• المرقاب

ما هي حقيقة السيد كمال الحيدري؟



اشتد الجدل واللغط حول السيد كمال الحيدري خصوصا بعد إجراء القناة العراقية الفضائية، مؤخرا، سلسلة لقاءات معه بعنوان "الدين والعلمانية". حيث تجاوزت أطروحات السيد كمال عدد من الخطوط الحمر في وجهة نظر علماء إمامية.

آية الله الشيخ محسن الآراكي من الذين انزعجوا جدا من السيد كمال الحيدري. آية الله محسن الأراكي مجتهد وعالم دين إسلامي، من مواليد 1956م، الأمين العام لمجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية، ومؤسس "المركز الإسلامي في إنجلترا"، عضو سابق في مجلس خبراء القيادة في إيران، وأحد أبرز علماء الدين الإيرانيين؛ وهو من تلامذة المرجع الديني والمفكر الإسلامي "الشهيد محمد باقر الصدر".

وقام الشيخ محسن الآراكي بإصدار بيان في حق السيد كمال الحيدري

أنقر الرابط لقراءة كامل البيان.

https://ar.hawzahnews.com/news/361683/بيان-آية-الله-الأراكي-في-رد-تصريحات-السيد-كمال-الحيدري-في-تكفير

وقد ورد فيه هذا الوصف للسيد كمال الحيدري:

"وإنّ من هؤلاء المبتدعة الكذّابين رجلاً يدعى كمال الحيدري بدأ أخيراً يخرج إلينا بين فترة وأخرى ببدعة وفرية يفتري بها على الإسلام والمسلمين، يُضلّ بها السذّج والمغفّلين، يريد بذلك خلق الفوضى بين فئات الأمّة وإيجاد الفتنة بين المسلمين."

كما قال الشيخ محسن الآراكي في هذا البيان:

" إنّ ما اقترفه هذا الرجل من بدع وأكاذيب يثبت أنّه فاسق مبتدع دجّال، فيجب على جميع المسلمين البراءة منه وأن يعاملوه معاملة الفاسقين المبتدعين، ويحرم عليهم التعاون معه والترويج له، أو دعمه بأيّ لون من ألوان الدعم والتأييد، ومن يفعل ذلك فإنّه من المجرمين، وإنّ الله ينتقم من المجرمين حيث قال: (إنّا مِن المُجرِمينَ مُنتَقِمُونَ)."

*****


على الرغم من قساوة التعابير غير أنني متفهم أن الشيخ محسن الآراكي وهو "الأمين العام لمجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية" المتخصص بقضايا التقريب المذهبية و الكلام العقدي يحب أن يواصل نهج سلفة القائم على تمييع وتجاهل قضايا حساسة بعدم التطرق الى تلك النصوص الإمامية المتشددة والتي لا ترى سبيلا لنجاة غير الإمامي إلا من خلال إعتناق العقائد الإمامية.

الذي يبدو لي كإنسان يتخذ مسافة متساوية من الشيخين أن السيد كمال الحيدري في لقاء "الدين والعلمانية" لم يختلف عن مقاصد الشيخ محسن الآراكي. الفارق الذي يتضح لي أن منهج السيد كمال الحيدري يختلف عن منهج الشيخ محسن الآراكي.


السيد كمال الحيدري يريد أن يعالج القضية بكشف كل الأوراق والنصوص الإمامية لكي يحدث جدل من أجل إصلاح جذري وعميق ودائم.

السيد كمال الحيدري قال أن هناك نصوص في الكتب الإمامية ومشهورة ترى بأن من لا يعتقد "بالإمامة" كمكون متين من مكونات عقيدته فإنه خارج دائرة من يرجى له الفوز بالجنان في الآخرة.

ثم وضح السيد كمال الحيدري بضعف هذه الفكرة.

وقام بدحضها بتسليط الضوء على نصوص إمامية أخرى ترى بنجاة المسلم في الآخرة دونما حاجة المسلم أن يتخذ من عقيدة "الإمامة" الإثنى عشرية عقيدة له.

هكذا يكون السيد كمال قد واجه النصوص الإمامية التراثية بكل جراءة ودحضها بنصوص إمامية تراثية أخرى.

لمن يحب أن يطلع على موقف السيد كمال الحيدري من دخول الصالحين من أهل السنة الجنة بشرط وحيد وهو عدم عداوة وبغض آل البيت. علما أن في هذا الزمن لا يوجد أحد من أهل السنة ممن يبغض آل البيت عليهم السلام.

للمزيد أنقر هذا الرابط



لكنني لا أتوقع أن تتوقف يوتيوبات وكتابات السيد كمال الحيدري عن إثارة جموع ،ليست بالقليلة، من اتباع الإمامية ضده. سأشرح ما الذي دفعني أن أكتب هذا بعد أن أفتح ملف بنية المرجعية الدينية الإمامية.

بنية المرجعية دينية

بنية المَرجع والمُقَلِد في المذهب الشيعي شديدة السيولة والتحور وقد تبلورت في آخر ثلاثمائة عام. ومنذ قرابة النصف قرن ونحن نشاهد تزايدا في أدبيات إمامية تمجد لذلك الشيعي المقلد المطيع لكل ما تمليه عليه مرجعيته.

أدبيات ترفع من شأن الشيعي الذي ينفذ بولاء جميع مرائي المرجعية الفقهية.


