• المرقاب

ماكرون وتحدي علمنة الإسلام في فرنسا: رب ضارة نافعة

Updated: Nov 21, 2020





ماكرون كرئيس طموح يواجه تحديات كبيرة من الشارع الفرنسي. هناك من يقول إنه إفتعل قضية التحرش بالإسلام بطريقة شعبوية لكي يجد تعاطف من الشارع الشعبوي لمواجهة ليبرالية شارع السترات الصفراء. هذا التصرف أدخل الشارع الأسلاموي الثالث على الخط الفرنسي. معه دخلت فرنسا مناوشات "التت مقابل تات" (Tit for Tat) كما يقول الإنكليز، أي سأفعل بك هذه مقابل تلك.

للأسف سقط ضحايا أبرياء من أتباع أيدولوجيات. أيدلوجية ذات قناع ليبرالي وآخر ذو غطاء ديني.


ثم وجدت ألمانيا وكافة أوروبا نفسها تخوض مضاعفات الشارع الفرنسي في فيينا – النمسا وبدأت قضية إعادة ترميم صورة ماكرون تتحول الى قضية أوروبية بل وقضية البلدان المطلة على البحر الأبيض المتوسط.



آخر ما أقدم عليه السيد ماكرون هو


لقاءه مساء الأربعاء الفائت مع مسؤولي الديانة الإسلامية في فرنسا في قصر الإليزيه لبحث الخطوط العريضة لتشكيل "مجلس وطني للأئمة"، يكون مسؤولا عن إصدار الاعتمادات لرجال الدين المسلمين في البلاد أو سحبها منهم.

وطلب من محاوريه وضع "ميثاق للقيم الجمهورية" يتضمن تأكيدا على الاعتراف بقيم الجمهورية ويشدد على أن الإسلام في فرنسا هو دين وليس حركة سياسية، وينص على إنهاء التدخل أو الانتماء لدول أجنبية.


أرجو من السيد ماكرون أن لا يحمل رجال الدين المسلمين في فرنسا تصرفات المحبطين من العاطلين عن العمل من الفرنسيين الشمال أفرقيين. فهذه قضية أخرى. كما أرجو أن يميز السيد ماكرون بين المفكر المسلم ورجل الدين المسلم. فليس كل رجل دين يمتلك متانة فكرية كما أن ليس كل مفكر مسلم يجيد إستخدام "قال الله وقال رسوله" بطريقة تقنع رجال الدين. لذلك كان عليه إشراك المفكر المسلم المتمكن من إستخدام "قال الله وقال رسوله ص" بطريقة متصالحة مع الخطوط الإسلامية العامة من ضمن هذا الفريق.


وإصرار السيد ماكرون على أن يتمكن "مسؤولي الديانة الإسلامية في فرنسا" من تحرير وثيقة

باسم "ميثاقا للقيم الجمهورية" في غضون 15 يوم لا يبدو لي حكيما. القضية ليست بالسرعة بل بالحكمة.


على الرغم من كل الأخطاء التي إرتكبها السيد ماكرون في التعامل مع الملف "الإسلامي/المسلمين" خصوصا تعليقاته التي أوحت الى جريدة شارلي ايبدو تجديد نشر الصور المسيئة الى رسول الإسلام العظيم محمد (ص)، إلا إني أقول:
"رب ضارة نافعة".
المسلمون يعانون كثيرا من شتات في فهم دينهم. وهذا الشتات ليس بسر! بل هو علني يتمكن أي إنسان من قراءته في السوشال ميديا حول أي قضية دينية أو ذات شبهة دينية.
مفردات بذيئة وتكفير ولعان وسباب وتحليلات غريبة باسم الدين الإسلامي الحنيف.
لذلك إنني أدعو الله تعالى أن تتمكن سيد ماكرون من خلق جدل إيجابي ووضع رؤية لإسلام أوروبي حضاري متصالح مع بيئته. إسلام محافظ على مبادئة ومتجدد بتعايشه.

