• المرقاب

المرأة المصرية ك"عُمْدَة": فما هو رهان التحديات الثقافية و السياسية

عُمْدَة، إمرأة، لقرية وفي مصر، هل أنا أحلم أم الزمن تغيير ....؟




أمير شفيق حسانين

كاتب صحفي

من مصر

قريتي تحْكمها إمْرأة !!هل يتحقق حِلم سيدات المجتمع المصري ، بالتربُعْ علي كرسي العمودية كبديل للرجال، بعد أن تقدمت سيدتان من محافظة محافظة المنوفية بأوراقهما للداخلية المصرية ، أملاً أن تُصبح كل منهما عُمْدَة لقريتها ؟وكيف سيُصْبح الحال لو صارت سيدة ، هي قاضي القرية وجهتها السياسية ، فتستقبل دعَوات الفصل في القضايا العرْفية ، وقد يسبق رأيها آراء عشرات الرجال ذوي الشوارب الطويلة والعمائم الشاهقة ؟!!

هذا الأمرالعجيب ، صنع حالة جدل واسعة ، بين مَنْ لديهم قناعة بأن العمدة لا يصلُح إلا ذكراً ، فالرجال قوامون علي النساء، وقادرون علي مُخاطبة الجاهل واللبيب ،أما الأنثي فقد تُعاني الشقاء عند مخاطبة الأشقياء!

هل ستقدر حَكَمْ القرية وحكيمتها علي التعامل مع السفيه والبلطجي ومُسئ الأدب وسليط اللسان واللئيم والمشاغب داخل القرية ، بالرغم من كونها أنثي ضعيفة الحيلة ،أم تلجئ لتغليظ حنْجرتها ذات الصوت الناعم ، لتعنيف المتعَدِين علي الحقوق والحدود ؟!

وهل لو صارت إحدي نساء القرية عُمدةً لها ،هل ستسير في الشوارع ومن حولِها الخفراء،أم سيسيرعن يمينها شيخ البلد ، وعن يسارها شيخ الخفر، أم أنها ستستبدل كل هؤلاء بنِسْوة القرية الوجيهات ، كمُسليات ومُؤنسات لها في الطُرقات وحين المُناسبات؟!

هل سترفع راعية الشئون، يدها أثناء تجولها بالقرية ، لتُحيي المُشاة والجالسين علي االمصاطب وأمام الدكاكين والممتطين للحمير، والساحبين للنِعاج والأغنام وكذلك السيدات المُسِنَات الجالسات أمام بيوتهن ، فتُلقي السلام بصوت عالٍ، فيرد أحدهم قائلاً" إتفضلي يا جناب العمدة..إشربي الشاي يا ست الهوانم!!"

هل تتهيئ أٌنثي لأن تُصْبِح عُمْدة ، رغم أن تلك الوظيفة شائع إحتكارها عند الرجال من دون النساء، وهل لو قُدِرَ لها ذلك ،هل ستستعين بخفرائها للذهاب إلي السوق وغيره، لقضاء إحتياجات بيتها وأولادها وزوجها وشقيقاتها وزوجات أشقائها، وهل سيهرول بعض الخُفراء بتقديم السمع والطاعة لأوامر ست الحُسنْ والجمال والدلال!!

هل سيُصبح خفراء القرية أمثال"بسيوني وأبوجبل وعتريس وسبع الرجال وعصفوروأبو دَبشْ ومِصيلْحي وجعبوب"رهنْ إشارِة ست الكُلْ، فتطلب من الخفير"عَوْني أبومُطاوع" الذهاب لشراء الخضروات والفاكهة ، فيوافق قائلاً:أوامرك مُطاعة يا بنت الأكابر..ياغالية يا أصيلة !!"

هل ستقوم صاحِبةْ الفخامة بتناول عَشَائها مرتين مثلما يفعل بعض العُمَدْ ،وهل يُعاير أبناء القرية التي صارعُمدتها سيدة، ويُلامون لعدم توَلِي أحدٍ من رجالهم ، مهام العمودية بدلاً من وضعها في عُنُقْ سيدة!!

وهل تتحرك رئيسة الأمر لتجمع المال من سادات القرية وكبرائها وسيداتها وآنساتها ومن كل مقتدر، لمواساة المرضي وأصحاب المصائب والحرائق ومؤازرة مَن نفَقتْ جاموسته أوبقَرته ولإطعام البائس الفقير.

