• المرقاب

ليلة السكاكين الطويلة على الديمقراطية الأمريكية


تداعيات "غزوة الكابيتول" واحتراق مقام "الحرية" في الولايات المتحدة الأمريكية






ربما لم يكن متوقعاً أن يخالف أحدٌ الوصايا التي تضمنها كتاب القوانين الذي تحمله المرأة في تمثال الحرية الأمريكي، تعبيراً عن الحرية المصونة. ولكن الواقع قد سار إلى عكس ذلك.فقد ارتكبت شركة تويتر سابقة في تكميم حرية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حينما فرض المشهد الأمريكي الراهن تحركات سياسية تقودنا إلى تغيرات غير مسبوقة. وأدت مجريات أحداث "غزوة مبنى الكابيتول" في واشنطن في السادس من يناير 2021م، إلى أن تفرض شركة تويتر سطوتها الرأسمالية كقوة فاعلة صاعدة تؤثر ليس فقط في المشهد الاقتصادي، بل حتى السياسي أيضاً.


ليلة السكاكين الطويلة على الديمقراطية الأمريكية، تجلت في التعدي على الكونغرس الأمريكي، جهاز التشريع والرقابة العريق في مدينة واشنطن، كانت شركة تويتر أحد السكاكين التي تطعن ترامب الجمل بعد أن هوى كما يُقال في المثل العربيّ. فقط قررت تويتر الوقوف مع الديمقراطيين الصاعدين إلى المسك بنواصي السلطة والإدارة ضد الجناح اليميني الجمهوري يُحمّل حقائبه خروجاً من المشهد.


ففي خضم التقلبات السياسية، تحوّل قرار حظر حساب ترامب الذي يعتبر للوهلة الأولى بمثابة قرار يحمل دوافعاً أمنية، تحوّل إلى قرار سياسي عبر وقوف تويتر مع الديمقراطيين ضد الجناح اليميني الجمهوري بل وأكبر من ذلك بكثير. حيث كان قرار تويتر يتضمن في حيثياته الموجزة في التذرع بأنها فقط وقبل أن تنهي ولاية الرئيس الأمريكي بأسبوع واحد، إنتبهت الشركة العملاقة إلى أنّ تغريدات ترامب تهدد الاستقرار الاجتماعي وتمثل تحريضاً على العنف. لعمرك إنها ملاحظة متأخرة جداً... الأقرب إلى الفهم أن هناك قراراً سياسياً يقف وراء ذلك، وهو ما دفع جناح الديمقراطيون داخل الشركة إلى إتخاذ هذا القرار الخطير.


إدراكاً لخطورة الحديث وتداعياته المحتملة، فقد أعلن المدعي العام لولاية تكساس السيد كين باكستون في يوم الأربعاء (قبل يومين) أنه طالب من شركات "أمازون" و"آبل" و"فيسبوك" و"غوغل" و"تويتر" شرح الأسباب التي دفعتها لفرض حظر جماعي على ترامب. ولا يخفى على فطنتك أيها القارئ أن هذه الطلبات في حقيقتها بداية فتح ملف تحقيق فيما يمكن أن يعتبر انتهاكاً للقانون في شقه المتعلق بمقام "الحرية".


إذن، فإن مكتب المدعي العام يفتح حالياً تحقيقاً، ولكن ما هو سيناريو المرجعية القانونية أو القضائية في قراءة هذا الحدث؟ هل يُعبر من قبيل تكميم الحريات وبالتالي فإنها جريمة جنائية عامة وهذا ما يتعارض بالضرورة مع مبادئ الحريات المدنية في الولايات المتحدة. وهي بطبيعتها حقوق غير قابلة للنزع أو المساس في الضمير الحقوقي الأمريكي، يحفظها دستور الولايات المتحدة لكل مواطن أمريكي، والتي توضح المحكمة العليا الأمريكية والمحاكم الفيدرالية الأدنى هذه الحقوق وتصنفها بوصفها بديهية.


