• المرقاب

مِن "وَحْي" الألماني مارتن هايدغر

د. محمود محمد القاضي

كاتب مصري

بعد أن إطلعت على أفكار مارتن هايدغر تفاعلت مع أراءه بشكل وجودي ووجداني. من تلك التفاعلات كتبت التالي:


هل أنت إنسان "أصيل" أم أنك "مجرد ظل أو نسخة" من أُناس آخرين؟ الإنسان الأصيل هو الذي يفكر لنفسه، ويتخذ قراراته و يحيا حياته بعيدا ً عن طغيان مجتمعه الذي نشأ فيه؛ بعيدا ً عن طغيان "أفكار ومعتقدات وعادات" (مجتمعه، ومهنته، وإرثه التاريخي)؛ أما الإنسان "الظل أو النسخة"، فهو الذي ينصاع – غالبا ً عن غير وعي - للطغيان السابق؛ فَكِّر في حياتك وكيف تحياها: هل أنت إنسان أصيل، أم أنَّك مجرد ظل أو نسخة؟


ماهو موقفك من الحب (هل الحب حرام؟ بالرغم من أنك والآخرين تحتاجونه بشده؟ وبالرغم من أنه لا يؤذي أحدا ً؟ وهل من الخطأ أن تحب أكثر من إنسان؟ هل من الخطأ أن تحب إذا كنت أصغر أو أكبر من سن معين؟)،


والزواج (هل الزواج حتمي بالنسبة لك، أم الحب وحده كافي)، والصداقة، والدين (ماذا تفعل عندما يخبرك الدين شيئا ً، ويخبرك عقلك شيئا ً آخر؟ هل تنصاع أو تلفق مثل الجميع، أم تنصت لذاتك؟



محمود القاضي


ماذا عن "الله"؟ هل له طريق واحد كما يدعي الجميع؟ أم هناك عدة طرق للوصول إليه؟ وهل هو قاس ٍ لايرحم من يخالف قواعده؟ أم أنه سيتفهم موقفك، وصعوبة حياتك واحتياجاتك، وحقيقتك الداخلية الجوانية؟ وبالتالي هو يحبك، وسوف يسامحك على عكس مايقول الجميع؟)،


والعمل، والمال، وقضاء وقت فراغك (الفيس بوك والتلفاز أم تمشية مع صديق ساعة الغروب أو ربما وحدك) والموت؟ هل لك أفكارك وقراراتك الخاصة، المستقلة عن المجتمع؟ أم أنك ببساطة تتبع القطيع؟

تفعل تماما ً مثلما يفعل الجميع من أفراد مجتمعك ومهنتك وتاريخك؟ دون أدنى تفكير أو إرادة أو مسئولية،

غير َ واع ٍ أنَّك في الحقيقة حر، وتستطيع بالفعل أن تفعل ماتريد، أن تفعل مايسعدك؛ هل أنت واع ٍ بأنَّه ليسَ للآخرين، ولا لمجتمعك ولا لمهنتك من سلطان حقيقي عليك؟



مارتن هايدغر (بالألمانية: Martin Heidegger)‏ (20 سبتمبر 1889 - 26 مايو 1976) فيلسُوف أَلَمَّانِي


أنتَ فقط تخشاهم، ولكن الحقيقة التي لامراء فيها، أنك حر. هذه الرحلة، التي يحاول الإنسان من خلالها الوصول لأصالته، هي الرحلة الهايدجرية، نسبة للفيلسوف الألماني: مارتن هايدجر؛ محاولة أن تفكر وتحيا ليس كما يريد الآخرون، بل كما تريد أنت، لأنها حياتك أنت، وليست حياتهم، ولأنك في الحقيقة حر حرية حقيقية، ولديك إرادة حقيقية، وتستطيع أن تفعل ماتريد، إذا أردت.


تبدأ الرحلة الهايدجرية، عندما ينتبه الإنسان (غالبا ً بعد غفلةٍ طويلةٍ جدا ً)، أن الكثير جدا مما "تظنه" أفكارك، وعاداتك، وتقاليدك، هي ببساطة ليست كذلك، هي أفكارهم، وعاداتهم، وتقاليدهم هم، هم وليس أنت، وهي ليست مناسبة بالمرة بالنسبة لك، وإنما المناسب بالنسبة لك، هو أن تمتلك الجرأة، في أن تكون نفسك، وتتحرك فقط، من خلال فكرك وعقلك، وليس تحت وصاية أي إنسان آخر، كائنا ً من كان. تتقاطع الرحلة الهايدجرية من هذا المنظور، مع التنوير، وفلسفة الأنوار، كما تتجسد في مقولة الفيلسوف الألماني، إيمانويل كانط.