• المرقاب

هل المصريين القدماء كانوا سود البشرة؟..

سامح عسكر

قلم مصري مبدع





في سؤال لصديق:
هل المصريين القدماء كانوا سود البشرة؟..
وكيف تحول المصريون عن هذا اللون؟
قلت: ليس المصريين فقط..بل كل شعوب شمال أفريقيا كانوا سود البشرة، والتحول بدأ منذ الاحتلال اليوناني والروماني من القرن 4 ق. م إلى القرن 7 م أي حوالي 1100 عام وقتها بدأت الشعوب الأصلية في مصر والمغرب تهاجر جنوبا للسودان وتشاد، بينما شعوب أوروبا والبلقان تهاجر جنوبا أيضا..


علما بأن شعوب المغرب القديمة كانت تسمى ب (شعوب المور) moors ومنها اشتقت إسم "موريتانيا" أي أرض المور، وعندما وصل الاحتلال الأسباني للفلبين سموا مسلميها ب (شعب المور) احتقارا لهم بعد تجارب الفترة الأموية الإسلامية في الأندلس، ولا زال مسلمي الفلبين يسمون بشعب المور إلى الآن برغم جنسهم الأصفر، لكن التسمية الاستعمارية قصدت معنى احتقاري مثلما سموا البربر بالويندال أو فاندال وتعني (الهمج) في الثقافة الأوروبية..

وعندما ظهرت حركة الإخوان المسلمين في الفلبين أرادت الاستقلال عن الأغلبية المسيحية -المشركة حسب رأيهم - فأطلقت حركة مسلحة شهيرة تسمى "جبهة تحرير مورو" أي جبهة تحرير المسلمين المور في أرض الفلبين، قبل أن تتحول مؤخرا لنسختها الحديثة من داعش.



وقصدت من تحديد تاريخ التحول باليونان والرومان لأن الاحتلالين الفارسي والآشوري لم يكونا (استيطانين) فلم يثبت عن تاريخ مصر القديمة أن نقلت أديان زرادشت الإخمينية لمصر، وكذلك ديانات سومر وآكاد لم تنتقل..بينما في الفترة اليونانية الرومانية انتقلت ثقافاتهم للمصريين وبدأوا في مزج آلهتهم مع آلهة مصر حتى صورت كليوباترا اليونانية نفسها كمصرية على جدران المعابد مع ابنها قيصرون ، ولما جاء العرب فعلوا نفس الشئ أي ساروا على سنن اليونان والرومان بنقل ثقافتهم الدينية لوادي النيل..


والطريف أن العرب عندما غزوا شمال أفريقيا (كانوا يخافون من البحر) فنقلوا عاصمة مصر من الإسكندرية الساحلية إلى الفسطاط ، وعاصمة تونس من قرطاج الساحلية للقيروان، وعاصمة سوريا من أنطاكية والإسكندرون الساحلية إلى دمشق، وهذه كانت دلالة على ضعف الأسطول العربي وقتها، لكنه تغير في الفترة العباسية وصار قويا حتى غزو به صقلية على يد "أسد بن الفرات" والتاريخ الإسلامي يؤكد على أن الصحابي "عمر بن الخطاب" نهى عن ركوب البحر لإيمانه بضعف العرب وخوفهم منه..وصار البديل الأوحد لديهم في الغزو هو (البرّ) أي غزو البلدان من البرّ وصرف النظر عن البحر..


وجزئية خوف العرب من البحر هذه جعلت مناطق الساحل الشامي طوال العصرين الأموي والعباسي حكرا على الوجود المسيحي، فبيروت وصيدا وصور وطرابلس كانت تصلح كعواصم بديلة لأنطاكية ولمنافسة الأسطول الروماني البيزنطي على الأٌقل..لكن العرب كانوا يعانون من فوبيا البحر لثقافتهم الصحراوية القاسية فظلت هذه المدن الكبيرة (مسيحية الديانة) إلى أن بدأت تتحول منذ فشل الحروب الصليبية وما أعقبها من قهر وتسلط المماليك والأتراك وإجبار سكان هذه المدن على الإسلام...


