• المرقاب

القرآن أوقف السبي، فمن أَسْلَمَهُ؟ من عُرفٍ جاهلي إلى عُرْفٍ إسلامي، كيف؟

Updated: Jan 22



من منا يستطيع نسيان أخبار سبي الإيزيديات المأسوف عليهن في العراق الحبيب منذ أربع سنوات؟ من منا لم يصدم بأحياء “ملكة اليمين” وأسواق النخاسة لبيعهن؟ من منا لم يصعق بما حصل من سبي لشابتين أوروبيتين كريمتين بريئتين مؤخرا وقتلهما عدوانا وجورا في مملكة المغرب العزيزة بلا أي سبب؟











سبب هذه المقالة أن أخت إيزيدية كتبت إلي برسالة مؤثرة تسألني هل يوجد فيما بين يديك نقد للسبي والإسترقاق واستملاك اليمين في الفكر الإسلامي. أم أن ما يحل بإخوتي وخواتي من الإيزيديات هو فعلا موقف الشرع الإسلامي الحنيف؟


بعد أن حررت لها ما بلغني حول طلبها وبعثته لها عن طريق الماسنجر، جلست مع أصدقائي في مدينة كتبس الألمانية مذهولين مما يحصل باسم ديننا من سبي وقتل واستعباد وتعذيب. بل وجدت أن بعض أصدقائي يشككون في مسلماتهم متسائلين هل قرآننا يقر بالسبي والقتل والإسترقاق والجواري وملكة اليمين والعبيد؟ بل سمعت من يريد أن يترك هذا الدين الحنيف.


هل ديننا الإسلامي متوحش أم متحضر؟ هل قرآننا مقتم أم منور بأنواره؟ من يتصدر ديننا ويتحدث بإسمه ويخطفه بعيدا عن فطرة السلام؟

الذي يبدو لي أننا نشهد صعود فهم خاطئ أجاد استخدام لغة “قال الله وقال رسوله ص” لتحقيق رغبات نفسية دفينة سابقة على النص متأثرة بشهوتهم للقتل والسبي واستعباد وامتلاك الجواري من النساء.

لا أخفيكم إني وصلت إلى قناعة أن كثير من أشرار البشر عندما تَدَيّن دَيّن معه شرّه وكساه برداء شرعي ليواصل ممارسة شروره تحت غطاء ديني يؤزه في غيه وطغيانه وبغيه أزا وبئس ما يفعلون.


عودة إلى صلب الموضوع علينا أولا التمييز بين النص القرآني وشرح الإنسان لهذا النص. في تقديري الخاص أن النص القرآني الكريم يفقد الكثير إذا تحول إلى شروح تنتجه أفهام بشرية لم تراعي الكليات والمقاصد القرآنية. بلا شك إن الأفهام تتراوح فتتراوح معها الشروح. كما أن غالبية من المتلقين لهذه الشروحات “يماهون/يدمجون” بين الشرح والقران. فتتحول هذه الشروح البشرية في أَظانينُهم الى أراء غير قابلة للنقاش.


أكثر ما يزعجني هو اشتهار هذه الشروح المتطرفة في فهم نصوص الإسلام المقدسة في زماننا إلى درجة إنه عندما قابلت الأسبوع الماضي بروفسور مادة الإسلاميات في إحدى الجامعات الألمانية قال لي: إن القرآن يزود التطرف بآيات تسعف مبتغاهم كما أنه يسعف من يبتغي السلام والتعايش والأمان بذلك.

في فهمي لا يوجد أي آيات قرآنية تزود التطرف لذلك دعنا ندحض فكرة السبي وفكرة ملكة اليمين بتبيان أنهما ليسا من القرآن بشيء؟


القرآن لا يشرع للسبي


سورة محمد” الكريمة تضع حكم التعامل مع الأسير في إطار إختارين لا ثالث لهما. وهما يتأرجحان بين (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)أي إطلاق سراح الأسير بدون مقابل (مَنًّا) أو بمقابل (فِدَاءً) فقط ولا يوجد أختيار السبي في القرآن.

فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ “فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً” حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سورة محمد



كما كان حين تنزيل هذه الآية الكريمة ظروف صعبة وجد النبي محمد ص ورفاقه أنفسهم في معركة غير متكافئة مع مناوئيهم من القبائل المتحالفة ضدهم. حيث تفوق الخصم عليهم عدّة وعددا. فقد اتحدت عدة قبائل في تحالف اتفقت فيما بينها على القضاء على محمد ص ورفاقه.

