• المرقاب

مفكرون يضعون الأسطورة والأوهام في مأزق

حسن الهديس

باحث في الأنثروبولوجيا

بنسلفانيا-أمريكا

حسن الهديس

تمرد مفكرون عرب على اسلوب الاسترخاء على "مقاعد الوثير " التي ترى في التراث العجائبي مخزونا تسلي به عواطف الناس ،وتنفس هواجسهم ،لما احيط به من قداسة وهالة من التوقير التي لاتسمح النقاش فيها ،او الاعتراض عنها .

فامتداد التاريخ المبني على سرد محكي بهوى راويه ،استحوذ على العقول وصرفها عن واقعها و فهمها في ضوء شرطية زمانية لاصحابها بشكل افسد جزءا كبيرا منها جوانب في حياة الناس ونمط تفكيرهم باعتمادهم إياها كأصل ،بل منها من كان سبباً في الاستيلاء على ارض باكملها وتغير معالمها ،وخلق هويات لم يكن لها جذور،مست حضارات.. ،فاشتذ انتباه بعض الرواد المفكريين الى التفكير بصوت مرتفع صادح في افق مشترك بين الكل حتى لايتكبل عقل اليوم بواقع ماضي ....

قال المفكر ادوارد سعيد رحمه الله (الاستيلاء على الارض لايصبح ممكنا ذون الاستيلاء على السرد ).. من جملة هؤلاء الرواد المفكرين اولئك الذين انتسبوا الى مدارس انتروبولوجية استفادت من مناهج الغرب الحديثة لإعادة تركيبة نظم التأريخ والتاريخ ،خاصة ما ارتبط فيها بالأديان ، اعتبارا من كون الدين عنصرا شاهدا رافق الانسان في مراحل تاريخه ،وكان احد عناصر حضارته التي ذونتها النقوش والسجلات،وما رافقه من أساطير، وخرافات وملاحم تعاظمت وتلاطمت كالامواج ،واستوطنت العقول فتناقلها الاجيال جيل بعد آخر .. ففي متابعة لاربعة رواد من هؤلاء المفكرين تبين لي انه يجمعهم خط افقي واحد -رغم اختلاف اهتماماتهم - هو خط التاريخ المتعلق بالاديان ،يطرحون فيها اشكالات واسئلة محيرة تستدعي القلق المعرفي وتدعوا للتفكير العميق ،خاصة وان اطروحاتهم مدعومة بالادلة المحسوسة من نقوش ومخطوطات، وسجلات، وبرديات ،ولفائف ورقاع ،ومنهم من اشتغل عليها وتفحصها وتصفحها بالدقة تحث مناهج علمية اكاديمية صارمة كالاركيولوجيا ،والفينولوجيا ،والباليوكرافيا ( دراسة المخطوطات/ codicology ),وعلم الانتربولوجيا ،رغبة منهم لاعادة ترتيب المفاهيم وفهم الظواهر التاريخية بشكل عقلاني دقيق ...

هولاء الرواد هم : 1-الدكتور العراقي خزعل الماجدي 2- الدكتور العراقي فاضل الربيعي 3-الدكتور الأديب والمفكر المصري :يوسف زيدان 4-المفكر السوري فراس السواح . ويكاد كل منهما ان يكون مدرسة فكرية تتلاقى فيها معالم النظر الدقيق والعميق في الثرات الانساني الذي تناقل الينا عبر التاريخ .

1-الدكتور العراقي خزعل الماجدي:

" يشهد عصرنا فتح ملفات الماضي والحاضر كلها ،
ومنها الملفات المقدسة "

يتسائل :ماهو العصر الذي يعيش بذاخلنا وننتمي اليه ، هو باحث في علم الاديان وتاريخ الاديان للحضارات القديمة،برجع له الفضل في ابراز "علم الاديان"الذي كان مغيباً اويكاد بين أوساط الباحثين العرب ومراكز البحوث بالشكل الذي يحضى بعناية أكاديمية وعلمية،فيرجع الفضل للدكتور خزعل الماجدي في ادراج علم الاديان كعلم مستقل يهدف من خلاله حل اللغز الديني ،ذاك المكون الذي يجتاح حياتنا باكملها ،ذون فهم منا بعمقه المعرفي وكنهه الروحي الذي تسلل الى وجدان هذا الانسان في مرحلة بكورية.وعلى الرغم من كون التأسيس الاول ل"علم الاديان " كعلم مستقل في الدراسات الانسانية بدأ مبكرا عند الغرب(قبل نصف قرن مع ماكس مولر) ،إلا انه عند الباحثين والمختصين العرب بقي قاصرا تنقصه الشجاعة العلمية.


