• المرقاب

الريف العراقي

رباب العامري

باحثة من العراق






مرّ المجتمع العراقي بثلاث مراحل اجتماعية متمايزة بحسب عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي، وهي البداوة والريف والمدينة، لكل منها صفات مميزة، ولا يزال المجتمع العراقي يعيش هذه المراحل الثلاث في الوقت ذاته

فالحياة الريفية ليست بمعزل عن الحياة المدنية كونها متداخلة وقرب هذه المناطق ع طول خط سيرنا من الشمال الى الجنوب تنتشر القرى مع المدن بصور متداخلة لاتوجد حواجز صناعية او جغرافية تمنع التنقل بين المدن والارياف فبمجرد خروجك من الموصل الى منطقة الجزيرة ستكون قد إجتزت المدينة ماراً بالريف وصولاً الى البدو الرُحل أو المستوطنين حديثاً (ستينيات القرن العشرين) في منطقة الجزيرة.


من عادات الريف وتقاليده


المكون الذي يعكس صفة الارياف هي وجود العشائر كل عشيرة لها مضيف مسؤول عنه شيخ العشيرة يتميز بطريقة تقديم القهوة وتقاليد استقبال الضيوف فنشم رائحة هيل القهوة مع بزوغِ شمس كلِ صباح تُقرَعُ دقاتُ (الهاون) في المضيف حيث تُطحَنُ حبوب البُن بعد تحميصها على الجمر في المقلاة المخصصة لهذا الغرض، ثم تُصنع منها القهوةُ ممزوجةً بحبيبات الهيل العطرة وتقدم حارةً فواحة إلى روّادِ المُضيف. ودقاتُ الهاونِ هذه، التي تخترقُ صمتَ الحقول والبساتين متفوقةً على أصوات الطيور والماشية، منسجمةً مع هدوءِ الطبيعةِ، مسموعةً على مسافاتً بعيدة في القرى المجاورة، تعتبر إيذانا بفتحِ المضيفِ أبوابَه لرواده، ودعوةَ لكل من يسمع هذه الدقاتِ المنطلقةَ إلى عنان السماء من أبناء القرى المجاورة أو المارةِ في الطرق والدروب الزراعية للتجمعِ في المضيف.

مكانة الشيخ


ويحظى شيخ العشيرة باحترام ومحبة الناس فكيف لوكان شيخ العشيرة من“السادة” أي ينتسبون الى الرسول الكريم (ص)، كما جرت العادة في الجنوب باحترام السادة، وهذا الأمر أفضى الى مهابة وتقدير لرجالهم، تمثل في سيادتهم لمنطقتهم.وبركة وجودهم في الريف لمافيه تأثير روحي ومعنوي مؤثر حتى ع سلوكيات الفلاحين بتكريم واحترام شيخهم كونه من ال الرسول الكريم ...


العرف العشائري


مما لاشك فيه ان العرف العشائري الذي استقر في اذهان الناس ردحا من الزمن وجد له افكارا قبلية بفضل الظروف التاريخية المستمدة من الواقع والارض التي نشأ عليها سكان وادي الرافدين ، وبما ان سكان المناطق الجنوبية هم امتداد للاسر الفلاحية التي نزحت نحو تلك الاراضي الخصبةواستوطنت هناك .....وبمرور الزمن رافق حياتهم الاقتصادية المعتمدة على الزراعة والرعي حيث اصبح ذلك العرف القبلي الذي هيمن على جميع مرافق الحياة مهيمنا على الواقع الاجتماعي والسياسي واصبح ملازما لحياتهم وهم يتعاطفون معه ويرونه القانون الامثل لحل جميع معضلاتهم ، ولانه جزء مهم لتصريف الحياة اليومية في شتى المجالات ، ومن دونه لا يستطيع الافراد الحصول على حمايتهم الحقوقية حينما يكون الناس خاضعين وموافقين لتطبيق ذلك القانون . وبقي الريف العراقي الى وقت ليس بالبعيد يطبق هذه القوانين العشائرية التي تعد الثقافة التي يتعامل بها السكان المحليون في تلك المناطق وتقسيم الناس الى افخاذ وعشائر ومسميات عديدة ، الامر الذي شجع جميع ( الاسر الفلاحية ) على التاكيد التام لمناصرته والدفاع عنه ، وقد ساهمت فيه جموع سكان الريف وتابعوا نصوصه وقوانينه تتبعهم الاجيال المتعاقبة تدريجيا مع جميع المفردات الناجمة عنه ، كما اصبح مواكبا لمراحلهم في ترحالهم واستقرارهم لذلك فقد نتج عن هذا القانون او ذلك العرف ( نصوص ) قانونية عديدة عرفت بكلمة الفصل و ( الفجرية ) و ( التلوية )

التوزيع السكاني

ان التمایز الثقافي والتنوع العصري اللذان تتمتع بھما العاصمة؛ قد جعلھا قِبلةً لكل المھاجرین، فضلاً عن ارتفاع حركة التجارة وبیع السلع غیر الموجودة في المحافظات التي تلیھا. بغض النظر عن مركزیة العاصمة وحیویتھا في كل بلدان العالم تقریباً،

