• المرقاب

إستراتيجية الحراك الواصلي (واصل بن عطاء المعتزلي) بين رهانات المقاومة ودينامكية الأداء



البصرة وعلاقة المكان بفكر التصالح (3\3): البصرة واللحظة الأولى لانبثاق المشروع اللاهوتي الإعتزالي التصالحي.

عندما يعتنق مفكر إسلامي بحجم واصل بن عطاء المعتزلي (131-80هـ) فكرة مواجهة الإنحراف عن المسار الإسلامي العادل وانتشار الإستبداد فهو يثور ضد الجذور الفكرية المؤسسة والمُشَرّعة للظلم وليس بشهر السلاح.

عمل من خلال ثلاثة محاور. 1 "المنزلة بين منزلتين، 2 من خلال مواجهة كتابات يوحنا الدمشقي، 3 من خلال إقناع الجبري الزاهد جهم بن صفوان بترك الجبر أو الإنقلاب عليه.

أولا: "المنزلة بين المنزلتين"

رفض واصل أطروحة أهل الجبر اللاهوتية التي تُفْقِد الإنسان إرادته ومشيئته فالجبرية تقول: ما يفعل الإنسان من فعلٍ إلا وهو مجبور بإرادة الله لفعل ذلك الفعل. فما يقتل قاتل أو يسرق سارق إلا بإرادة الله لا بإرادة القاتل أو السارق.

الفكر الجبري يروج لمقولة أن كل الشرور تنسب الى قدرة الله تعالى. فلو لم يشأ الله من القاتل أن يقتل ما قتل.

وهذه المقولة تفيد الجور وأهله. عليه لا يجب الزعل من أهل الجور وولاتهم لأنهم مجبورين جبرا إلهيا على فعل الإجرام.

والدليل على هذا ما ورد من مجيء معبد الجهني [ت: 80] وعطاء بن يسار [ت: 103] إلى الحسن البصري

[ت: 110] قائلين له: «يا أبا سعيد إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون الأموال، ويفعلون ويفعلون، ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله، فقال: كَذَبَ أعداءُ الله». ابن قتيبة، المعارف: 441.

رفض واصل الفكر الإرجائي. فالفكر الإرجائي كان يروج لمقولة أنه لا يضر مع الإيمان فعل المعاصي. وهذه المقولة تفيد أهل الجور وولاتهم الذين كانوا يقتلون على الظن دونما أن تقدح المعاصي العظام بدرجة إيمانهم.

رفض واصل الفكر الخوارجي الذي كان يروج لفكرة نقيضة للفكر الإرجائي. فالخوارج يؤمنون بحرية الإرادة الإنسانية وذلك بربطها ربطا إفنائيا مع الأفعال. فعندهم "الأفعال جزء من الإيمان". ففعل الحسنات تعكس قلبا مؤمنا مثلما أن فعل المعاصي ينفي حضور الإيمان في قلب العاصي. وإذا فقد المؤمن إيمانه يعني إنه إرتد. فيحل دمه.

"المنزلة بين منزلتين"

مصطلح المنزلة كناية عن مؤشر متحرك. يتحرك على مسار بحسب نوعية المعصية ودرجة الخطأ.

بعض الخطأ يزحزح الإنسان الى ما دون الإيمان المثالي بقدر قليل جدا.

وبعض المعاصي توصل الإنسان الى ما قبل الكفر المحض بقليل جدا.

الإيمان [+ــــــــــــــــــــــــــــ 0 ـــــــــــــــــــــــــ ـ] الكفر

الرد على الخوارج من خلال "المنزلة بين منزلتين"

هكذا يقول واصل من خلال أطروحة المنزلة بين منزلتين للخارجي أن المسلم مرتكب المعصية الكبيرة لا يصل إلى الكفر المحض، ولكن يصل الى ما دونها بشيء بسيط جدا. فإذا لم يكفر مرتكب المعصية الكبيرة لم يرتد. وإذا لم يرتد لا يحل دمه. هكذا لا يجوز عند واصل قتل مرتكب المعصية. وهكذا قد يجد الخارجي في مقالة واصل بن عطاء حد أدنى من الاتفاق. ويقرر الانضمام الى عقيدة الاعتزال. ويحصل السلم المجتمعي.

(تأثير المعتزلة في الخوارج والشيعة أسبابه ومظاهره، عبد اللطيف بن عبد القادر الحفظي)

الرد على المرجئة من خلال "المنزلة بين منزلتين"

هكذا يقول واصل من خلال أطروحة المنزلة بين منزلتين للمرجئي أن المعصية الكبيرة تفقد المسلم رتبة الإيمان المثالية وتسقطة الى منزلة قد تكون قليل جدا دون الإيمان المحض.

ولكون الخطأ وقع في الدنيا فعلى القاضي أن يقوم بتقدير موقع منزلته بين المنزلتين وتقدير عقوبته في الدنيا.لذلك نجد أغلب القضاة معتزلة.