فاقتحام هذا المجال عند الماجدي واهتمامه بحضارات امم عدد مكوناتها الحضارية الخمسة عشر( والدين احدها) ،بدأ فيها من الجدور الاولى لحضارة الشرق الادنى خاصة حضارة سومر وما خلفته من سجلات اشورية لدرجة توصل فيها من اعتبار الاباء الانبياء الاوائل هم ملوك اساسا لتطابق مواصفاتهم الكاملة مع مواصفات ملوك سومر ... ويعتبر الماجدي كاتبا وشاعرا وروائي ، تجاوزت مؤلفاته الثمانين مؤلفاً منها :" انبياء سومريون "" الانباط " "الحضارة الهندية " ،"تاريخ الخليقة "اضافة الى محاضرات ومقابلات تليفزيونية غنية بالمعطيات التي تشد الباحثين الى الاطلاع على جهوده وابحاته ... خزعل الماجدي


2-الدكتور العراقي والمفكر فاضل الربيعي :



"تحرير الارض سيظل لعقود طويلة وباستمرار أخف تكلفة من تحرير عقول البشر من الاكاذيب التي زرعت بشكل ممنهج في ذاكرتهم المنهوبة"

في مشروع فكري اخر يبرز أسم المفكر العراقي الدكتور فاضل الربيعي ضمن مجموعة مؤلفات تنتظم ضمن منظومة واحدة متكاملة ومتناغمة مدعومة بالأدلة النقلية من مظانها الاساس وبلغتها الام،وذلك بالرجوع الى أصول الكتب المقدسة كالثوراة اساس وما يرتبط بها من اسفار الانبياء ،ومزامير الكهنة، والاشعار والطقوس التعبدية ،الرقصات والاهازيج،واسماء الاماكن ...ذون اغفال النص القراني للتعليل الجيد الذي يؤيد مشروعه في نقل جغرافية الثوراة ،ومواطن الانبياء الى ارض اليمن في تطابق كلي ،بعيدا عن التأويلات والتلاعبات التي انطلت على العقول نتيجة تفسيرات للاهوت الاستشراقي الذي حرف مسار الحقائق ..

وقد ساعد الدكتور فاضل الربيعي في ذلك المشروع اثقانه للغة العبرية واهتمامه بالاثار ،والنقوش السبئية الحميرية ،مما يجعل الحرج في النص الديني الاسلامي فيما يخص القصص المتعلقة بحياة الانبياء الذين تردهم الثوراة بشهرة عالية كالاباء ابراهيم وإسحاق ويعقوب واسماعيل ، وقصة خروج موسى من ارض مصر (اومصرين /معين الجوف )،والحكم الملكي المتمدد للنبي داوود وفتوحاته في ارض كنعان،وامبرطورية "الحلم اليهودي " لسليمان، ،والعهدة الإلهية للنبي ابراهيم باعطائه الارض "من النيل الى الفرات " .. وهي الروايات التي يفندها وينفيها احيانا الربيعي بشكل ينسجم تماما مع منطوق النص والعقل ،وله في ذلك من التأليف من هو موسوعة باكملها كموسوعة "اسرائيل المتخيلة " و يقابلها "فلسطين المتخيلة "، وكتب غزيرة بفوائد هامة ك " من مكة الى أروشليم "،"القدس ليست اروشليم "،"يهودا والسامرة " ..


وقد يعد البعض ان مشروع الدكتور الربيعي هو امتداد لاراء المرحوم كمال الصليبي ،إلا ان هناك من يدعمها من خارج الدائرة ذون اعتمادها لتوازي مساراتها ومسار الباحث الاركيولوجي الاسرائلي "اسرائيل فنكلشتاين "،الذي يوثق ان مسرح احداث الثوراة ومهد ولادتها لم يكن بفلسطين اليوم ،ولا كان موسى بسيناء مصر مالم تبين الحفريات والنقوش

فاضل الربيعي



خلاف ذلك ،لتبقى خيار اليمن هي الام الاصلية ل "قبيلة بني اسرائيل " ومهبط ثوراة موسى...كما ان مسار النبي ابراهيم خالف منطق العقل بتصوره على الطريقة التي تشبع بها المخيال المتدين بدليل قوله " كيف لشخص يعيش في الجنوب ان يصارع ملكاً بالشمال ثم يهرب عبرالشمال ،؟! كيف لعقل أن يتصور وجود شخص حقيقي يعيش جنوب العراق ثم يهرب عبر طريق وحيد هو الشمال المؤدي الى الاناضول لقصد الوصول الى مصر ؟! هذا خيال !!!