بمعنى آخر قامت الأدبيات بتأسيس لثقافة الإنصياع التام أو ما يعرف بتسليم عقل المقلد لمقام المرجعية.


مع نمو ثقافة الإنصياع المطلق إختفى من أدبيات الإمامية مصطلح في غاية الأهمية ألا وهو


"التبعيض" (أو كما يسميه السنة "التلفيق").


التبعيض فقها يعني حق المقلد بعدم تقليد مرجعيته في أمر ما والأخذ بتقليد موقف فقهي آخر يراه مرجع فقهي إمامي غير إمامه.

هذا الحق يفترض الكثير. فلن يتمكن الشيعي الذي في رتبة "المقلد" من ممارسة "التبعيض" إلا من بعد ممارسة عملية الإطلاع على الرؤى الفقهية المتنوعة لدى كافة المرجعيات حول مسألة فقهية معينة.

ثم دراسة الحجج المقدمة من جميع المراجع التي من خلالها إتخذوا مواقفهم الفقهية المختلفة.

ثم إمتلاك المقلد الشيعي لآلية التحسين والترجيح لكي يستطيع تضعيف أو تقوية رأي فقهي على آخر.

ثم والأهم التبعيض يضمن عدم وصم الشيعي المبضع بنعوت الغدر والخيانة والخروج عن ولاءه لمرجعيته.

نظريا من خلال ردهة "التبعيض" يتمكن الشيعي من إستعادة إستقلالية قراره (ولو جزئيا) دون أن يخرج من بنية المرجعية الدينية الإمامية.

إستثمار التبعيضية لأجل أشكلة المسلمات

نعم السيد كمال الحيدري يلغي بشكل ممنهج تلك العلاقة البنيوية الصارمة القائمة على فكرة إنصياع المقلد التام لمرجعيته. فهو بمحض تدشين مشروع يهدم ثقافة تسليم عقل المقلد لمقام المرجعية.
هكذا يبني السيد كمال الحيدري ثقافة تعيد مقاليد استقلالية التفكير الى المقلد من ضمن علاقة جديدة وعصرية بين المقلد-المرجعية.


آلية عمل منهج السيد في بناء الإستقلالية العقلية


السيد كمال الحيدري عندما يناقش مسألة ما يبدي لطلبته ومقلدية أنها حمالة لعدة أوجه. ويشرح تلك الأوجه ومن ثم و في أغلب المحاضرات لا يبدي السيد كمال إلى أي وجه من الأوجه يميل ويرجح.


بمعنى آخر كأنما جعل السيد كمال من خطابه حمال لأكثر من صوت فقهي ينطق كل صوت بموقف فقهي مغايير. يجبر خطاب السيد كمال المقلد بعد أن يستمع الى عدة مواقف وأوجه محتملة كل منها مدعم بنصوص قرآنية وأخبارية وفقهية وعقلية وتاريخية وفلسفية أن يقوم هو (أي المقلد) من ممارسة آلية الترجيح والتحسين والتضعيف لكي يصل هو (أي المقلد) الى إتخاذ موقفه الفقهي.


هنا يكون السيد كمال الحيدري قام بشيء إبداعي منقطع النظير،

وأقصد من ذلك قام بتبضيع ذاته وبتبضيع خطابه وبتبضيع فقهه للمقلد.

عمل، لعمرك، حري بالتوقف عنده إجلالا لهذا المجهود الكبير الذي ينم عن إحترام السيد كمال لعقل المقلد ويدل على محاولة السيد كمال على تدريب المقلد ليكتسب الثقة برجاحة ملكته التفكيرية، لكي يمارس المقلد إتخاذ موقف فقهي يراه سليم.

التبعيضية الكمالية الحيدرية نوع متطور من أنواع "الأشكلة" والأشكلة أداة مهمة لمراجعة ما تسببه المسلمات من بلادة عقلية ودعة فكرية في عقل العربي الذي تعود أن يتلقي القرارات الفقهية جاهزة دونما أي عناء عقلي.

فكل مسلمة تعني توقف العقل عن مسائلتها وتمحيصحها والبحث عن دواعي قبولها بلا نزاع .


ممارسة المسلمات الفقهية من خلال علاقات الإنصياع التام أو ما يعرف بتسليم عقل المقلد لمقام المرجعية لا يعطل مجرد العقل الفقهي بل إنه يؤسس لثقافة إستقالة العقل ومن ثم لتعطيل العقلانية. وإحياء التبعيض والأشكلة لا يحيي فقط العقل الفقهي بل يوقظ العقل والعقلانية.

قراءتي هذه للسيد كمال الحيدري تنبئني بأن السيد سيواصل إثارة مرجعيات شيعية عديدة. ولأن المرجعيات الشيعية الأخرى مازالت تمارس علاقة الإنصياع القبلي الفقهي التام بين المقلد والمرجعية. فعندما يتحدث شيخ القبيلة الفقهية بشيء فيه تجريح وتنقيص لذات السيد كمال الحيدري فمن المنطق البنيوي أن يقوم أفراد تلك القبيلة الفقهية بترديد ما قالة شيخ قبيلتهم في حق السيد كمال الحيدري بقدر مضاعف عنما صرح به مرجعيتهم.

هناك تكلفة باهضة يدفعه المفكر العربي عندما يقوم ببناء مباني فكرية جديدة. منها أن يسميه الناس فاسق، كذاب، مفتري، الخ .....


د. محمد الزّكري القضاعي