• المرقاب

حوار مفتوح مع المفكر العماني صادق جواد حول قضايا فكريّة وفلسفيّة



إعداد وتحرير


اليوتيوبي المبدع

بدر العبري

من سلطنة عمان







بدر العبريّ: يسر قناة (أُنْس) اليوتيوبيّة أن تستضيف المفكر العماني صادق جواد، ضمن برنامج حوارات الحلقة (103)، وضمن مشروع صادق جواد، حيث كانت أربع حلقات، الأولى والثّانية كانت حول مراجعات بين الدّين والفلسفة، والثّالثة حول الأنسنة، والرّابعة حول الماهيّة والهوّيّة، ثمّ أشكر حضوركم ومشاركتكم معنا في غرفة ZOOM، وللمتابعين في البث المباشر على اليوتيوب، كما أشكر ابتداء المفكر صادق جواد على تلبية الدّعوة، ونرّحب بأسئلتكم في هذه الحلقة المفتوحة، والآن اترك الافتتاحيّة لأستاذنا الجليل.



صادق جواد: نشأت الأفكار عندي كخواطر ابتداء، ثمّ بمرور الوقت وبقدر من التّمعن استقرت كقناعات، وهي قد تبدو بسيطة وبديهيّة، إلا أنّها كما أرى في أبعادها ومراميها قد تصل جذريّا في دفع نوعيّة الحياة نحو الأحسن.

والقناعة الأولى الّتي تولّدت لدي ابتداء من القرآن الكريم، ثمّ وجدتُ لها ورودا أيضا في الصّحف الدّينيّة والفلسفيّة ومن الملل الأخرى، وهي أنّ الإنسان مسطور على الخير، وإنّما ما يوقعه في الشّر يكون جراء من يتعرض له من ظروف حياتيّة تشوّه عليه تفكيره، فتنزل به إلى مستوى وعي متدني يتصرّف منه بخبط وشظف، ومنه أيضا بخبث ولؤم، وهذا ما يصفه القرآن الكريم بالحياة الدّنيا، فيرد في القرآن كلمة الدّنيا وصفا للحياة، وليست مضافا ومضافا إليه، لذا على الإنسان على ما أرى، أيّا كانت الظّروف أن يحاذر من مثل هذا الارتكاس.

والقناعة الثّانية أنّ في الحراك الإنساني عامّة حسنات وسيئات، وبقدر ما تفوق الحسنات على السّيات يبقى الحال في تطور للأحسن، والعكس بالعكس، وكما نقرأ في القرآن الكريم: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود/ 114]، لذا وجب الحرص بوعي سليم على صعيد فرد أو جماعة على الارتقاء من أحسن إلى أحسن.

والقناعة الثّالثة أنّ الأفكار تولّد المشاعر، والمشاعر تولّد الأفعال، لذا وجب الحرص دوما على سلامة التّفكير، وهذا يعني من الدّرجة الأولى الابتعاد مطلقا عن الأفكار السّامة كالخوف والحقد والحسد وكراهية الآخر، ومن الأفكار ما يمّت عنها من نزاعات الإثم والعدوان، وفي المقابل يجب استحضار المبادئ الأربعة: العدل والمساواة وكرامة الإنسان والشّورى في كلّ ما نطرح ونرتأي ونقول ونفعل.


والقناعة الرّابعة هي أن لا نعتدّ بالعادات والتّقاليد، وحتى عندما تستصحب كمرافقات ثقافيّة يكون اعتدادنا عقليّا لا على العادات والتّقاليد، أي بالمبادئ المصلحة للإنسان، والمنمية له أفرادا ومجتمعات، وأقصد بالاعتداد العقلي تكوين نظر، أو بناء موقف، أو إجراء حكم، في أيّما أمر إنساني، بمعنى الاحتكام إلى القيم وليس إلى العادات والتّقاليد.

والقناعة الخامسة والأخيرة أنّ الإنسان بماهيته الوجوديّة أولا، ثمّ بهوّياته الانتمائيّة، بمعنى بقدر ما يرشد الإنسان هوّياته الانتمائيّة بوعي من ماهيته الوجوديّة بقدر ذلك يصلح ويترشد وينمو في إنسانيّه.


إبراهيم البلوشي (أبو إلياس): هل نستطيع القول بأنّ الفلسفة هي الفقه، والفقيه الدّيني فيلسوف من حيث لا يدري، كذلك باقي العلوم الأخرى، فإذا عملت عقلك في ذلك العلم أصبحت فيلسوفا في ذلك المجال؟


صادق جواد: في الواقع أنّ الفلسفة في منشأ هذا اللّفظ كما تعلمون كانت عامّة جدّا، واشتقت من حبّ الإنسان للحكمة، ولم تستعمل عندنا في الواردات العربيّة الإسلاميّة إلا في وقت لاحق، فالأول كانت الحكمة، وهذه هي اللّفظة الّتي وردت في القرآن.