یعاني العراق كما اغلب الدول العربیة من حالة التمركز الحضري، اي تمركز الخدمات وفرص العمل في العاصمة او المركز على حساب الاطراف ورغم ان ھذه الظاھرة لھا سلبیاتھا الكثیرة ومنھا الھجرة من الریف الى المدینة، الا إن الأطراف لھا میزة وھي انخفاض كلفة المعیشة. كون نقص الدوائر الخدمية التي تتركز في العاصمة ...مما حدا الامر بهجرة الرجال إلى المدن، لتتحمل المرأة مسؤولية العمل في الريف، فطبيعة العمل الزراعي التقليدي والإنتاج الزراعي المحدود لا يتطلبان مستويات عليا من التعليم والتأهيل.

تبدأ الرحلة اليومية للمرأة مع أولى خيوط الفجر وحتى وداع الشمس لتنام مبكراً وتصحو مبكراً، وضمن هذا الإيقاع تُكمل حياتها ما دامت في الريف.


دور الشيوخ اتجاه قبيلتها والوطن


الرئاسة او المشيخة في المجتمعات العشائرية والقبلية ، تمثل سلطة معنوية تهدف إلى اضفاء شعور بالترابط والانسجام تحت ظل سلطة مركزية موحدة…ولم تكن هذه المسألة في يوم ما مجرد منصبا وجاها يبرز صاحبه إلى واجهة الاحداث، بل كانت قوة معنوية تستمد منه القبيلة اسباب عزتها وقوتها تجاه الاخرين…

لا شك ان ابن القبيلة – سابقا – ولظروف معينة – كان محدود الافق لما هو ابعد من محيطه الذي يعيش فيه…فالوطن عنده ، هو العشيرة وما دونه لا يعنيه لا من قريب او بعيد ، اللهم الا اذا وجد شيوخه يدفعونه إلى ذلك…فنظرته كانت انانية ومبسطة تجاه الوطن ، بسبب عدم نضوج مثل هذه الافكار في مخيلته، ولكن بعد ان تغير الزمن انصهر الجميع في بوتقه اسمها (الوطن) الذي اصبح الخيمة التي تضم داخلها الاوطان الصغيرة (القبائل والعشائر) فتوسع بذلك مفهوم الوطنية لديه اكثر واكثر…

وخير مثال يمكن استذكاره ماحصل من اجتياح داعش للعراق وخاصة المناطق الشمالية الغربية منه نستذكر دور العشائر التي واجهت عبر ابناءها ونساءها الاجتياح الدامي فكان لهم دور في تحجيم وتقدم الدواعش مع الجيش العراقي ولاننسى دور المرأة البارز بعيدا عن السلبيات التي نسمعها من اضطهاد لحقوق المرأة فهناك عشائر تسلب حقوق وتمارس الجاهليه اتجاه المرأة وهناك من يحعلها رديفة مع الرجل في كل النواحي الحياتية وعلى ساتر القتال رحم الله الشهداء والشهيدات ومن هذه الشهيدات انها الشهيدة المقاتلة(أمية ناجي جبارة الجبوري)بعد شهادات الناجيين من مجزرة سبايكر الشهيده كانت تحمي الجنود العراقيين الناجين في بيتها وبين اهلها ورفضت مغادرة منطقة العلم حتى تحريرها

استشهدت بقناص الدواعش على الساتر استشهدت أمية واقفة كنخلات العراق لكن بطولتها صارت نبراسًا يضيء دروب الثائرين لا ينساه التاريخ..


الغناء والرقص الجوبي


وغناء الجوبي يجمع بين الغناء والإيقاع والرقص وهذه الألوان الثلاثة تحمل اسم (( الجوبي )) وربما وفي حالات ضيقة جداً يستغنى عن الرقص وهو المعنى لكلمة الجوبي

إن (( الجوبي )) تعني نوع من أنواع الغناء المنتشر في ريف البادية وضمن محافظات (( صلاح الدين والأنبار وأطراف الموصل وديالى والسماوة والمحافظات الجنوبية ايضا تجد الصورة والمفردة الشعرية في الأغنية الجنوبية ليست كمثيلتها في المناطق الأخرى. تحت تأثير هذا التكوين الطبيعي والبيئي تكيفت أصوات المغنين بالفطرة لتأتي منسجمة مع إيقاع الحياة العام، ومنسجمة نغميا مع أصوات الطبيعة المائية الخضراء.