ففي الدستور الأمريكي تحت عنوان حرية التعبير يوجد بند حرية الرأي، حيث ينص التعديل الأول على دستور الولايات المتحدة الذي أُقر في 15 ديسمبر 1791م على ذلك، كما أنّ بند حرية الصحافة يُستدعى هو الآخر في حالتنا الراهنة، ناهيك عن بند حرية التجمع، بند العرائض وحق الناس في تقديم طلبات الإنصاف من المظالم للدولة. هنا تأتي المشكلة التي تمثل في الآونة الحالية مأزقاً ليس من اليسير الخروج منه.


وقد وجد رئيس "تويتر" جاك دورسي نفسه فجأه أنه جرَّ قدمه إلى ساحة أكبر من سياسية، فأصبح يجد نفسه عاجلاً أم آجلاً في حضن مكتب المدعى العام ليناقش معه قضية محتملة حول إنتهاك حقوق حرية التعبير الدستورية للرئيس المنتهية ولايته ترامب. وقد إستعجل الأحداث رئيس "تويتر" جاك دورسي، اليوم فقام بإدلاء هذا التصريح:



أن قرار الموقع حظر حساب الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب كان "الخيار الصحيح" لكنه مع ذلك يرسي "سابقة خطرة" ويعكس "إخفاقاً" في أداء الشركة. ومن ثم، وفي سلسلة تغريدات تناول فيها قرار "تويتر" منع ترامب من استخدام المنصة إلى أجلٍ غير مسمى، كما كتب دورسي أمس الأربعاء أنّ هذا القرار يمثل "إخفاقاً من جانبنا في الترويج لمحادثة سليمة".

أمام هذه المعطيات، قرأ المدعي العام لولاية تكساس كين باكستون الأحداث من تحكم الشركات الرأسمالية الأمريكية الضخمة بمجريات أحداث تتقاطع ضد الدستور من ناحية وتنخرط في الحياة السياسية العامة التي تهدد سيادة الدولة الأمريكية والذي يعد جريمة فيدرالية.


الشق الجنائي، أو القرينة الجنائية التي استشرفها المدعي العام، تتمثل في أنّ سياق وقف الحسابات التي قامت بها عدة شركات أمريكية وهي مجموعة متنوعة ومتناغمة من وسائل التواصل، تبدو من الناحية الواقعيّة خطوة "منسقة" وتهدف إلى "إسكات أولئك الذين لا يتماشى كلامهم ومعتقداتهم السياسية مع قادة الشركات التكنولوجية الكبرى". وهنا مكمن الخطر. لذلك طالب المدعي العام من شركات "أمازون" و"آبل" و"فيسبوك" و"غوغل" و"تويتر" شرح الأسباب التي دفعتها لفرض حظر ينطوي على تنسيق مشترك وفي توقيت واحد على ترامب. وهو ما يُعرف في الفقه الجنائي بركن "الإرادة" حيث اتجهت هذه الشركات على ارتكاب أمر، سبقه في ذلك "اتفاق جنائي"، وإلا لماذا يتحرّك المدعي العام؟

لقد أردك المدعي العام وجود شبهات جنائية في حق مقام "الحرية" وشبهات النيل من "المجتمع". ولهذا تجد أنّ مؤسس "تويتر" ينفى أن تكون هذه الخطوة منسقة، وقال: "لا أعتقد أن هذا الأمر كان منسقاً. الأكثر ترجيحاً هو أن الشركات توصلت إلى استنتاجاتها الخاصة أو شجعتها عليها تصرفات الآخرين". هل يمكن أن تكون غير منسقة؟ خاصة في ظلال قرينة "التقارب الزمني" من جهة و"وحدة الموضوع" من جهة أخرى؟ هذا ما يبحث عنه المدعي العام في هذه الأثناء.