والفلسفة في جوهرها فكر حر، ليس فكرا مقيّدا أو مشروطا بأيّة معتقدات، هي خلاصة ما ينتهي إليه الإنسان من منظور عام لطبيعة الحياة، ومن الشّأن الإنسانيّ في هذه الحياة، وهذا يكون من اغترافه من مختلف العلوم والمعارف، فالفلسفة ليست فقها، وإنّما ممارسة عقليّة تنتهي إلى خلاصات تبقى هي الحاكمة لمنظور الإنسان إجمالا في الكون والحياة.


عبد الله العليان: سمعت ما قاله المفكر صادق جواد عن الأنسنة، إلا أنني لاحظته لم يعط اهتماما للقرآن أو الفكر الإسلامي، ولم يشر إلى من كتب من المسلمين، والقرآن أعطى النّزعة الإنسانيّة اهتماما كبيرا، وكذلك الأحاديث النّبويّة، وممن كتب في ذلك عليّ شريعتي [ت 1977م] في الإسلام والإنسان، ومالك بن نبي [ت 1973م] في وجهة العالم الإسلامي، وهشام جعيط [معاصر] في أزمة الثّقافة الإسلاميّة، وكذا مثلا عند مصطفى السّباعي [ت 1964م] ومحمّد أركون [ت 1910م]؟


صادق جواد: الفلسفة فكر حر، أي بمعنى أنّه فكر مستخلص بطريقة حرّة جدّا، وهو لا يستثني الأديان في نظرته إلى الحياة والوجود، فالأديان لها أيضا إسهاماتها في تمكين الفكر الفلسفي هنا وهناك، ولكن كما نعلم أنّه بالتّقليد، أي السّيرة الإسلاميّة الفكريّة أنّها جاءت محاطة بمنظومة العقائد الّتي نمت فيها، والفلاسفة المسلمون لم يمارسوا الفلسفة بشكل حر دون قيد من المنظومة العقائديّة الإسلاميّة، وبالتّالي تجد فيها ملتقيات هنا وهناك، وليس فقط في الفلسفة، أيضا تجد ذلك في علم النّفس وغيرها، ولكن الفكر الدّيني في جوهره هو فكر منتظم ومرتبط بعقائد غيبيّة معينة مسبقة، ومسلمات مسبقة، وهذا لا نجده في المنهج الفلسفي.


محمود اللّواتي: لكم تجربة عريقة في مجال التّفكير منذ بداياتكم الأولى، ثمّ تدرجتم في الاطلاع الواسع، وهذا نعرفه عنكم عن قرب، وسؤالي لكم: في هذا العصر المتلاطم هناك العديد من الأفكار الجيدة والسّلبيّة أيضا، ونحن كمسلمين لدينا جوّا وأطرا معينا، فمن خلال تجربتكم هل ترون السّماح لأولادنا أن يأخذوا في مجال التّفكير في هذا البحث المتلاطم من الأفكار بعيدا عن هذا الجو والأطر الإسلامي، حتى يقرروا لاحقا ما يعتقدونه من أفكار، ويرونه من تجارب، حتى ولو كانت بعيدة عن الجو القرآني، والجو الإنساني المؤطر بالفكر الإسلامي؟


صادق جواد: المسألة لا يوجد فيها هذا التّعقيد، إذا افترضت أنّ الإنسان وجدت فيه قابلية فهم الوجود على طبيعته؛ اتركه يسبر عمق هذا الوجود بكلّ سننه وبكلّ ما فيه، فإذا قلت لا، وأنّ الأفكار الّتي جاءت سابقا لهذا العصر هي الّتي الأوجه في صناعة الحياة الطّيبة والمنتجة والمتنورة للإنسان، وأنّ الأديان اللّاحقة عليها كلّها أن ترتبط بذاك الفكر السّابق هذا منظور آخر، أمّا المنظور الفلسفي لا يتقيد بأفكار جيل سبق، وإنّما يسبر ويكتشف مساحات جديدة للنّظر.

وكما تعلم أنّ الكثير من فهمنا للحياة اليوم للإنسان والحياة والوجود يأتي من خلال نظرنا في الطّبيعة، ولا يأتي من خلال نظرنا في الأفكار السّابقة؛ لأنّ الأفكار السّابقة تخيلت العالم بطريقة معينة، ولكن ليس هذا هو الحدّ والمنتهى ونهاية المطاف بالنّسبة للإنسان، فمع اصطحاب ما عندك من الماضي، ومع اجتهادك في الحاضر والمستقبل؛ تستطيع أن تمشي وتتحرك، وهذا لا يعني التّعارض بين المراحل والأشياء، فالوجود كما هو يكون هو مهما فكرت فيه، ولذلك قلت إنّ كلّ ما لدى الإنسان من إرث ديني أو فلسفي أو فكري حر؛ هو إنساني المنشأ، وإنساني المورد، وإنساني المصدر، فمعنى هذا أنّك تصطحبه جميعا، وتشقّ فيه طريقك في فهم الوجود من هذه الكلية العامّة.