رقص الجوبي : تقدم هذه الرقصة أو ما نسميها بالدبكة على شكل جماعات يشكلون نصف دائرة ويتشابك الراقصون بالأيادي ويقومون بتحريك أطرافهم السفلية بشكل إيقاعي منتظم ليضربوا الأرض بقوة مع تحريك أذرعهم وهي متشابكة بشكل انسيابي منتظم ويظهر راقص واحد أو اثنين وسط الدائرة يرفع بيده المسبحة أو (( محرمة جيب )) أي (( قطعة من القماش )) ليشجع الدبكة بحركات تختلف عن حركات الراقصين الآخرين يجلس ويقوم وهكذا ويدور حول الراقصين ويشجعهم ويطلق صيحة معينة لشد عزائمهم وفي أكثر الأحيان تكون هذه الصيحة (( جا ))

ثم يرجع ليمسك أول راقص ليقود الراقصين بنصف دائرة منتظمة تدور حول بقعة أرض محددة وتشارك النساء في المناطق الغربية والشمالية والوسطى بهذه الرقصات الجماعية ودائماً تكون درجة القربى بين الرجال والنساء موجودة لأن المرأة لا ترقص مع رجل غريب وهذه من عادات العشائر وهذه الرقصة منتشرة في (( العراق كافة دون استثناء))

أما الإرث الموسيقي للمنطقة فقد تجلى باكتشاف أول الآلات الموسيقية مثل القيثارة في الحضارة السومرية (أكثر من 7 آلاف سنة) والتي تعد أقدم آلة موسيقية وترية عرفها الإنسان وآلة العود في الحضارة الأكدية وهي أول آلة موسيقية ذات ذراع عرفها الإنسان (4500 سنة).

تسمى المقامات الريفية في العراق بـ»الأطوار ومفردها طور» وعدد الأطوار الريفية في العراق كثير، منها ما اندثر عبر القرون بسبب عدم التوثيق، ومنها ما يزال يستخدم إلى يومنا هذا مثل طور الصبّي، نسبة إلى الديانة الصابئية المندائية في العراق والملائي نسبة للطقوس الحسينية الملائية، والحياوي نسبة إلى أهل الحي في محافظة واسط.


اشكال الزواج العشائري واسبابه ومعالجته


تنتشر في المجتمع العراقي، لا سيما القبلي، العديد من الأعراف الاجتماعية التي يعتبرها الكثيرون مخالفة للقوانين والأعراف الإنسانية والدولية، خصوصاً فيما يخص موضوعات الزواج؛ منها ما يعرف بـ"الدكة العشائرية" أو "زواج الفصلية" أو "زواج الدية" إلى جانب "النهوة العشائرية".

فـ"زواج الفصلية" أو "زواج الدية" هو عرف عشائري يقضي بتزويج امرأة من قبيلة إلى رجل في قبيلة أخرى بهدف حقن الدماء بين القبيلتين والتراضي وسد الطريق أمام المشاحنات والخلافات مستقبلاً، حيث إن هذا العرف ما زال منتشراً في بعض مناطق العراق على اختلاف عاداته العشائرية من الشمال حتى الوسط والجنوب.

وفي جو يسوده الحزن والصمت تغيب مراسم الفرح غالباً في هذا النوع من الزواج، على عكس المظاهر التي تعم الزواج الرسمي والعلني بين محبوبين أو عاشقين أو قريبين، حتى وإن كان زواجاً تقليدياً؛ على اعتبار أنه زواج من "امرأة فصلية"، بموجب التقليد الذي تمليه العادات القبلية والعشائرية القديمة لحقن دماء العشائر المتخاصمة.

أما النهوة فهي عُرف عشائري قديم يقضي بمنع الفتاة من الزواج برجل غريب عن العشيرة، وبموجب هذا العرف فإن عم أو ابن عم الفتاة "ينهي" على الفتاة، أي إنه يمنعها من الزواج بشخص آخر غيره حتى لو بقيت من دون زواج مدى الحياة.

وفي وقت سابق عالج القضاء العراقي ما يُعرف بـ"الدكة العشائرية" من خلال تشريع قانون يمنع انتشارها أو التعامل بها في البلاد، وبالفعل أدى التشريع الجديد إلى انحسار الظاهرة بشكل ملحوظ بعد أسابيع من تطبيق القرار.

والدكة العشائرية هي عرف يتلخص بإقدام مسلحين ينتمون لعشيرة ما على تهديد عائلة من عشيرة أخرى من خلال عملية إطلاق نار أو إلقاء قنبلة يدوية أحياناً على منزل المقصود، كتحذير شديد اللهجة لدفعه للتفاوض لتسوية خلافٍ ما، وفي حال عدم موافقة الطرف المستهدف تتطور الأمور لتؤدي إلى المواجهة العلنية، وغالباً ما يسقط فيها ضحايا من الطرفين.


وسبق للعراق أن ألغى عام 1958 قانون العشائر، وقضى على سلطة القبيلة السياسية، وحوّلها إلى هيئة اجتماعية ريفية يمكن للمرء الرجوع إليها للمشورة. لكن الفراغ السياسي الذي خلّفه الغزو الأمريكي بعد عام 2003، عقب سقوط النظام العراقي السابق، أعاد للعشائر نفوذها من جديد، وسط غياب شبه تام للعدالة الاجتماعية وتطبيق القانون مع انتشار واسع للفساد في معظم مؤسسات الدولة..


رباب العامري

باحثة من العراق

إشترك بمجلتك "المرقاب" .....من أجل  أن تصلك المعلومات

.أول بأول رجاءا إكتب بريدك الإلكتروني في الصندق السفلي واضغط  Subscribe 

Subscribe to Our Newsletter

  • White Facebook Icon

 2020 © alMirqab.Das.Monokel 

almirqab.das.monokel@gmail.com