هل تسعي أميرة الهوانم لتوريث العمودية في ذريتها ، كما يسعي لذات الأمر بعض العُمد، فتقف علي رؤوس الأشهاد وتظل تنادي بأنها عمدة إبنة عمدة سليلة الحسب والنسب..حتي يُبَحْ صوتها من كثرة التفاخر بأصلها؟!

هل تجلس الوجيهة النبيهة تحت أشجار الجميز أوالتوت أوالنَبقْ أو ذقن الباشا ، ساعة العصاري، لإحتساء الشاي المَغْلي علي المنْقَدْ وإسترجاع زكريات الطفولة أو للعب السيجا مع صديقاتها مَثيلات أم العِزْ وجُلْفِدان ووصيفة وحبَهان وشِنْشانة ومِسْتكَة وتُمادَرْ وست الدار وقطرالندي وأم الخير.

هل تترك عقيلة القرية ، دارها وزوجها وأولادها ، وتتفرغ معظم الليالي لحضور المجالس العُرفية داخل وخارج قريتها، لفض المنازعات حتي مطلع الفجر، ثم تعود لبيتها فتنام حتي ظهر أوعصر اليوم التالي، مثلما يفعل بعض العُمدْ!!

وماذا لو حَمَلتْ ست الهوانم ،هل يصِلْ خبر حمْلها لآذان المُستدفئين في ديارهم حول النيران، والمُتراصون أمام كتاتيب القرية ، والفلاحون في الحقول والمحتسون للشيشة علي المقاهي، والجالسون حول الطبالي لتناول العَشَاء، ومشايخ الغِلْمان في الكتاتيب ، وإذ يردد الساخرون:" ياخبر..الست العمدة..هانم يا ولاد!!"

هل ستقْدِر حمَالة الأسيَة والمسئولية علي التوفيق بين ظروف الحمل وآلامه وبين مسئوليات العمودية ، التي تتطلب تفرغاً تاماً ، وماذا لو خرجت العُمْدة لتستقبل ضيوفها وبين يديها طفلها الرضيع، وقد ملأ الدنيا صراخاً يشتهي الرضاعة ، وإذ ضجَ الحاضرون من صِراخه.

وهل تتجرأ زينة الهوانم علي تقديم واجب العزاء بالدواوير، فينتفض البُسطاء والمُهلْهلة ثيابهم من مجالسهم ، كي تجلس عَليَةْ الشأن في واجهة العزاء؟!

وماذا لو مات زوج الست العمدة، هل تخرج عن وقارها، فتظل تصرخ:"يا بَعْلي.. يا سَنَدي" أم تحْبِس صرخاتها، إتقاءً لشماتة المُتربصين؟!!

هل ستشهد سيدة القرية الأولي ، صلاة الجمعة والجماعات في مساجد النساء بالقرية ، فإذا غابت لعدة أيام ، تتهامس أصوات مُعْتادات المسجد بأن الست العمدة "حائضاً" ليُصبح "أمر حيْضِها"حديث ألسنة التَافِه والأحمق ؟!

هل تُصبح نبيلة القوم ، كاتمة للأسرارأم نفاجئ بها ثِرْثارة ، مُنشغلة بالقيل والقال مثل طوابع معظم النساء ، وهل تُنشئ صاحبة السمو، مجلس للنُصح النسائي فتجمع نساء القرية ، ثم تعتلي منبرالنصيحة لتَنصح أصناف الزوجات الغشُومة والظلُومة والأنَانة والمنَانة والحدَاقَة والشدَاقَة وكذلك مسيئات التبعُلْ لأزواجهن، وهل تُصبح حلَالة للعُقدْ، ومحط للأمانات ومشَاءة في الخير وسبَاقة له؟!

أما أنك لواستيقظت يوماً ما ،علي زغاريد ثيْبات القرية وأبكارها، وعَلِمْت بأن الحكومة بجلالِةْ قدْرها، أصدرت فرماناً بتعيين الحاجة فَوْقِية عمدة لقريتك، فلا تنزعج ، وإذهب مع المهنئين والمهنئات الي دار ست الستات، ولا تُبالِغْ في مدحها، فيَظُنُه زوجها غزلاً ، فتشتعل غيرته فيغضب ، وإصنع الأمل في نفسك، فلعلها تفْلح الست سعدية أوالسيدة روحية في إدارة شئون العمودية ، فتُصبح عِيشتنا وعِيشتكم عِيشَة هنيَة !!






أمير شفيق حسانين