أمّا إذا قلت إنّ جزءا من هذا الّذي ورد في الماضي هو الّذي يحكم ما أنت تفهم به الكون والإنسان والحياة؛ هذا منظور آخر، فلك الخيار في هذا، والنّاس على مختلف مشاربهم يتوقفون عند هذه المسألة، فمنهم من يجتازها باصطحاب الماضي، والاجتهاد فيما هو حاضر، ومنهم من يتوقف عند الماضي، مع إدارة وتنظيم أموره بمعطيات الحاضر، ولكن يبقى مشدودا إلى الأفكار الكليّة الّتي أخذها من الماضي، فهي مسألة مفتوحة أمام الكل.

أبو عبد الله: هل الأديان الإبراهيميّة مصدرها إلهي، أم هي ثقافات بشريّة، فإذا كان المصدر إلهيّا فلماذا هذا التّضارب والاختلاف بين العلم والدّين داخل الدّين نفسه، ألا يدل هذا الاختلاف أنّها بشريّة من حيث المصدر؟


صادق جواد: هناك من يرى أنّ كلّ ما من عند الإنسان هو أنسانيّ بما فيها الأديان، لكنّها ليست نتاجا غريبا وإنّما هي من طبيعة الإنسان أنّه هكذا نظر وفسّر وأوجد نظما في فهم الوجود، ولكن إذا انطلقت من النّقطة الأولى وهي كلّ ما يوجد عند الإنسان من أديان وفلسفات وأفكار وعلوم وغيرها هي ليست إلا إفرازات للإنسان في مسيرته الفكريّة، فإذا توقفت عند هذه المسألة ما عدت تخاصم شيئا بشيء، وإنّما ترى أنّها مجرد منظورات مختلفة في عصور مختلفة، وفي ظلّ ظروف ومعطيات مختلفة، ولكنّها جميعا إنسانيّة لا يجوز استبعادها من فكرنا الكليّ، حتى في هذا الحاضر، وحتى في المستقبل، فهي أرث ثمين جدّا، وقد تنظّمت حياة شعوب وأمم بهذه النّظم الدّينيّة، وبالمعتقدات الّتي جاءت بها، ولكنّها ليست انتهاء الإنسان في فهم الكون على ما هو عليه.


بدر العبريّ: هل الكتب السّماويّة من حيث المصدريّة إلهيّة، وهل هناك ديانة خاتمة للأديان جميعا أم مستمرة؟


صادق جواد: إذا قلت سماويّا وأرضيّا أنت أوجدت ثنائيّة من البداية، وعندها تنحشر في وسط هذه الثّنائيّة، أمّا إذا قلت هناك أرث إنساني كثير منه حفظ، وشيء منه حفظ من أيام الإغريق وحتى قبلهم، هذا الفكر كلّه فكر إنساني.

فلمّا تقول الدّيانات الإبراهيميّة، فإبراهيم كان شخصا ظهر من حوالي ألف وسبعمائة أو ثمانمائة سنة قبل المسيح، وظهر في بيئة جدّا محدودة، وكانت النّاس على مستوى من الوعي جدّا بسيطة، وهذا الشّخص بدأ يفكر في الكون، والقرآن الكريم يأتي على تسلسل التّفكير عنده، كيف أنّه مايز بين أشكال وأحجام تأتي وتذهب، وبين شيء لا يتغير ولا يتبدّل، وليس له بداية ولا نهاية، أي أنّه أزلي أبدي.

هذا التّفكير توقف عنده إبراهيم، وكما نلاحظ في القرآن الكريم عندما يرى الشّمس والقمر، ويرى أنّ الأشياء الزّائلة، أي الأحجام والأمور الظّاهرة؛ هذه ليست من النّوع الّذي يتعبّد لها الإنسان، وعلى الإنسان أن يتعبّد لما هو وراء ذلك.

فإبراهيم أول من خرج عمّا كان قبله من تصورات عند بابل وسومر وغيرهم أنّ هناك آلهة في الكون تتحكّم في القوى الطّبيعيّة، وهو بمحض تفكيره، فلم يقرأ كتبا، ولا يزال غلاما يافعا، نظر في الكون، وبدأ يرى أنّ الكون فيه وجهان للنّظر، وجه ظاهريّ يمكن أن تراه، وترى التّبدل والتّغير، ومهما كان حجمه ونوره؛ إن لم تكن له خاصيّة الدّيمومة، أي الأزليّة الأبديّة والصّمديّة والإطلاق؛ فهو لا يستحق التّعبد، وعند ذلك توجه إلى ما وراء الظّاهر، فهنا السّماويّ بهذا المعنى، وليس بمعنى هناك أطباق في الأعلى، وأطباق في الأسفل.