3- المفكر والاديب المصري يوسف زيدان :

لم نر أمة من الامم نهضت ،إلا ونرى ان من عناصر نهضتها هو التراث المتتبع للمشروع الفكري للاديب يوسف زيدان يستشعر مدى المرارة والحسرة المشوبة بالقلق لفهم أصول التخلف المعرفي الذي طال المجتمعات العربية واثر تأثيرا دريعاً في حاضرها ومستقبلها،واكثر من ذلك رسم ضبابية قاتمة في الوعي الجمعي لذا شعوبها،لذا نجده لايتورع ولايتوقف في استفزاز العقول بالاسئلة الحارقة الداعية الى التفكير والتأمل ،يقول في كتابه متاهات الوهم :( انني لست إلا صانع أسئلة، وداعيا الى التفكير والتأمل ،ولا اطمح إلا لإثارة نهم العقول الى النظر والمعرفة ،آملا الخروج من معتقل الاهواء والاوهام ).

كثيرا ما وضع زيدان أصبعه على الداء مشخصا دواءه في ضرورة الانسلاخ من الاوهام التي علقت بالعقول ،وتشكل كتبه ( الاشجان / الشجون )"( شجون تراثية ،شجون عربية ،شجون مصرية ،مع كتابيه " متاهات الوهم " و دوامات التدين) "خلاصات باسلوب الجمع لعمق الاشكالات المطروحة في واقعنا المعاصر ،والمرتبطة بثرات مشوب بكثير من المعايب التي تحتاج التدقيق لتبنيها كواحد من المداخل الاصلاحية للواقع،فهو يرفض الارتباط بالنص المنقول المثوارت ذون اللجوء الى تقصيٍ ومحاكمة. فناقش الخلافات اللاهوتية عند المسيحيين بلغة الوثائق والذخيرة الحية التي احتضنتها الاسكندرية ،ونجح حمادي ،و ماحبلت به منطقة الهلال الخصيب من برديات ولفائف ومخطوطات ونقوش ... واذا استتنينا انشغال المفكر زيدان المباشر بدراسة المخطوات،فقد نجد زيدان الاديب يوظف بدهاء ومكر ادبي المعلومة التاريخية في مروياته التي هج لبعضها اوساط المثقفين والمتدينين كرواية "عزازيل " ،و" ظل الافعى "والنبطي "...الى اخرها اصدارا " حاكم ..."


وكثيرا ما فتح أوراقا سلِمت من أكل اصولها دابة الإردة ،ليثير اشكالات، كما وضع "رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم تحث المخبر المجهري لكونها منزلة بين المنزلتين فلا هي موثقة بصحاح كتب الحديث ،ولا التاريخ يطابق واقعها ،على الرغم من ورودها عند متأخرين كاليعقوبي ،والمقرزي ،وجمعها في مرجع واحد محمد حميد الله.. ليقف معها وقفة تحليل تنظر في ابطالها كالمقوقس ورسول النبي محمد ص اليه حاطب بن ابي بلتعة ،وفتوحات عمرو بن العاص ،ومركزية الاحداث مع عبد الله بن ابي سرح....وَوَصم "صلاح الدين الايوبي "بالتنمس والحقارة انطلاقا من احداث التاريخ كما هي لا من انطباعات الناس من ثقافة الانتاج الفني الرائج ،وبواكير هذا المنهج بدأت معه منذ كتابه " التدوين العربي ،وقد وضع لقرائه منهجا فريدا في التدقيق انطلاقا من قواعد ارسى اسسه االمؤرخ ابن خلدون في قوله :"ينبغي علينا اعمال العقل في الخبر " او من عبارة ابن النفيس : " واما الاخبار التي بين ايدينا الآن، فإنما نتبع فيها غالب الظن لا العلم

يوسف زيدان


المحقق "أو قوله النفيس :فربما أوجب استقصائنا النظر عدولا عن المشهور والمتعارف ،فمن قرع سمعه خلاف ما عهده ،فلايبادرن بالانكار ،فذلك طيش ،فربما شنع خف ،ومألوف محمود كاذب. والحق حق في نفسه لا لقول الناس له " والمفكر زيدان اديب متصوف تصوف الفكر الذي ينعزل في خلوات الطهر المعرفي بدقائق الاشياء والامور ،يعطي في ذلك لغة هامسة للحب الابدي المتصالح مع الذات والواقع والتاريخ بذيلا عن الخلاف والفرقة والنزاع ،بل حتى الجدال الديني الذي "لافائدة منه " حسب تعبيره .