نفس الشئ للإسكندرية فلم تشهد هجرات عربية أو تسلط عربي كبير أعقاب الغزو في زمن عمرو بن العاص، وظلت الإسكندرية مركز مسييحيين مصر ومهد معلمهم الأكبر "أثناسيوس الأول" أحد مؤسسي المذهب الأرثوذكسي المصري وكبير الأقباط الذي تصدى لأريوس ..وإلى اليوم يطلق على بابا أرثوذكس المصريين ب (بابا الإسكندرية)
أما عن تحول سكان شمال أفريقيا للون الأبيض فهو حدث كما قلنا منذ فترات الاحتلال اليوناني الروماني بهجرة شمالية أوروبية للجنوب..والتاريخ يشهد أن فئة كبيرة من سكان الفيوم في العصر الروماني كانوا (رومانا) بيض البشرة (مقابر وبورتريهات الفيوم نموذج) بينما جثث ومومياوات المصريين طوال عصر الأسرات كانت (سمراء البشرة) وبالنسبة للمغرب فهم كانوا موراً سود البشرة لدرجة أن علماء الأنثروبولجي اختلفوا حول (هوية قرطاج) وهل القائد حنّبعل كان أسودا أم رومانيا كما يُصوّر في معظم اللوحات..



المرحلة التالية للتحوّل بدأت مع العرب في القرن 7 م الذين كانوا مزيجا من العرق الآري والفينيقي والآرامي والحبشي المنتشر في منطقة القرن الأفريقي، وسأبتعد عن النظرة الدينية التي تسمي فرعا من الفينيقيين بالعبرانيين والساميين لأنها تسمية مرتبطة بالتناخ اليهودي لكنها ليست معترفا بها في الأوساط العلمية الأركيولوجية وجانب كبير من علم الأنثروبولوجي، وملخص ذلك أن شمال أفريقيا تحوّل في هذه الفترة ليكتسب أعراقا آرية وفينيقية وآرامية وحبشية..

أما المرحلة التالية للتحول فحدثت في العصرين المملوكي والعثماني من القرن 13 إلى 18 م لتأتي شعوب القوقاز وآسيا الوسطى ليختلط دم السكان الأفارقة في شمال القارة مع الشراكسة والشيشان والخزر والتُرك..وغيرهم، وبرأيي أن هذه المرحلة كانت (الأهم على الإطلاق) من حيث كمّ المهاجرين لمصر ومنطقة المغرب كونها تضخّمت طوال العصر العثماني بالذات من أثر الحروب القاتلة التي كانت تجري في آسيا الوسطى والقوقاز بين (العثمانيين والفرس والروس والصينيين والمغول والهنود) في وقت كان شمال أفريقيا مستقر سياسيا بشكل كبير تحت السيطرة العثمانية دون منازع..






أما آخر مرحلة فهي مرحلة الاستعمار الأوروبي من القرن 19م إلى الآن، حيث بدأت هجرات متبادلة بين سكان الشمال الأفريقي وأوروبا في تكرار لما حدث بالعصر الروماني اليوناني لكن بشكل أخف، أي تلك المرحلة كانت أقلّهم من حيث الكمّ عن طريق هجرات فردية وأسرية بسيطة لا شعوب وقبائل جماعيا كما كان يحدث في السابق..

الآن وصلنا إلى سيادة عنصر أبيض تمت تسميته مجازا ب (شعوب البحر الأبيض المتوسط) ليكون هو المسيطر على شمال البحر وجنوبه، في حين بقيت أفريقيا على عنصرها الأسود عدا جنوب أفريقيا التي سكنتها أقلية بيضاء من التجار مع اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، ومع ذلك فكلما ابتعدنا عن ساحل البحر نرى انتشار العرق الأسود في جنوب مصر وليبيا والجزائر مما يدل على أن الهجرات القديمة في شمال أفريقيا لم تختار التوغل جنوبا خشية المخاطرة أو ربما حاول بعضهم ذلك لكنه وقع فريسة لقبائل الغابات أو من كان يسميهم علماء اكتشاف منابع النيل ب (آكلي لحوم البشر)..





سامح عسكر

قلم مصري مبدع

281 views0 comments