خليفة الحوسنيّ: هل ثمّة نظرة استشرافيّة له حول الأنظمة الاقتصاديّة، والصّراع الحالي بين الرّأسماليّة والاشتراكيّة، في السّابق تنبأ ماركس بأنّ الرّسماليّة تحمل بداخلها مضامين فنائها، لكن الحاصل ازدادت توغلا وسيطرة، وما يحدث في الصّين اليوم لا يمكن أن نسمّيه نظاما رأسماليّا أو اشتراكيّا، هو خليط من أنظمة اقتصاديّة متنوعة، اشتغلت عليه ونجحت؟


صادق جواد: حصل في التّأريخ الّذي نعيه مرتين أنّ الإنسان تخيّل أنّه وصل إلى مرحلة لم يعد محتاجا إلى مرحلة ما شيء بعده، ففي القرن الثّامن عشر الميلادي ظنّ الفيزيائيون أنّهم بلغوا نهاية المطاف، وأنّهم بفهمهم لكنه المادّة، وتوصلهم إلى أعماق ما هو موجود في العالم الأصغر، أي ما دون الذّرة، وما تمكنوا من علمه في العالم الأكبر؛ ظنّوا لا يوجد حاجة أن تدرس الطّبيعة؛ لأنّه كلّ ما تحتاجه لمعرفة طبيعة هذا الوجود تمكن العلماء من تحقيقه، وفي القرنين التّاسع عشر والعشرين الميلاديين أثبتوا أنّ هذا كان أبعد ما يمكن أن يكون، فالدّراسات الّتي أتت فيما بعد ذهبت عمقا إلى حدّ لم يكن متصوّرا، واليوم أدرك العلماء كلّما نعلم شيئا تنفتح عندنا مساحة من الجهل، وبالتّالي شوطنا لا ينقطع عن تعقّب المعرفة في طبيعة هذا الوجود.

المرة الثّانية قبل عقود في المجال الّذي سألتَ فيه وهو مجال القضايا الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، ظنّ فوكوياما [معاصر] في أوائل التّسعينات أنّه انتهى تاريخ البشريّة بعد سقوط الاتّحاد السّوفييتي، فالعالم استقر على أنّ النّظام المتمثل في التّجربة الغربيّة هو أمثل الأنظمة، وبالتّالي ليس على العالم إلا أن يقلّدوا ما هو موجود، لا أن يتّبعوا العجلة من جديد، وكتب كتابه المشهور: نهاية التّأريخ، فلم يعد هناك مجال أن نقول أيّ نظام أصلح لتنظيم أمر الإنسان.

لكن الّذي ظهر فيما بعد ولا زلنا فيه أنّ الأنظمة الّتي عرفناها بأسماء معينة كالرّأسماليّة والاشتراكيّة والشّيوعيّة أو غيرها؛ هي ليست نهاية المطاف في كلّ شيء، هي مجرد محطات هنا وهناك على الطّريق نعبر منها إلى ما بعدها، فإذا سألتَ الآن ما مواصفات النّظام الرّأسمالي؟ تجد أنّ فيه عناصر كثيرة من النّظام الاشتراكي، وإذا نظرت في النّظام الاشتراكي كما هو في الصّين وروسيا تجد فيه عناصر من الرّأسماليّة.

نحن اليوم في عالم مفتوح على كلّ اجتهاد، ولم نصل إلى نهاية المطاف في كلّ شيء، فالاجتهاد الإنسانيّ لن ينقطع، وبالتّالي نحن في سقوط من دون قاع، أو علو من دون سقف، فأحفاد أحفادنا يكونون في عالم آخر، وهذا العالم الآخر أمامه من تجليات الفهم الكوني ما ليس عندنا اليوم، وهذا ليس فقط في العلوم الطّبيعيّة وفهمه للكون، ولكن أيضا حتى في فهمه لصلاح نفسه ومجتمعه، والبقاء على ذاته، فالكون متقن، فعلينا فهمه، وأن نشقّ طريقنا من خلال هذا الفهم.


أ.ن.ن: ما مدى تأثر الأديان بالفكر الرّأسمالي، وكيف يمكن استرجاع هوّيّة الخطاب الدّيني الخالي من أي تأثر ، سواء في السّياسة أم الاقتصاد؟


صادق جواد: الأديان ليست جميعها على نفس المسار في الجانب الاقتصادي، وأشرح الأديان من خلال التّكافل الاجتماعي، وعدالة التّوزيع، والعناية بغير المقتدر؛ في نظري الإسلام، نجد فيه بالفعل حرصا على حقوق فرديّة، وحقوق ذاتيّة تحفّز الإنسان في تنمية ذاته وإمكانياته، ومن جانب آخر نجد فيه عناصر من الفكر الآخر أي الاشتراكي الّذي يمكنه أن يعمم ما ينتج وينجز على عموم المجتمع.