نعم وجدت في ما صرحت به في مقابلة قناة الجزيرة رئيسا جادا يبحث عن سبيله لحكم جمهورية متعددة الديانات والثقافات والأيدولوجيات...... ولكن من باب أن الكمال لله وحده دعني سيد ماكرون أكون لك مستشارا .


بخصوص الاستهزاء بجد آل البيت وهم فرنسيون يقيمون في فرنسا كمواطنين


على مستوى الحريات أو إنتهاك خصوصيات الفرنسيين فلا يعقل في دولة عقلانية تؤمن بالعقل أن تستخدم صور لأحفاد أي شخص فرنسي أو غير فرنسي وتجعل منه كاريكاتور في أوضاع مشينة، ومن ثم تنشره في الصحف، ومن ثم تقول الصحافة لأحفاده (ومحبيه) إننا نتبع أسلوب الاستفزاز لكي نعلمكم مبادئ التحمل وعقيدة الحرية. فإذا تحملتم ذلك فأنتم مؤمنون بقيمنا، وإذا لم تتحملوا فأنتم كافرون بها.
لا أعتقد أن من العقلانية أن تسمح الدولة الفرنسية وهي حامية لخصوصيات وكرامة كل مواطن فرنسي أن تسمح بفتح أبواب الاستهزاء بهذه الصورة الفظّة ضد جد لكثيرا من أحفاد محمد (وأحبائه) الفرنسيين والذين يقيمون في فرنسا ونسمي مثل هذا الفعل عقلاني وننصعه في تاج الجمهورية، ونسميه قيمنا العليا. فطرق تعليم الحرية كثيرة وعليكم اكتشاف وسائل أخرى غير هذا الأسلوب. طرق تضمن احترام ومشاعر أحفاد محمد (ص) الفرنسيين. هكذا تكون قيم الجمهورية قيم تحمي كرامة وسمعة مواطينيها من آل البيت الفرنسيين.

بخصوص قيم العلمانية وتعدد الديانات والإيدلوجيات


سيد ماكرون عندما قدم رسول الإسلام العظيم محمد (ص) الى المدينة المنورة باشر بإبرام وثيقة اسمها "معاهدة المدينة المنورة". هذه الوثيقة أقرت بأن يهودي ومسيحي ومشركي ومسلمي المدينة المنورة أُفراد من الأمة في كيان الدولة النبوية في المدينة المنورة. كما أن رسول الإسلام (ص) أقر بالحكم العرفي أو مايعرف اليوم بالحكومات المحلية. ففي هذه المعاهدة لم يفرض محمد (ص) قوانين الشريعة الإسلامية على الكانتونات الدينية والثقافية اليهودية، المسيحية والوثنية. بل أقر أن لكل محلية من محليات دولة المدينة قوانينها العرفية. وإذا ما حصلت أي مشكلة فعليهم الإحتكام والتقاصص بناءآ على أعرافهم المحلية.

هكذا كان مفهوم "الدولة" في عقل النبي (ص) السياسي قائم على أن الرئيس محمد (ص) هو رئيس يدير مجموعة من الحكومات المحلية كل محلية ذات مرجعية قانونية محلية. هكذا حصل فصل بين من يريد الإحتكام بحكم الشريعة وبين من لايريد ذلك. لأن الأصل في القرآن المشيئة الفردية.

وعمدة بناء الدولة النبوية هو إشارة قرآنية واضحة الى الرسول ص من قوله تعالى:

" خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) سورة الأعراف.

ففي هذه الآية يأمر الله تعالى نبيه بتأسيس "دولة الأعراف" وطلب منه الإعراض عن ضغوط الجاهلين عليه الذين يعارضون تأسيس دولة تدير تعددية ذات مرجعيات عرفية عديدة.

أرجو أن أكون قد أديت دور الناصح المخلص من أجل دولة فرنسية أسعد.



د. محمد الزّكري القضاعي






104 views0 comments