• المرقاب

حصار السيد كمال الحيدري حصار للمسلم الذي ينفتح على الحركة الكونية

Updated: Feb 6


أُنْجِزَ ظهر اليوم الجمعة وقفة تضامنية تطالب تحرير السيد كمال الحيدري من وضع التضييق الذي يفرض عليه.
عند تَفَحّص الصور التي نشرت اليوم على كافة مواقع التواصل الإجتماعي لم تترك لنا مجالا لتجاهل رؤية طغيان فئة الشباب على المشهد، في حين أنه بالكاد يتسنى لنا رؤية من تجاوز الخمسين عاما من أعمارهم.
شعبية السيد كمال بين أوساط الشباب أمر ملفت وحرج ومحرج في آن واحد. لماذا؟

قبل هذا علينا قرآءة مشهد المرجعيات عند الإمامية وتصدع الروابط بين قمة هرمها مع الطبقة الوسيطة من المثقفين من الشباب الذين يلمون بتحولات العولمة الكونية المُشَكّلَة لوعي الإنسان في قرنه الواحد والعشرون.



عند تأمل أهم ما يروج له وضع السيد كمال الحيدري في بيته وتحجيره بداخله لدى عقول الشباب أن:


فكرة المرجعية عند الأمامية في زماننا هذه عمليا هي كانها تقول:


يوجد فقط حفنة من العشرات ممن يمتلكون العقل الديني

والبقية من الناس رعاع عوام يسترعون قوتهم الديني مما تنتجه تلك الثلة الدينية من معارف.


والله في القران يخاطب العامة قائلا: " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر "

الموقف القرآني هذا إنعكس في خطاب علي بن أبي طالب ع.س.

فعلي بن أبي طالب ع.س. طلب من كافة الجمهور المسلم (العامي والمتعلم)

أن لا يأتيه من أجل العلم اولا بل ثانيا.


عندما قال : إعرف الحق تعرف أهله.

قال لجمهوره اعرفوا الحق اي القران أولا ثم اعرفوا أهله اي علي بن ابي طالب ع.س. ثانيا....

يعني أن علي بن ابي طالب ع.س. انطلق من عقيدة قرآنية راسخة مفادها أن الجماهير تمتلك قدرة عقلية على معرفة القران والحق ومن ثم تمتلك القدرة على التعرف على أهل الحق ومن يمثله اي علي بن ابي طالب ع س والسائرون على نهجه...

المرجعية الدينية الأمامية تطورت في آخر ثلاثمائة عام وأخذت مسارات جديدة غير معهودة في الفكر الثقافي الديني. أهم ما يميز تحولات هذا المسار الديني (والذي هو خارج على النهج العلوي الذي شرحناه آنفا) هو قيام ثقافة المُقَلَدْ - المُقَلِدْ كرابطة منظمة للعلاقة بين المرجعية وأتباعها. وهي ثقافة ذات إفتراض تطبيقي وعملي (ليس معلنا) أن الناس بلا كفاءة وقدرة على التدبر، ومن ثم طلبت هذه الثقافة منهم الانزواء تحت مضلعات الهرم والاتباع الصارم لمن يقبع في قمة الهرم. وإذا لا يفعل الشيعي ذلك سيخرج من بوتقة الإمامية الإثنى عشرية.


يجب أن لا يفهم من قراءتنا النقدية لمنهج المرجعية الإمامية الإثنى عشرية في مرحلتها الراهنة من إننا نقول بأنه لم تعد هناك حاجة إلى رجل "العالم الديني". الذي يجب أن يفهم من مقالتنا النقدية أن طبيعة العلاقة بين المُقَلَدْ - المُقَلِدْ تتخذ صور جديدة يجب رصدها ويجب الإلتفات اليها.

فالوضع الحالي السائد والقائم على علاقة عامودية صارمة بين المُقَلَدْ - المُقَلِدْ

قائمة على عملية تسليم عقل الجماهير ووضعها بيد شخصية المرجعية. هذه العلاقة من بقايا الجبر ومن بقايا الإكراه في الدين بأسلوب حاذق ...

كأن كل مرجعية هي التي تستوجب يوم الحساب نيابة عن المقلدين.

والله يقول في القران أنه سيحشرنا فرادا ..لكي يستوجبنا فرادا ...

فإذا كان كل فرد سيستجوب بمفرده إذا عليه أن يتخذ قراره بمفرده.