فالمسألة الأساسيّة الّتي لا تزال قائمة في الفكر الإنساني أنّه ما المعادلة الصّحيحة بين الحرص على زيادة الانتاج، والحرص على عدالة التّوزيع؟ لا زلنا في نوع من التّذبذب بين هذا وذاك، ولكن إذا نظرتَ إلى الإسلام أجده أقرب، ولو بشيء من الأرجحيّة نحو الجانب الاشتراكي الّذي به يتحقق التّكافل الاجتماعي.

والاقتصاديون أنفسهم ينقسمون بين من يتحمّس أكثر لزيادة الانتاج، ويدعون إلى تكريس المفاهيم الرّأسماليّة، وبين من يميل إلى الجانب الاشتراكي، وتعميم الفائدة من الإنتاج على عموم النّاس.

ونحن من خلال فيروس كورونا مثلا من الأمور الّتي تبحث بجد كيف يكون توزيع هذا اللّقاح، بين مجتمعات لا تجد المادّة لتوفير هذا اللّقاح، وبين المجتمعات الّتي يتيسّر فيها اقتناؤه، فهناك نظريّة تقول ينبغي أن لا يكون التّوزيع على أساس المقتدر وغير المقتدر على الشّراء، وإنّما ينبغي أن يكون تعميم اللّقاح عموما في العالم ككل.

وهكذا في الجانب السّياسي لم أجد ديانة أخرى جاء فيها حث وتحديد لمنهج الحكم، فهي تبنت ما جاء في التّقاليد، بينما الإسلام وحده الّذي جاء ابتداء وهو يحث على مبدأ أصبح اليوم معمّما في العالم في ضوء أساليب متقدّمة جدّا، وهو مبدأ الشّورى.

والكلمة في اللّغة العربيّة الّتي تصاغ على شورى وفوضى مثلا؛ تدلّ على العموميّة الكبرى، فلما نقول الشّورى يعني الاستشارة في أعرض صورها، والّذين حدّدوا معنى الشّورى بالحلّ والعقد في الواقع ضيّقوا الواسع؛ لأنّ الشّورى بلفظها تعني اتّساع الرّقعة الّتي تتم فيها المشورة، والوصول إلى منهج للحكم يستبعد الاستبداد، ويوّسع ذلك في الشّعب أو الأمّة ككل.


بدر العبريّ: هل عبارة اقتصاد إسلامي، أو اقتصاد مسيحي، أو دولة إسلاميّة، بمعنى نسبة ما يمارسه النّاس في حياتهم إلى الأديان، وكذا ما يتعلّق مثلا بأسلمة المعرفة، هل هو دقيق؟


صادق جواد: الاقتصاد من حيث جذرها كلمة قرآنيّة، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر/ 32]، والاقتصاد له معنى ماديّ يمكن أن يؤخذ من مفهومين: أولا: الشّيء الّذي يستهلك كمورد لا يستهلك فوضويّا، وإنّما يكون هنا قصد للاستفادة منه، والثّاني: أن يكون الاستهلاك محكوما بالحاجة وليس بالرّغبات، فلمّا نقول الاقتصاد معناه أنّ الشّخص المقتصد لا يتجاوز حدّ حاجته ليس الاضطراريّة وإنّما الميسورة، ولكن لا يتجاوزها إلى السّرف أو التّبذير.

ولو خرجنا من الكلمة ومدلولاتها إلى الإضافة كقولنا دولة إسلاميّة أو مسيحيّة أو يهوديّة أو بوذيّة وهكذا، فإذا أعطينا لأيّ دولة أو مجتمع صفة انتمائيّا إلى دين ما فيكون بمعنيين: معنى يجعل الانتماء كمسألة ثقافيّة تأريخيّة ذاتيّة، ففي هذه الحالة لا يتقيّد تماما بما جاء في دينه، ولكنّه يتبنى العلاقة الانتمائيّة من ناحية ثقافيّة، ومن ناحية تأريخيّة، وله الحق في ذلك إذا انطبع المجتمع على هذا لقرون في ديانة ما، ولكن الوجه الآخر إذا قلت دولة إسلاميّة ليس بالمعنى الانتمائيّ الثّقافيّ العام؛ وإنّما بقصد أطبّق حيثيات وتفاصيل ما جاء في الدّين، فهذا قليل ما نجده في المجتمعات اليوم، فالدّول العربيّة مثلا في غالبها في دساتيرها تنصّ على أنّها دولة إسلاميّة، وبعضها تنصّ أنّ مصدر التّشريع هو الإسلام، ولكنّها مجرد أقوال، ولا يعني الالتزام بما جاء في الدّين نفسه في الدّول المدعيّة لذلك الانتساب.