مصادر


(المعتزلة والفكر الحر، عادل العوا)، (فضل الإعتزال وطبقات المعتزلة، عبد الجبار بن أحمد الأسدآبادي)، (المعتزلة تكوين العقل العربى : اعلام و أفكار، محمد ابراهيم الفيومى)، (المعتزلة تاريخ - عقائد - فرق – اعلام، سليمان سليم علم الدين).

ثانيا: مواجهة يوحنا الدمشقي

التخطيط الاستراتيجي في فكر واصل بن عطاء المعتزلي (ت 131 هجري) رحمه الله تعالى، مع يوحنا منصور بن سرجون ت. 131 هجري والذي كان هو مع ابوه وجده يعملون كمستشارين عند معاوية ومع الدولة الأموية. وكان يوحنا زعيم الفرع المسيحي الدمشقي المسيحية الأرثوذكسية المشرقية المعروفة في سوريا آنذاك باليعقوبية.

من تأليفات يوحنا منصور بن سرجون الكتب والرسائل التالية:

١) جدال بين مسلم ومسيحي، يدافع فيه عن عقيدة التجسّد ويرفض نظرية القضاء والقدر.

٢) إرشادات النصارى في جدل المسلمين.

٣) حوار مع المسلمين.

هذه العناوين تبدي أمرين

الأول أن يوحنا كان يصارع طلائع المعتزلة الفكرية

ثانيا كان يوحنا المرشد الديني للجيش المسيحي اليعقوبي العربي الأموي

وهو الجيش الفاعل في قوات معاوية وبني أمية الى آخر لحظة وجودهم ...

يبقى السؤال كيف تواجه واصل بن عطاء المعتزلي مع يوحنا الدمشقي معرفيا.

فكل ثورة سياسية تحتاج الى تنظير ايدلوجي يسندها.


مصادر


(تاريخ دمشق لابن عساكر)، (منصور بن سرجون بالمعروف بالقديس يوحنا الدمشقي، جوزيف نصر الله)، (يوحنا الدمشقي آراؤه اللاهوتية ومسائل علم الكلام، يوحنا الدشقي) ، (الدفاع عن الأيقونات المقدسة، يوحنا الدمشقي)، (الفكر الكنسي الأرثوذكسي، إيروثيوس فلاخوس).




توطئة

من معتقدات يوحنا الدمشقي ان الله قديم وكلامه أيضا قديم.

قال يوحنا: نحن نعبد الله لأنه قديم ونعبد المسيح الذي هو كلمة الله لأنه أيضا قديم .

رد واصل على يوحنا بالتفصيل عندما قال: بالقديم وبالحادث.

القديم هو الله فقط

وكل ما سوى ذات الله حادث

فقال واصل القرآن والإنجيل والتوراة والصحف والالواح

خلقت واوجدت كحوادث بعد ذات الله ...

لماذا تطرق واصل الى هذا؟

لأن الغساسنة كانوا يقاتلون ايدلوجيا مع بني امية ضد المسلمين

يقاتلون من اجل عيسى الذي هو قديم مثل قدم الله.

فقال واصل أن يوحنا قال بقدم كلام الله ... وجعل عيسى قديما أيضا وقال إننا نعبد القدمين الله وعيسى فلو أخذنا منطقه أيضا فيمكن القول ان ليس فقط عيسى قديم بل ايضا اللوح المحفوظ قديم وجبريل قديم وميكائيل قديم واسرافيل والعرش وحملته. فهل يا أتباع يوحنا الدمشقي ستعبدون كل ما هو قديم ...؟

قال واصل للمسيحين ان يوحنا يهذي عليكم وهو هكذا فتح الباب للتعددات الى اكثر من ثلاثة.

هكذا غرز واصل في نفوس المسيحيون من أتباع يوحنا بذرة الشك. يشكون بعقيدتهم ومع الشك هذا ضعفت عزيمتهم في شهر السيف ايدلوجيا فضعف الجيش المساند لأهل الجور مما فتح الطريق الى هزيمتهم لاحقا.

يوحنا الدمشقي الأب الروحي لنصارى الشام تحديدا الغساسنة والرمز الروحي لجيش الغساسنة المسيحي الذي ساند معاوية في حربه ضد علي بن أبي طالب ....

فلتحقيق أي نجاح ضد أهل الجور لابد من أن تخلخل المنظومة الفكرية الداعمة لهم. وحركة نصارى بني غسان أهم داعم لبني أمية.

فبضرب أفكار يوحنا الدمشقي يعني ضرب لشخص يلعب دور الرمز للجيش المسيحي الغساني الذي يخوض بالنيابة عن أهل الجور معاركهم.

فبإضعاف المقام الرمزي ل "يوحنا" سيؤدي إلى إضعاف لمعنويات الجيش المسيحي المرابط في الشام وحامي أهل الجور.

يوحنا الدمشقي كتب بكل حرية من القصور الدمشقية. فمثلا خاض يوحنا الدمشقي وهو (منصور بن سرجون بن منصور) معركة للدفاع عن فكرة تجسيد الرب في جسد عيسى بن مريم من خلال الدفاع عن الأيقونات.

ففي خلافة عمر بن عبد العزيز أو هشام بن عبد الملك ، استقال يوحنا من وظيفته.

