• المرقاب

مقاربة الدولة الخليجية العميقة مع المجتمع المدني العميق

Updated: Jan 8




عام 2020 شهد إصدار كتابين يبحثان في تاريخ "وعي الدولة" بذاتها وبمحيطها. كتابان لا يصوران الدولة كشيء نهائي ومكتمل، بل يضعان الدولة في سياقات غير قابلة للاختزال في صورة جامدة من خلال رصد مشاهد "الدولة" وهي في لحظات طمر لقديم واستحداث لجديد لهويتها إن لم يكن لأوجه هوياتها المتعددة.


الأول من تأليف الاستاذ راشد الجاسم بعنوان" البروتوكولات والمراسم في عهد صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة (1932 – 1942 ) والذي أصدر في شهر مايو.

الثاني من تأليف الدكتور نادر كاظم بعنوان "الشيخ والتنوير" والذي أصدر في شهر ديسمبر.


د. نادر كاظم


بالرغم من وحدة الموضوع إلا أننا نلامس إختلاف في معالجة المفكران البحرينيان عند تشخيصيهما لهوية "الدولة" والمجتمع المدني في إطارين متوازيين مختلفين.


مقاربة راشد الجاسم التاريخية والتحليلية لأبعاد المجتمع المدني العميق

في سبتمبر من عام 2015 نشر الأستاذ راشد الجاسم أهم كتاب يدرس وعي المجتمع المدني البحريني بذاته من خلال تتبعه لنشاطاته الهادفة الى رسم حدود وطبيعة العلاقات بينه وبين الدولة والخليج والإقليم والعالم.

إنه كتاب "البحرين وعمقها العربي والاسلامي : من الغزو البرتغالي حتى استقلال البحرين، 928-1391 هج / 1521-1971م".

هذا الكتاب رسّخ مفهوم المجتمع المدني الذي لا يتصادم مع قوانين الدولة-الأمة. بأسلوب حذق أعاد الكاتب سرد مبادرات أهل البحرين من النخب والحراك الشعبي كقصة "مجتمع مدني" عرف أن السياسة فن "الممكن" وليس فن "المستحيل". المجتمع المدني البحريني من خلال عمق خمسة قرون من النشاطات تراكمت لدية خبرة فن البقاء وعدم الإنتحار بتحاشي التصعيد الخطأ من خلال إجادته لإدارة الممكنات في ساعة الأزمات.

الحراك المدني عرف مساحات الحراك المتاحة وانطلق في ميادينها من أجل أن يكون له صوت أو أصوات مدنية.

يطرح الكتاب أسئلة كثيرة. كيف تصرف أباوؤنا عند نزول النوازل؟ ما هو نمط إدارتهم في أوقات الأزمات و المسرّات؟ ما هي صيغ خطاباتهم ومراسلاتهم؟ ما هي أدواتهم التي إستخدموها للتواصل مع الجماهير تحت شتى الظروف والنوائب؟ كيف تمكنوا من لفت إنتباه الصحافة التي قامت بنشر أخبارهم؟ أسئلة كثيرة يجيب عليها الكتاب. كتاب ضخم من جزئين تحدث عن المجتمع المدني البحريني العميق. يؤخذ على الكتاب أنه تجاهل التصادمات التي وقعت مع المجتمع المدني العميق والدولة العميقة. فبفتح باب التصادم يمكن للإنسان أن يستفيد من الأخطاء التي وقعت في مثل تلك الأحداث.

بعد تأسيس الأستاذ راشد لمعنى وعي المجتمع المدني العميق بذاته في سياقه السياسي والاجتماعي القديم والمعاصر يأتي كتابه الثاني لينقب عن مفهوم "الدولة".



راشد الجاسم


مقاربات راشد الجاسم التاريخية والتحليلية لأبعاد الدولة العميقة


الاستاذ راشد الجاسم من خلال كتابه الأخير" البروتوكولات والمراسم في عهد صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة (1932 – 1942 )" قام بعملية حفر في تاريخ "وعي الدولة" بذاتها وبمحيطها. جعل الكتاب من الدولة كينونة ذات شخصية تتوشح رداء البروتوكولات والمراسيم لأداء وظائف هوِيَّاتِيّة محلية وإقلمية وكونية.

بالرغم ان البحرين كانت دولة مستقلة، إلا أن بروتوكولات الدولة غذت شرائح عريضة من الهويات في حقبة شهدت سقوط الدولة العثمانية ونشوء الأقطار العربية جديدة. فكان لزاما على كل دولة ان ترسم حدودها الرمزية لتشرعن لحدودها الجغرافية. فكانت الدول حينها تقف أمام مستجدات ما بعد الحرب العالمية الأولى. فقد استجدت أمور جوهرية خلقت عالما سياسيا جديدا. فمن ناحية اتفاقية سايكس بيكو ومن ناحية اخرى انتهاء الإمبراطورية العثمانية جعل دول العالم كافة تواجه سؤال كبير يحوم حول هوية الدولة.