عمّار عليّ: ما رأي الدّكتور في البرغماتيّة، وهل نستطيع القول أنّ الحكومة الأمريكيّة أنّها برغماتيّة؟


صادق جواد: البرغماتيّة فلسفة جذورها تعود إلى الفكر البريطاني، ونمت في نهاية القرن التّاسع عشر على أنّها فلسفة أمريكيّة ذاتيّة، بمعنى أنّ الفلسفات الأخرى الّتي كانت سائدة عند جماعة التّنوير في أروبا اقتبستها أمريكا، ولكن البرجماتيّة تطورت، وتطوّرها ليس بالصّورة الّتي نمت عليها فيما بعد، لأنّه في نهاية القرن التّاسع عشر كانت الثّورة الصّناعيّة في قوّتها، وأحدثت حراكا كبيرا، والفلسفات العلميّة تسابق بعضها بعضا.

وممّن كتب في البرغماتية تشارلز ساندرز بيرس الأمريكي [ت 1014م] كتب لأقرانه من العلماء في أمريكا، ووجه إليهم وقال لهم أنّه نظرا للحراك الكبير والزّاخر الّذي يجري الآن في عصرنا علينا أن نحرص على صحة ما نرتئيه ونفكر فيه، فلا نتقبل الأفكار هكذا جزافا، ثمّ أتى ويليام جيمس [ت 1910م]، وجون ديوي [ت 1952م]، ووضعوا بلورة أكثر.

وكانت فكرتها في النّهاية أنّ أيّ فكرة ما لم يتحقق الاستفادة منها من تطبيقها في الواقع فهذه الفكرة مهما كانت لها من جانب نظريّ، إلا أنّها فكرة ليست قابلة للتّبني إذا لم يصدق تطبيقها في واقع الأمر، ولهذا جاءت هذه الفلسفة أمريكيّة، ووجودها طبيعي.

وتفسيرها اليوم إمّا أن تقول كلّ ما يفيدني أعمل على إنجازه، وإمّا أن تقول إنّ مصلحتي أنا كدولة مثلا مرتبطة مع العالم ككل، وبالتّالي كما أنّ الفرد لا يستطيع أن يبني مصلحة خاصّة له في وسط مجتمعه؛ كذلك الدّول في عصرنا لا تستطيع أن تحصر اهتمامها في نفسها؛ لأنّ العالم أصبح متواصلا ومتداخلا في مصالحه لدرجة أننا نستطيع القول أنّ أيّ فكرة ما لم تكن لها فائدة عامّة، وليس فائدة خاصّة ينبغي أن نحذر من تطبيقها، ولو أفادت من جانب؛ فقد تضر من جانب آخر.

وبهذا المعنى البرغماتيّة تمارسها الدّول بشكل أو بآخر، ولكن القاعدة الّتي تهذّب وتلجم الإفراط والتّفريط فيها هي الفكرة القديمة الّتي جاءت في الأدبيات الحضاريّة وهي أنّ الغاية لا تبرر الوسيلة، وقد يبدو في أمر ما الغاية جيدة إلا أنّ الشّرط في استدامة انتفاع النّاس به هو أن تكون الوسيلة والغاية معا صالحتين، فإذا كانت الوسيلة ليست صالحة، ويبدو لك الغاية صالحة، إلا أنّه في المدى البعيد لن تتفادى مضارها.

وممّن أدان هذا المنهج العديد ممّن قرأ فكر ميكافيلي [ت 1527م]، ووجدوا عندما كان ينصح الأمير، كان مراده إذا تريد أن تبقي على إمارتك كما هي، حيث التّقلبات كثيرة، فما دامت تخدم مصلحتك اتّبع الغاية، فأدينت هذه الفكرة، فحلّ محلّها أنّ الغاية لا تبرر الوسيلة، وبني عليها الدّساتير والحراك الإنساني.


خليفة الحوسني: نرى وجود تصادم بين الرّأي والرّأي الآخر حتى داخل الجانب الثّقافي، فما السّبيل إلى أنسنة الخطاب الثّقافي؟


صادق جواد: هي مسألة اختلاف، وفي اللّغة العربيّة نمايز بين الخلاف والاختلاف، فالخلاف يكون على مستوى مبدئي، والاختلاف يكون على مستوى اجتهادي في ذات المبدأ، فتختلف في منهجيّة الشّيء لا في مبدأه، وعليه الخلاف هو مبدئي، والاختلاف في تطبيق منهجيّة المبدأ.