وهناك رأي آخر بخصوص استقالته حيث تقول بعض المصادر بأنه عندما استلم

الملك "لاون" الحاكم في القسطنطينية. أثار الملك لاون حرباً ضد التجسيد من خلال رفض الأيقونات، فأمر برفعها من الكنائس وأخذ يضطهد المؤمنين بها، سمع يوحنا، وهو في مدينة دمشق عاصمة الدولة الأموية، بهذه الموجة فأنبرى للرد على كل من يهاجم الأيقونات واصفاً إياه بالمهرطق وبأنه يحارب تجسد ابن الله من العذراء، وتألّه البشر بالنعمة الإلهية!

ثالثا دور واصل في تغيير موقف الجهم بن صفوان (أبو محرز الراسبي)

واصل بن عطاء المعتزلي عمله وهو ثاني أهم تلميذ من تلامذة الحسن بن محمد (الحنفية) بن علي بن أبي طالب من بعد غيلان الدمشقي.

عمل واصل بصمت من إجل إسقاط العقائد المساندة لأهل الجور .

ففي تلك الأزمنة قامت دولة بني أمية بالسماح للفكر الجبري بالتمدد في أرجاء الدولة . فالفكر الجبري كان يقول بأن الإنسان واقع تحت التسيير التام وليس مخيرا أبدا وأن أي جريمة يرتكبها أي إنسان لم يرتكبها طواعية بل هي جزء من التسيير وجبر المشيئة الإلهية التي يجب أن لا يعترض عليها أحد.

هذا العقلية الدينية مناسبة لأهل الجور. لذلك ساعدوا على نشرها. وتحولت عقيدة أغلبية المسلمين في ذلك الزمن إلى العقيدة الجبرية. بعد موت غيلان الدمشقي انتقلت مهمة المواجهة الفكرية إلى واصل بن عطاء ...

إنتبه واصل أن هناك عالم جبري مختلف ومتميز اسمه جهم بن صفوان ت 128 هـ. عالم جبري زاهد وورع يعيش في الهامش بعيد عن دمشق.

فبعث كبير تلامذته وإسمه حفص بن سالم إلى مدينة ترمذ/مرو في خرسان. هناك تعرف على جهم بن صفوان. جهم لم يقتنع بأفكار واصل بن عطاء المعتزلي. ولكنه قرر الخروج على اهل الجور كأنما بثورة جهم بن صفوان الجبري ضد بني أمية قال لغالبية الجماهير الإسلامية الجبرية:

"يا عباد الله يا من أنتم تحت مشيئته. إن المشيئة الإلهية تقول لكم أزيلوا بني أمية ...."

عندما سمع ذلك المصلح الزاهد الحارث بن سريج بن ورد بن سفيان بن مجاشع التميمي اتى الى الجهم بن صفوان وقال إني جبري وأحب العدل وسألبي المشيئة الإلهية.

فقاما وأطلقا ثورة في مرو ولبسوا السواد وخرجوا ولكن خسروا المعركة في عام 128 هجري.

فأعدم الجهم بن صفوان أما الثوار وأعدم الحارث التميمي أمام الثوار ....

فانتقلت الأخبار بين المجتمع الإسلامي الجبري أخبار إعدام الشيخ الجبري المبجل بين الجبريين الشيخ الجهم بن صفوآن.

مات واصل بن عطاء في عام 133 ولكن في عام 135 أي بعد 7 سنوات فقط من مقتل الشيخ الجبري الجهم بن صفوان.

ذهب أبو مسلم الخرساني تحديدا الى مدينة مرو .... وأعلن الثورة الكبرى منها.

ولبس السواد لكي يثير مشاعر الجبريين ويحي رغبة الجبريين بالثورة انتقاما لشيخهم الجبري الزاهد الجهم بن صفوان.

فرأى أهل مرو رجال أبو مسلم الخرساني يلبسون السواد وهو رمز الثورة الجبرية التي أطلق شرارتها الجهم بن صفوان ...فتدافعوا وانظموا الى صفوف أبو مسلم الخرساني ....وانتقلت الأخبار بين الجبريين في بقية المجتمع الإسلامي أن الثورة لتلبية المشيئة الإلهية قد حانت

حين قال الجهم بن صفوان (بما معناه)....

"يا عباد الله يا من أنتم تحت مشيئته. إن المشيئة الإلهية تقول لكم أزيلوا أهل الجور ...."

فسقط اهل الجور ....

وبقى الزاهد الواعظ عمرو بن عبيد زميل واصل بن عطآء على قيد الحياة

ليرى إنتصار زميله واصل ...

ليرى إنتصار شيخ شيخه الحسن بن محمد بن الحنفية

ليرى إنتصار غيلان الدمشقي

عندما سقط حكم أهل الجور.


مصادر


(مقالات الجهم بن صفوان وأثرها في الفرق الإسلامية، ياسر قاضي)،

(تاريخ الجهمية والمعتزلة، جمال الدين القاسمي)

https://dorar.net/firq/1982/الفصل-الثاني:-التعريف-بالجهم-بن-صفو

د. محمد الزكري القضاعي


76 views0 comments