فعلى مستوى الديوان الملكي في (الحالة البحرينية) أسست بروتوكولات مملكة البحرين الفتية لدبلوماسية لقواعد السلوك الرفيع التي يتقيد بها المشاركون بمناسبات الديوان من شريحة الخاصة ومن شريحة العامة.

فالدولة أصبح لها أيامها ومناسباتها التي تصل إلى وعي كافة الجماهير. فتجد ان بروتوكول رفع أعلام الدولة واعلام الدول التي يزور حكامها الأوطان أصبح عرفا أساسيا لهوية الدولة.

الدولة من خلال مناسبات عدة مارست بروتوكولات جماهيرية هكذا ليشعر الناس ببعد البرتوكولات على تنمية ثقافة رمزية تحمل دلالات تخص الدولة وتعني بخلق جماهير الدولة.كما طور المؤلف ثلاثة تصانيف ليتمكن من خلالها القبض على مجمل تفرعات البروتوكول في الحالة البحرينية. البروتوكول المستمد من الحضارة العربية والإسلامية، البروتوكول المتأثر بالخصوصية البحرينية، والبروتوكول الذي يجاري المستجد العالمي من مراسيم وقواعد واعراف دولية.


مقاربة د. نادر كاظم التاريخية والتحليلية لأبعاد المجتمع المدني العميق


كتابات د. نادر كاظم مفعمة بالمذاق السوسيولجي. فقلمه يمتلك قدرة بحرينية منفردة قادرة على تشخيص عموم الأفق البحريني. لذلك نجد أن المجتمع المدني العميق في كتابات كاظم تبرز في إطار الأفق المجتمعي. كتاب "استعملات الذاكرة في مجتمع تعددي مبتلى بالتاريخ" (ط. 2008) مهم في هذا الإطار. ومن الناحية الثقافية عالج فصل "هل البحرين دولة متعددة الثقافات" من كتاب "خارج الجماعة" (ط 2009) قضية الحقوق المدنية للمجتمع المدني في اطار مجتمعات في مواجهة مجتمعات مدنية أخرى ومن ثم خوض عملية اتنزاع حقوقي من الدولة بجعلها تنحاز الى المطالب المدنية. وبذات النفس أتى من قبل كتاب " كراهيات منفلتة : قراءة في مصير الكراهيات العريقة" (2003) ليناقش بشكل أعمق معضلة أولويات المجتمع المدني في مواجهة المجتمع المدني المأزومة في صيغ تارة المجتمعات المنغلقة المنتمية الى ما قبل الطفرة الحداثية وتارة في صيغ المجتمعات المنتمية الى حقبة ما بعد إنهيار عزلتها بأثر تقنيات التواصل الكوني عبر البرمجيات الرقمية وأدواتها الحديثة.

بتناوله الأصول النظرية لمحاور تعدد الجماعات المدنية بتوظيفه للرؤية البنيوية (المتأثر بها) إنقسم المجتمع في كتاباته الى شظايا. جماعات غير قادرة على الإتساق في عملية البناء الوظيفي لمجتمع مدني متعدد متعايش.


ثم يعود الدكتور كاظم من خلال كتابه النوعي "لا أحد ينام في المنامة" (ط 2019) ليخرج ببراعة من مطب الرؤية البنيوية التي هي خط منهجي متخصص في فرز المجتمعات الى متناقضات غير قادرة على الانسجام.

في "لا أحد ينام في المنامة" أبدع د. نادر كاظم برسم رؤية جميلة من المجتمع المدني البحريني المتعدد والمتنوع وغير المتوحد في ميوله ورؤيويّاته. القارئ يجد أن المنامة مجتمع مدني موسيك كشظايا لقطع من كيانات مجتمعية ومدنية منفصلة ومتجاورة. كل قطعة لها حيزها الوجودي داخل المكان البحريني الكبير. موزيك لأصوات قد تكون نشاز بكون أحدها ديني والآخر علماني والثالث ليبرالي والرابع غير مبالي مع كل هذا فإن أصوات هذا الموزيك يشكل سيمفونية جمالها بنشازها تماما كما أشار اليها ميخائيل بختين (ت. 1973).


بعد ذلك يأتي كتاب د. نادر كاظم باسم "الشيخ والتنوير: قراءة مغايرة في عصر التنوير في البحرين" (ط. 2020)


ليترك د. كاظم بعض من رؤيته المتخصصة بعموم الأفق البحريني الى دراسة مكانية محدودة. في هذا المنعطف الإبداعي يبدأ د. نادر بدراسة "الفضاء العام" من خلال مكان المجلس البحريني ومن خلال مكان النادي البحريني. فركز على مجلس الشّيخ إبراهيم بن محمّد الخليفة ت ١٩٣٣ بالمحرق وركز على "نادي إقبال أوال اللّيليّ". هنا بدأ كاظم ينقب عن جذور المجتمع المدني البحريني العميق. وظف د. كاظم أطروحة الألماني يوهان هابرماس (و. 1929) حول "الفضاء العام" والتنوير الأوروبي عبر صالوناته المسائية بكثافة.