والأنسنة تعني إرجاع الشّيء إلى الإنسان من دون وصاية على فكره، فإذا أخضعت الشّيء إلى المنهج الّذي يؤمن بالأنسنة بمعنى أنّك أوجدت نفسك في هذا المسار، وهذا يشمل حتى الأديان وما فيها وغيرها من الفلسفات، حيث يكون معيار الصّحة والفساد فيها هو الإنسان نفسه.

وبالتّالي إذا أخذت هذا لا تنظر إلى هذا الأديان والفلسفات أنّها متخاصمة مع بعضها، فهي تفرعات في النّظر، لكن مردّها جميعا إلى اجتهاد الإنسان في أمره وفي نظره في الكون، فإذا وقفت مع هذه الكليّة فكل شيء يبقى كما هو، وإنّما قد تختار منهجيّة واجتهادا ما، ولكن على مستوى المبادئ فالمسألة استقرت ورسخت، فلا أحد اليوم يناقش في المبادئ، نعم هنا من يتنكر للمبادئ، ولكن قلّ من يجرء عند الحوار أن ينكر المبدأ، وهذا حتّى في الاجتهاد السّياسي والدّبلوماسي والقانوني وفي كلّ ما يخص الإنسان تجد المرجعيّة هي المبادئ والقيم.


رحمة المشهور: هل تكون بعض القيم منبعها العادات والتّقاليد، وهل يوجد فرق بين القيم والمبادئ؟


صادق جواد: العادات والتّقاليد لم ترد في الأثر الإسلامي بذكر حميد، ونجد هذا في القرآن الكريم: {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزّخرف/ 23].

والّذي جاء في أدبياتنا الإسلاميّة العرف، والعرف ما تعارف النّاس على صلاحه، فبعض ما نسميه عادات وتقاليد يلامس هذا العرف، وفي القرآن للعرف مكانة في تنظيم المجتمعات، وفي الحفاظ على وئامها واستقرارها في الدّاخل، {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف/ 199]، وهذا للنّدب.

وهذا ميزان يؤخذ به حيث أنّ النّاس عموما إذا اجتمعوا على صلاح شيء فالأولى أن يؤخذ به، وإذا اقتضى تغيير ذلك يكون تغييره بطريقة سلسة وليس بالتشبث بالعادات والمخاصمة فيها.

وأمّا المبادئ والقيم فقد استقرت حيث لا أحد يشكك في المبادئ الإنسانيّة، وكذا في القيم يكاد تكون مستقرة، فالقيمة ما يضفي الإنسان إلى نفسه من قيمة إضافيّة، والمبدأ شيء يولد به الإنسان، فبمجرد ولادته له حق واستحقاق في الكرامة الإنسانيّة والعدالة والمساواة والشّورى.

والإنسان يتفاوت في القيم من متعلم إلى جاهل، ومن قوي إلى ضعيف، ففي القيمة الإنسانيّة الكل يتساوى، وفي القيمة المضافة النّاس يتفاوتون، ففي العدل مثلا لا ينظر إلى القيمة المتفاوتة وإنّما ينظر إلى القيمة المتساوية، وعليه لما تنظر في مسألة ما تنظر إليها من حيث المبادئ ابتداء، ثمّ تجرده تصديقيّا من بعد ما تتوثق من سلامة اتّصاله بالمبدأ.


س.م: من الّذي يحدد قيمة الإنسان؟


صادق جواد: قيمة الإنسان تولد معه، لا تعطى له من مجتمعه، فحقوقه لا تنسب إلى ثقافة أو بلد أو شيء.

وفي الإسلام نجد في القرآن مثلا: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ} [الأعراف/ 70]، ولكنّه قبل التّكريم يتحدّث عن الحرمة، والفرق بينهما أنّ الحرمة يعني لا يجوز لك أن تمسّه بسوء فهو حصين في ذلك، ولهذا كانت النّفس المحرّمة، ثمّ يأتي مبدأ الكرامة، بمعنى عدم الاكتفاء بقول أننا نوّفر لهذا الإنسان الغذاء والمسكن واللّباس مثلا؛ وإنّما عليك أن تكرمه بتعليمه وإنهاضه في المجتمع بما يدعم كرامته بين النّاس.


محمّد الصّوافي: رأي صادق جواد حول القضيّة الفلسطينيّة من حيث السّلام والتّطبيع مع الكيان المحتل، ما المخرج للقضيّة الفلسطينيّة من خلال تجربة صادق جواد؟


صادق جواد: القضيّة الفلسطينيّة باعتراف وإقرار جميع العرب أنّها قضيّة تمسّهم جميعا، وبالتّالي عليهم أن يكونوا مع القضيّة حتى تنتهي إلى وضع منصف للفلسطينيين أنفسهم، من ناحية الأرض وغيرها.