في هذا السياق التاريخي نجد هذه الآية ترفع المعنويات لمحمد ص ورفاقه ليواجهوا الأعداء في ساحة المعركة بهمة وفزعة ومثابرة. ومن ثم في حالة ما حصل أن أسَرَ الرسول محمد ص ورفاقه أسرى حرب من رجال الخصم المحاربين فماذا يفعل بهم؟


يقول الله تعالي في قضية الأسر“فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً” أي يا محمد ص إذا ما أسرت أحدا منهم فأنت فقط مقيد بخياريين لا ثالث لهما


الأول أن تمن على الأسير بإطلاق سراحه بلا مقابل.


الثاني أن تطلب من دولته/قبيلته/حلفه من أن يدفع مقابل إطلاق سراحه.


لا حظوا حفظكم الله تعالى إننا نتحدث عن معركة حامية الوطيس ولم يسمح الله تعالى بالسبي فلا يوجد سبي في القران العظيم ولا يوجد أي قضية مرتبطة بالسبي….


يبقى السؤال كيف دخل على الفقه السبي؟


علينا أن نعرف أن في زمن الرسول ص كان هناك مجتمع قرآني من أتباع النبي محمد ص ومجتمعات لا قرآنية جاهلية معادية للنبي محمد ص. وكان الرسول ص حينها يطبق قوانين القرآن في المجتمع القرآني وبشكل متوازي كانت المجتمعات غير المحمدية تطبق أعراف جاهلية وهذه الأعراف كانت تنظم تلك المجتمعات غير القرآنية من علاقات في وقت السلم وأخرى وقت الحروب.


وكان من عادة الجاهليين أن يسبوا نساء وأطفال الخصم ويسترقوا ما يقع تحت أيديهم من بشر. لكي يكسروا شوكة القبيلة المنهزمة. ولكي القبيلة ألف مرة قبل دخولها في معركة تنتهي بخسارتها. لأنه تعلم العرف وما سيحل بنساءها وأطفالها فتتردد في خوض الحروب.


الموروث المشوه يزاحم القرآن


ولكن علينا أن نسأل: هل كل من أسلم تخلص من أعراف الجاهلية؟ ومن لم يستطع التخلص الكامل من أعراف الجاهلية هل لعب دور في أسلمة بعض أعراف الجاهلية وإظهارها على أنها جزء من الدين الإسلامي بإلباسها رداء إسلامي؟

بماذا يستشهد من يرى بالرق واستملاك ملكات اليمين من جوارٍ مسترقات؟


في هذا الإطار روى لنا أهل السير رواية غريبة صاغوها بطريقة تناسب من أسلم ممن يرى باستمرار بعض عادات الجاهلية على الرغم من وضوح آية(فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء) المانعة للسبي من خلال عدم جعله اختيارا قرآنيا.


قال ابن إسحاق ‏:‏ فحدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو ‏:‏ أن وفد هوازن أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلموا ، فقالوا ‏:‏ يا رسول الله إنا أصل وعشيرة ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك ‏.‏ فامنن علينا ، من الله عليك ، قال ‏:‏ وقام رجل من هوازن ، ثم أحد بني سعد بن بكر ، يقال له زهير ، يكنى أبا صرد ، فقال ‏:‏ يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر ، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به ، رجونا عطفه وعائدته علينا ، وأنت خير المكفولين ‏.‏


ما هي القصة هنا؟ غاية الأمر أن قبيلة هوازن جلبت نسائها وأطفالها عندما خاضت معركة حنين ضد الرسول ص. في هذه المعركة قتل كثير من رجال قبيلة هوازن. حرصا من الرسول ص على سلامة نساء وأطفال هوازن من أن يقوم بعض المسلمين الذين يقدمون أعراف السبي الجاهلية من السطو عليهم، قام ببناء حظائر من الخيام وأبقاهم في داخلها مع وضع حماية تحرسهم. ومن ثم تفاوض مع من بقي من زعامات هوازن على قيد الحياة وسلمهم النساء والأطفال بكل كرامة وصون ورعاية.


السبي قائم على معاقبة النساء والأطفال لفعل إرتكبه رجالهم

أي إزر الوازرة وزر أخرى وهذا خلاف القران.



هؤلاء الذين يجتهدون على إيهامنا بأن ما حصل هو سبي لنساء هوازن وأطفالها قد إنزلقوا، أيضا، إلى ايهامنا أن الإسلام يعاقب النساء والأطفال على أفعال لم يفعلوها. هم هكذا يحمّلون النساء والأطفال أوزار فعلة رجالهم مخالفا بذلك مبدأ قرآني: “أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ (38) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39) سورة النجم.