4-المفكر فراس السواح :

"الانسان يولد ومعه دافع طبيعي الى التساؤل " مفكر يبحث في الميتولوجيا في علاقتها بالاديان لفهم البعد الروحي عند الانسان منذ بدأ الخليقة ،وقد استطاع فراس السواح ان يضع تيجان الاحترام للاسطورة كحكاية مقدسة ابطالها الهة وانصاف آلهة ،بما يذخلها في معتقد راسخ عند الافراد بشكل يعد الكفر بها فقدان للفرد لكل القيم التي تشده الى جماعته وثقافته ،مع اعتبارها تقليدا تناقلته الاجيال جيلا بعد جيل خاصة بعدما اكتسبت رونقا جميلا وحلة فنية مع ظهورها في الكتابة في اوائل ظهور الكتابة ،فأزدادت آثارها في النفوس ،فهي عنده باختصار:


فراس السواح



حكاية مقدسة ،حكاية مقدسة تقليدية متناقلة ،ونص أدبي وفني .. 
غير ان فراس السواح يفصلها عن الخرافة والحكاية الشعبية،اذ يعتبر الخرافة حكاية بطولية مليئة بالمبالغات والخوارق ،وابطالها الرئيسيون هم البشر او الجن ولا دور للالهة فيها.
اما الحكاية الشعبية فشبيهة بالخرافة اذ لا قداسة فيها ،هذه التفسيرات يتخدها فراس السواح لفهم ومعالجة النص الديني فيضع العلم في جانب والدين منفصلا عنه في جانب اخر ،لذا يدعوا العالم ان يتخلى عن بدلته الدينية عندما يدخل الى المختبر ،حتى لاتتحكم الادلجة في دراسته العلمية وتفقد عنصر الحياد . .
فكتابه " دين الانسان " هو بحث عن ماهية الدين ومنشأه، ودوافعه- (يشير فراس السواح الى ان هناك نوع من الجينات في الانسان  هو من يدفع الفرد الى التدين ،وكانه يتبنى فرضية دان هامرDAn Hamer الذي يفترض ذلك )- وهذا ما يسميه السواح بالدافع الديني ،وغالبا ما فارق وميز بين الإفراد والتوحيد مستندا الى نص ثوراتي يخاطب فيه الله تعالى نبيه موسى بقوله " لايكن لك مع الالهة اله غيري ،" وخطاب قراني لموسى بقوله تعالى " اني انا الله لا اله الا انا فاعبدني " ...
ولعلها مجازفة علمية تظهر عنده في نمط  صورته عن السيد المسيح في كتابه " الوجه الاخر للمسيح " ، وكذا "الانجيل برواية القران " اذ يناقش القضايا الخلافية بين النصين الانجيل من جهة والقران من جهة ثانية ،مع اظهار السمة الاشكالية التي تجمع الانجيل ببقية الكتب المقدسة،ومثلهاكذلك  في القصص القراني ومتوازيات السرديات الثوراتية  معتمدا منهج البحث في علم الاديان المقارن ،ومناهجه العلمية وله موسوعة قيمة بخمسة اجزاء هي : موسوعة تاريخ الاديان. 
كما اشتهر له من الكتب الام لمشروعه كتاب " مغامرة العقل الاولى"وكتاب" إخوان الصفا"،"عبادة الاحجار عند الساميين واصل حجر مكة "،" تاريخ الله "و كتاب " احاجي القران" وكلها تفسيرات لفهم ظاهرة الدين والتدين  بشكل يتوغل فيه الى الجذور الاولى الاساس والمحيط العام لنشأة الفكرة الدينية ...
وفي الاخير يبدوا ان طه حسين رحمه الله كان كما وصفه البعض "اما سابق لعصره او متقدم عنه " حينما ضجت عليه الاوساط العلمية والاكاديمية في كتابه :في الشعر الجاهلي " فقد قعد انماط ديكارت ومنهجه في الشك  بشكل اصبحت الدراسات الانسانية اليوم تتناول بعد سنين ما كان قد بدأه وسبق اليه ليجد له متسعاً في حقول معرفية بحثة عند مفكرين كالذين تحدثنا عنهم ،فهل يستطيع العقل العربي ان يشكل بنية معرفية اخرى مبنية على اسي٦ علمية فاصلة بين منهج العلم ومنهج الدين ؟ من يدري وربما سيكون ، مادامت بوادر نهاره قد سطعت شمسها تحث اكراهات العقل الذي تبدأ المعرفة فيه بمجرد تحريك محركات التصفح في العالم غير المنتهي ..

المراجع : بعض كتب المفكرين الذين ذكرت مقابلاهم التلفزيونية محاضرتهم دراسات عنهم موزعة هنا وهناك




حسن الهديس

باحث في الأنثروبولوجيا

بنسلفينيا-أمريكا

إشترك بمجلتك "المرقاب" .....من أجل  أن تصلك المعلومات

.أول بأول رجاءا إكتب بريدك الإلكتروني في الصندق السفلي واضغط  Subscribe 

Subscribe to Our Newsletter

  • White Facebook Icon

 2020 © alMirqab.Das.Monokel 

almirqab.das.monokel@gmail.com