أن نتعاطى مع مفاهيم التصوف بيقظة، وأن نحذر من تقليد أحدٍ من أعلام التصوف في سلوكه أو نتقمص حياته الخاصة، وألا نقع في أسر أفكاره مهما كان"* صفحة:١٦

وهذا نوعٌ من التوازن المطلوب في الانفتاح على المناهج الفكرية، والقراءات المتعددة لفهم الدين.

ختامًا، فإنّ هذا الكتاب يمكن أن يفتح الطريق للراغبين في إعادة قراءة نتاج ابن عربي الفكري من هذه الزاوية التي طرقها المؤلف بعيدًا عن تعقيدات المفاهيم الصوفية المتعددة المنتشرة في تراثه الواسع..



عبدالجبار الرفاعي