وبجانب هذا الاهتمام بالنّسبة للعرب الّذين ترتبط بهم القضيّة من حيث الأصالة، وغيرهم من حيث الظّاهر؛ هناك قضايا للعرب خاصّة بهم، وليس بعموميّة القضيّة الفلسطينيّة، وهنا نجد شيئين يدخلان في علاقة متنافسة مع بعضهما، من حيث أنّك تعنى بالقضيّة الفلسطينيّة، ولكن هناك أمور أخرى تدعوك لكونك معنيّا بما يخصّك بالذّات، وهذا يحصل عند الفرد وعند المجتمع.

ولهذا اليوم عندما ننظر إلى القضيّة الفلسطينيّة من العرب أنّه عندما نجد أنّه لا يوجد استطاعة لإيصالها إلى مستقر مقبول لدى العرب والفلسطينيين، وفي هذه الحالة أعتقد كما جاء في رسالة المفتي – أي الشّيخ أحمد الخليلي – أي أنّك إذا لا تستطيع عمل شيء إيجابيّ للقضيّة؛ فلا تعمل شيئا سلبيا يؤدي إلى المساس والسّلبيّة ضدّها.


محمّد البوسعيدي: هل تفكرون في تطبيق عناصر التّفكير السّليم من حيث المعرفة العلميّة والمنطق العقلي والضّابط الخلقي على التّراث الإسلامي؟


صادق جواد: هي المعرفة في كنه الشّيء، والتّعانق المنطقي بالشّيء، والضّابط الخلقي الّذي يضبط الجانب الأخلاقي من الموضوع الّذي تتعامل معه، والإسلام لا يخرج عن هذا إطلاقا، ففي البداية يطالبك أن لا تبني أمورك على ظنّ أو تخمين، ويقول في آية بليغة: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النّجم/ 28]، فأنت لا تعطى من معرفة الشّيء بدقائقه كما هو، ولا تعفى أن تعرف تعانقات هذا الشّيء بالأمور الأخرى حولها، ثمّ لا تعفى من أن تنظر أنّ هذا الأمر الّذي تريد أن تقوم به لا يخرق شيئا أخلاقيّا، أي ينضبط بضابط المصلحة العامّة، وهذه واردة في الإسلام، وقد تكون واردة في الأديان الأخرى، ولكنّها في الجملة منهج يمكن أن يمارس في الإسلام والمسيحيّة وغيرها أينما كانت.


م.س: توجد ثلاث نظريات ما يتعلّق بالرّوح والتّقمّص والحلول والتّناسخ، أيّهما أقرب إلى التّصوف والعرفان الإسلامي؟


صادق جواد: الإسلام فيه مدارس لم يرد فيها الحلول والتّقمص، ولكن في الإسلام أنّ الإنسان ليس فقط جسما شكّل من طين وماء، ولكن أودع فيه شيء آخر ليس من طبيعة الطّين والماء، وهو روح الله، {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر/ 29]، وهنا نجد التّشكل الإنساني تشكّلا زائلا، وذرات من الأرض تجمّع بها هذا الجسد، ثمّ عندما يهترئ الجسد، وتعود الذّرات، وتتوزع وتعود إلى مكان آخر، في شجرة أو حيوان أو أيّ شيء، فالذّرات لا تفنى ولا تزيد في الكون، فمسألة الرّوح من الفهم القرآني شيء أزلي أبدي، ليس لها شكلا لتزول فتنمو في مكان آخر ليقال إنّها زالت، ولأنّها هي من روح الله فهي كالخالق تبقى ولا تزول.

وهذا الفهم ليس لديه إشكال عند المسلمين، فمن أسماء الخميني [ت 1989م] مثلا روح الله، فليس المراد بروح الله بالمعنى الصّارم، ولكن الإنسان فيه هذه الرّوح، فكلّما ارتقى في إنسانيّته، أي كلّما يكون نماؤه في اتّجاه الرّوح الصّافية النّظيفة الّتي لا تتلوث، فيكون أسلم وأكثر قابلية للارتقاء في إنسانيّته.

وعند الآخرين، وحتّى عند من لا يقول بالرّوح يقول إنّ ما يسمى بالعقل هذا له مراتب، ففي مراتب منه أقرب إلى مادّيته، وفي مراتب أعلا منه أقرب إلى روحه، وعليه الرّوح منطقة تكاد تكون أوج ما يبلغه عقل الإنسان.

في نهاية اللّقاء نشكر الأستاذ صادق جواد وجميع المتداخلين والمشاركين من عمان وخارجها، وإلى لقاء آخر حول فلسفة الأديان.


*تمّ التّسجيل على برنامج zoom، 21 سبتمبر 2020م.

إشترك بمجلتك "المرقاب" .....من أجل  أن تصلك المعلومات

.أول بأول رجاءا إكتب بريدك الإلكتروني في الصندق السفلي واضغط  Subscribe 

Subscribe to Our Newsletter

  • White Facebook Icon

 2020 © alMirqab.Das.Monokel 

almirqab.das.monokel@gmail.com