أستطاع د. نادر أن يلتقط مدى العمق الذي يحدثه الحديث اليومي من تنويرات تجري بين أفراد ورواد "أماكن التحاور البحرينية" في المجلس وفي النادي من حتحتت الرؤية الوجودية للعالم القديمة وإحلال الرؤية التغييرية الحديثة بأثر رويدي وعميق في آن واحد.

تحدث د. كاظم كيف تمكن الشيخ أبراهيم الخليفة و ناصر الخيري و محمّد صالح خنجي من إحداث إجتراحات في البنية المعرفية السائدة حينها. هذه الإجتراحات أثمرت تبدل نوعي تنويري في وعي المجتمع المدني البحريني.



مقاربة د. نادر كاظم التاريخية والتحليلية لأبعاد الدولة العميقة


طبائع الاستملاك: قراءة في أمراض الحالة البحرينية (2007). في هذا الكتاب نجد أن الدولة العميقة صدى للمجتمع المدني العميق. فقد تحولت "الدولة" الى ضحية للرؤية البنيوية من ناحية وللرؤية النفعية من ناحية أخرى جلبها اليها نخب من المجتمع المدني بعد أن توزروا حقائب في وزارات الدولة البحرينية. فتحولت بعض الوزارات الى فضاء للجماعة أي المجتمع المدني الفلاني الذي ينتمي اليه الوزير. ووزير آخر جلب رفقاء المجتمع المدني المنافس الآخر للمجتمع المدني الآخر. في هذا الكتاب يتحول بعض أجزاء الدولة العميقة الى الضحية للمجتمع المدني العميق.

بعد ذلك حصر د. نادر كاظم الدولة العميقة في كتابه "إنقاذ الأمل: تاريخ الأمل العربي خلال قرنين" (ط. 2013 وثم ط. 2020) في إطاري جدلي عربي وعميق جدا. فالدولة هنا هي تلك الدولة المعنية بتحقيق الأمل الذي تمليه عليها "الأفكار العربية الكبرى".

إختزل د. نادر الأفكار العربية الكبرى في أربع محطات ومعه إختزل مفهوم الدولة في أربع تصورات مختلفة تختلف من محطة الى إختها التي تليها.

المحطة الأولى، موجة التنوير والنهضة الأولى التي بدأت مع مطلع القرن التاسع عشر والتي عبر عنها رفاعة الطهطاوي وجيل التنويريين الذين جاءوا بعده. وقد أفضت هذه الموجة إلى ظهور الفكر الليبرالي. ومعه تكون الدولة المناسبة لهذه المحطة دولة تستجيب للمطالب الليبرالية.


وأما المحطة الثانية فقد أخذت تتبوأ مكانها مع بداية فترة الخمسينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي بدأت بثورة يوليو 1952، ثم ثورة الجزائر على الاستعمار 1954، وثورة العراق 1958، وثورة اليمن 1962 ثم ثورة ليبيا 1969.

في هذه المحطة تكون الدولة المناسبة هي الدولة الثورية.

أما المحطة الثالثة والمهمة فتتمثل في موجة انكسار الأمل مع انكساره في عام 1967. فتكون الدولة المناسبة هنا هي تلك الدولة التي تستطيع معالجة الإنكسار.

المحطة الرابعة، الربيع العربي. تكون الدولة في هذه المحطة شبابية ذات أوجه جديدة بمنطق جديد ورؤية جديدة.


هذا الكتاب "إنقاذ الأمل: تاريخ الأمل العربي خلال قرنين" (نشره في عام 2013) يؤخذ عليه أنه كتاب اختزل قرنين من التاريخ في أربع محطات، وأختزل الحوارات النخبوية الجدلية والدورية المتعددة والمتنوعة في مقالة "الأفكار العربية الكبرى". في هذا الكتاب جرى د. نادر كاظم متأثرا خلف كتابات العرب الذين ينتمون الى الحقبة الشمولية والرؤية الكبرى لمجريات الأمور.

فهذا الكتاب لا يمثل تطورات رؤية د. نادر كاظم التي شاهدنها في كتابه المبدع "لا أحد ينام في المنامة" (2019) و كتابه النوعي جدا "الشيخ والتنوير: قراءة مغايرة في عصر التنوير في البحرين" (2020).

ففي هذين الكتابين نرى بشكل واضح تنويرات إبداعية ميدانية وتحليلية مابعد بنيوية ومابعد حداثية يعدان بجدارة إظافة مهمة الى مكتبة د. نادر كاظم الزاخرة. فهو في وجهة نظري يعد القلم الأهم والأغزر في اللحظة البحرينية الراهنة.


د. محمد الزكري القضاعي

جامعة إكستر البريطانية