تأكيداً على خطورة المسألة، فقد توسع أفق الأحداث الأمريكية عندما أعلنت الأمم المتحدة أن مسألة حماية حقوق الإنسان في أثناء حجب الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تتطلب مناقشة مفتوحة بمشاركة مختلف الأطراف.فقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن "هناك ضرورة لجمع مختلف الأطراف المعنية ومناقشة هذا الموضوع". وأضاف دوجاريك أنّ "جميع الوسائل لكبح التصريحات الخطيرة والكراهية يجب أن تتجاوب مع القواعد الدولية الخاصة بمراعاة حقوق الإنسان". وأشار إلى أن "الحكومات لديها التزامات بشأن حقوق الإنسان، لأنها وقعت الاتفاقيات ذات الشأن. أما الشركات فهذا أمر مختلف. وهناك تعليمات للأمم المتحدة، تقول إنّ الشركات يجب أن تمنع انتهاكات حقوق الإنسان". ويأتي ذلك على خلفية حجب صفحات الرئيس الأمريكي على أكبر مواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك حجب حسابه على "تويتر" بشكل دائم.

ومن جهتنا، نعتقد أن الموضوع يأخذ بعدين اثنين من المخاطر. البُعد الأول: أن تكون الشبهة الجنائية على شخص الرئيس ترامب باعتباره مواطناً يتمتع بكافة الحقوق السياسية والمدنية. والبُعد الثاني - وهو الأخطر- أنّ ترامب لا يزال يتمتع بصلاحيات الحكم والإدارة دستورياً وقانونياً، وبالتالي فإن الإعتداء ليس على شخصه، بل على صفته كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية الدولة العظيمة، وبالتالي أن تأتي شركات رأسمالية لتقوم بتقويض سلطات الرئيس الأمريكي في مخاطبة الجمهور، فإن هذه ليست سابقة فحسب، بل هي أحد السكاكين الطويلة على الديمقراطية الأمريكية.



نحن أمام مشهد الإعتداء على مقام "الحرية"، يتضح لنا كيف اتسعت الهوّة في الانتصار لمذهب القانون الوضعي (نسبةً إلى المدرسة الوضعانية) الذي لا يرى في الأحكام القانونية سوى إنفاذ لمبدأ المنفعة، ولو تعارض الأمر مع مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدل والقيم المُثلى، وهي المدرسة التي تنال بطبيعة الحال من فكرة العقد الاجتماعي وفلسفة مونتسكيو عندما تحين الفرصة لذلك. إن الحرية الليبرالية الرأسمالية الأمريكية متى كانت بعيدةً عن التأصيل على أساس الحقوق الأخلاقية الماقبلية، فإن النتائج ستكون محسومة مقدماً. ولهذا لم تتورع الشركات التجارية في اتخاذ القرارات السياسية في لحظة الحاجة إليها في تصور مرعب لسلطوية رؤوس الأموال، جعلت رئيس الدولة أشبه ما يكون "تحت الإقامة الجبريّة" بالمعنى الحداثي التكنولوجي.


ربّما مثل ترامب في صورته الشائعة، الرجل صاحب رأس المال الجشع، لكن الأهم فيما حدث بعد ذلك، أن هذا الرجل كان وسيكون علامة فارقة في تاريخ الأمة الأمريكية، حيث يعتقد كثيرون أن تاريخ (20 يناير) القادم يوم تنصيب الرئيس الجديد، سيكون نهايةً للعهد السيء في التاريخ الأمريكي، ولكن الحقيقة أنّ هذا التاريخ (20 يناير) سيكون بداية لطريقٍ آخر في مسار الحقوق وكيفية إدراكها وفهمها وتصورها في الضمير الأمريكي، أي أنّ هذا التاريخ سوف يكون بداية لبروز المشكلة الأمريكية على السطح، لا نهايتها.


محمد الزّكري

دراسات أنثربولوجية


علي الصديقي

دراسات قانون





إشترك بمجلتك "المرقاب" .....من أجل  أن تصلك المعلومات

.أول بأول رجاءا إكتب بريدك الإلكتروني في الصندق السفلي واضغط  Subscribe 

Subscribe to Our Newsletter

  • White Facebook Icon

 2020 © alMirqab.Das.Monokel 

almirqab.das.monokel@gmail.com