وهذا ما لا يمكن. فكيف بهم يقدمون قصة ضعيفة على نص قرآني واضح.


إن الرسول ص أعظم من عمل وطبق القرآن الكريم وهو المعروف ص على لسان زوجته وأمنّا، عائشة الكريمة رضي الله عنها، على أنه ص قرآن يمشي. فلا يعقل أن تنجح إيهاماتهم على من يقرأ القرآن الكريم.

الأمر ليس بالهين. فمحبي إستمرار فكرة السبي كانت ومازالت لهم خطاباتهم وأفعالهم المساندة لفكرة السبي. وطرحه على أساس إنه من العرف. والمعروف عرفا كالمشروع شرعا.


أن من بين الصحابة ممن عمل على أَسْلَمَة السّبي وكان من بين الصحابة ممن قاوم فكرة أو مشروع “أسلمة” السبي ورفضوا جعله جزء من الفقه الإسلامي.

في إطار هذه الجدلية كلنا يتذكر مقولة للفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟


لقد أطلق عمر بن الخطاب هذا الشعار ليقاوم فريقا من الصحابة ابتدأ بذلك مباشرة بعد اعتلائه كرسي الخلافة مما يعني أنه كان يحارب من يحاول أسلمة السبي تحت باب العرف. لقد قام عمر بن الخطاب ر. جاهدا بتصحيح المسار الإسلامي ليتوافق مع الصحابة المنادين بالإصطفاف مع سورة محمد في مواجهة أسلمة فكرة السبي.


ملكة اليمين القصة الكبيرة

عندما تأسست دولة النبي محمد ص في المدينة المنورة كان المجتمع نتيجة أعرافه الجاهلية السابقة مليء بالجواري وبالإِماءٌ وبالعبيد. إذا كان لا بد من إيجاد قانون للتعامل مع هذا المخزون إلى أن ينفذ بطريقتين.

الطريقة الأولى تطبيق سورة محمد والتي منعت إنتاج السبي. فالسبي هو المصدر لتحويل الناس إلى عبيد وإماء فقامت سورة محمد بإغلاق صنبور السبي مما يعني أنها منعت إنتاج مزيد من العبيد والإماء.

الطريقة الثانية كيفية التعامل مع المخزون الراهن في زمن النبوة. على مستوى محمد ص الشخصي حرر من كان قريب منه وجعلهم أصدقاء. وحفز رفقاه على إتباع ذلك. كما سن القرآن مكارم تحرير من كان تحت يده من العبيد والإماء.

كما قلت كان هناك مخزون هائل في زمن النبي ص من العبيد والإماء ولكن لم يرغب كل فرد بتحرير ما تحت يديه طواعية. فكان لابد من تشريع قوانين مؤقتة تنظم علاقات واحتياجات هذا المخزون المؤقت من الناس. أناس مغلوب على أمرهم وجدوا أنفسهم نتيجة ظلم بشري مكبلين في إطار إستعبادي.

من أجل إمتناع الأسياد من تحرير ما تحت يدهم طواعية تجد أنه كان ولابد من إيجاد تشريع يعالج هذه الحالة المؤقتة. فتجد في الشرع تنظيم مفاصلات ومنازعات وعلاقات جنسية وتزاوجية لمن علق في شباك العبودية.


ولكن علينا التذكر أن من الناحية النظرية عند تطبيق سورة محمد حال إستيعابها بعدم إنتاج مزيد من السبي، بعدها يتوقف ضخ أي أعداد جديدة من الناس الى هذا المخزون.


ولكن كان هناك مخزون سابق ويجب أن ينتهي منذ قرون.

سورة محمد أوقفت كل إنتاج للسبي إذا ما لذي جرى؟؟؟؟؟؟؟؟ هذا بالضبط الذي كان يريد أن يوصله لنا عمر بن الخطاب جاهدا عندما أطلق صرخته المشهورة المتروكة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟)

لقد حاول الخليفة عمر أن يقف ضد من يحاول أسلمة فكرة السبي وجعله جزء من الإسلام.

بلا شك أن بعض التراث يشاغب على رؤية صريح القران وللتمكن من اتخاذ موقف قرآني من المواضيع القرآنية علينا التخلي عن الكثير من النظارات التي ورثناها ووجدناها قابعة فوق بصائرنا.

د. محمد الزّكري

دكتوراه دراسات إسلامية

جامعة إكستر البريطانية


134 views0 comments