في حين أن التركيبة الثقافية الكونية المستجدّة قائمة على ثقافة جديدة مفادها إعطآء مساحة من الحرية والمشيئة الفردية التي يجب على كل فرد ممارستها. مع هذه المستجدات الكونية تكون بنية المرجعية التقليدية الحالية قائمة على أركان منقوصة لا تجاري التحولات الكونية ولن تستطيع بالدخول في أعماق القرن ال واحد وعشرين إذا لم يطرأ عليها تغير بنيوي....

واني اخال أن السيد كمال الحيدري (الذي اقدر مجهوداته الفكرية) أنه يقوم بإعادة خلق علاقة جديدة بين المرجعية ومن يحوم حول معارفه بعيدا عن علاقة الرئيس والمرؤوس....كما هو الوضع لدى بقية المرجعيات.

فقد كتبت فيما مضى شارحا نهج السيد الحيدري الذي يحض أتباعه على ممارسة إنتاج استنتاجاتهم الفقهية بذاتهم....وسالخص ما كتبت سابقا.

فنهج السيد كمال الحيدري لا يقوم بتوفير اللقمة المعرفية سائغة للمتلقي ...

بل ما يفضل السيد فعله هو أشْكَلَة القضية والمسألة المطروحة للنقاش.


أسلوب الأَشْكَلَة الذي يتبعه السيد كمال ينطلق بتبيان أبعاد أي قضية فقهية تُنَاقش ومن تقدير حجم تداخلاتها مع قضايا متاخمة لها هي ليست جزء منه.

فمن يتابعه يتمكن من رؤية كيف أن القضية التي تبدو للوهلة الأولى أنها قضية واحدة هي في الحقيقة مركبة من عدة مسائل متشابكة.

ثم يقوم السيد كمال الحيدري بفرز القضايا المتداخلة عن بعضها البعض. هكذا ينجح السيد بتدريب متابعية على ذهنية الفرز والتنقيح ومن ثم يشرح السيد أن إتخاذ موقف فقهي واضح من المسألة بعد تنقيتها عن تداخلات مسائل متقاطعة معها ليس بالأمر السهل وبعد هذا التبيان يتوقف السيد من إبدآء رأية الخاص بتلك القضية.


هذا السكوت بعد هذه العملية المعقدة من أَشْكَلَة القضية وبعد إزالة ما تراكم عليها من وشوشات لهو نهج يحترم عقل المتلقي ويجعل له مهمة أمامية جديدة .
هكذا يطلب السيد من المتلقي أن يقوم هو باتخاذ موقف ديني من المسألة ...

نهج السيد الجديد يخالف نهج المرجعية التي تفكر بشكل مطلق نيابة عن مقلديها....

نهج السيد يؤسس لنهج امامي جديد يسمح لمتابعي السيد كمال الحيدري من الاستقلال الجزئي ومن التفكير الذاتي لاتخاذ موقف فقهي أو كلامي منظبط تحت المعرفة التي فكك مبانيها السيد كمال.



أهمية هذا النهج أنه نهج يناسب التطور المعرفي الكوني الذي ندخل في ثناياه رويدا رويدا ..  
هكذا يكون السيد كمال الحيدري إرشادي غير تدققي.
 نهج الإرشاد الكمالي يرسم الخطوط العريضة للتفكير دون تقديم الاستنتاجات النهائية ....
نهج يحفز الجماهير لكي تستنهض وتقف على قوائمهم المعرفية الذاتية.

هذا النهج يناسب الطبقة الثقافية الشبابية الوسيطة. الطبقة التي تتوسط بين العلماء والعوام غير القادرين على إعمال عقولهم البتة.

هناك تحول كوني كبير وأعتقد أن السيد كمال الحيدري الرجل الوحيد الذي يعمل جاهدا لإبقاء الاحترام لفكرة المرجعية ... من خلال إستحداث نظام جديد ينسق عملية المُقَلَدْ - المُقَلِدْ لنقلها من تلقي المنتج الفقهي/الكلامي النهائي إلى علاقة تقليد منهج التفكير الإشكالي الرصين الذي يروج له السيد كمال الحيدري.

لذلك مع إستمرار حصار السيد كمال الحيدري كما هو المعمول به حاليا ستنقرض المرجعيات الشيعية من بين الطبقات ذات المعارف العولمية الوسيطة. وفي تقديري أقول أن كل من يحارب السيد كمال الحيدري من اقطبة المرجعيات يسارعون في القضاء على فكرة المرجعية الأمامية ... من حيث لا يعلمون.


د. محمد الزّكري

دراسات إسلامية

جامعة إكستر البريطانية